Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم يحذر من الحياة الافتراضية ووسائل التواصل: الحرب الأهلية مقبلة

 "المعضلة الاجتماعية" للمخرج جف أورلوفسكي يطرح معطيات خطيرة عبر "نتفليكس"

من الفيلم: إدمان المراهقين على الموبايل (موقع نتفليكس)

فيلم تحت عنوان "المعضلة الاجتماعية" للمخرج جف أورلوفسكي يُعرض حالياً على "نتفليكس" ويأتي بمعطيات خطيرة ومقلقة عن العالم الذي نعيش فيه. هذا الوثائقي الذي هو خليط من مَشاهد تسجيلية ودرامية، يحمل قضية وسائط التواصل الاجتماعي التي بدأت تظهر منذ مطلع الألفية الثالثة مع انتشار الإنترنت في كلّ بقعة من الأرض، ويذهب إلى أبعد من مجرد العرض، بل يدق ناقوس الخطر في شأنها زاعماً أن ديموقراطية الدول المتقدمة مهددة، والحضارة البشرية إلى زوال إذا استمرت الأشياء على ما هي عليه.

يروي الفيلم سيرة صعود هذه المنصّات التفاعليه التي اقتحمت عقول الناس والتي تعرف كلّ شيء عنّا، حتى كم ثانية نحدق في صورة أو في أي حالة نفسية نكون عليها ونحن نتأمل شاشة الهاتف المحمول. تعلم عنّا أكثر من أي وقت مضى علم فيه البشر عن بشر آخرين. صحيح أن الفيلم يمدّك بكم هائل من المعلومات، ولكن يدفعك أيضاً إلى التفكير في التطور الذي شهدته التكنولوجيا في العقود الماضية، مقارنةً بتطور العقل البشري الذي لم يعرف تطوراً مماثلاً، بل يمكن القول إنه بقي على حاله إلى حدّ كبير. 

يركّز أورلوفسكي بشكل أساسي على الأضرار التي تسببها وسائل التواصل للمجتمع لخدمة مصالح عليا وتحقيق مكاسب مالية ضخمة، إلى درجة أن بعض المسؤولين فيها لا يسمحون لأولادهم استخدامها وهم يعلمون أخطارها على الصحة النفسية. في بداية الفيلم، تُطرح أسئلة على شخصيات عملت في إحدى هذه المؤسسات الضخمة (مثل "غوغل" و"تويتر" و"فيسبوك" و"إنستغرام" و"بينتسرت")، ومن بينها سؤالٌ محدد: ما المشكلة الأساسية في هذه الوسائط؟ إلا أن لا أحد تمكّن من الرد على هذا السؤال. فالعلة في نظر هؤلاء تفتقر إلى اسم. والسبب هو أن الخيوط متداخلة، والمشكلة ما هي سوى مشاكل، ما يجعل تشخيصها من سابع المستحيلات. لذا يتوجب الشرح، وهذا ما يقترحه الفيلم الذي يلجأ إلى أسماء كبيرة في عالم التكنولوجيا لها باع طويل في هذا المجال. المآخذ على المسؤولين الذين خلف المؤسسات كثيرة: ارتباطها بجهات تستغل الداتا الخاصة بالمستخدمين وموضوع الخصوصية، فإدمان المستخدم عليها والكآبة التي من الممكن أن تصيبه بسببها، وصولاً إلى الانتحار في بعض الأحيان… هذا من دون الحديث عن توظيفات "فيسبوك" و"تويتر" في السياسة (لا سيما في الانتخابات الأميركية) والمساهمة في نشر الأخبار الكاذبة وإتاحة المجال لعشّاق نظريات المؤامرة ليدلوا بآرائهم وسط الكم الهائل من المنشورات التي لا يمكن التحقق من صدقيتها. 

شهادات عقول

 

الفيلم يرتكز على شهادات مجموعة من العقول (التكنولوجية) المدبرة التي، بعد سماعنا كلامها المنمّق والواضح والصريح، ينتابنا شعور بأننا نعيش في عالم لا ندرك كلّ أخطاره بعد، ما دام حفنة من أشخاص يمكن أن يتلاعبوا بحياتنا وهم يجلسون خلف مكاتبهم ويحوّلون البشر إلى "زومبيين" ليسوا أكثر من أرقام ترفع من نسبة أرباح المعلنين. حتى أحدهم يقول بالحرف إنه لم يسبق للعالم أن عرف شيئاً كهذا: أن يتخذ 50 تقنياً في كاليفورنيا تتراوح أعمارهم بين الـ20 والـ35 سنة، قرارات لها تأثير مباشر في حياة ملياري شخص. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تريستان هاريس هو أحد الذين يشهدون على مخاطر الحياة الافتراضية التي حلت للأسف مكان الحياة الحقيقية. هو يشارك بصفته الشخص التائب، لديه رسالة يريد أن يتوجه بها إلى العالم. بعد سنوات من العمل في القسم المخصص بكلّ ما يتعلق بالمناقبية في موقع "غوغل"، تخلى عن كلّ تاريخه ليؤسس مركزاً "للتكنولوجيا الإنسانية" وبات يوظف كلّ خبرته من أجل الدعوة إلى استخدام أخلاقي لوسائل التواصل. يروي أنه عندما كان يعمل في "غوغل"، دعا الجميع إلى الاهتمام بالجانب الإنساني للموقع، لكن دعوته، على الرغم من أهميتها، لم تجد آذاناً صاغية. اليوم، يتعامل هاريس مع "غوغل" وغيره كشر، إذ يقول إنه في بداية عمله فيه، كان يعتقد أنه منصّة تصنع الخير، لكنه ما عاد متأكداً من ذلك اليوم. 

المتحدثون لا يشيطنون هذه الوسائط، وإن كانوا يتحدثون بنبرة قد تثير الذعر فتشجع البعض على إقفال حسابه. لا يوجد وحش يسحب الخيوط من برجه العاجي. هي فقط مسألة نموذج تجاري خاطئ. الكلّ يجمع أن لا شر مطلقاً خلفها. يعترفون أن منابر مثل "فيسبوك" و"تويتر" أسهمت في لم شمل عائلات مشتتة وعثور مرضى على أعضاء كانوا في حاجة إليها. لكن في المقابل من السذاجة تجاهل الجانب الآخر للعملة. والنقطة الأخيرة يتم التشديد عليها، إذ يجب علينا أن نعلم أننا نعيش في فقاعة، من المستحيل الخروج منها ما لم نعِ أننا داخلها. فالخبراء الذين يصممون هذه المنصّات يراهنون على الجانب غير الواعي لعقولنا، وهو الأمر الذي يلجأ إليه أيضاً الأشخاص الذين يمارسون السحر.

 

داتا المستخدمين

بيد أن أكثر ما يستفز في الفيلم هو مسألة تجميع داتا المستخدمين. الواحد منّا يشعر بقشعريرة وهو يرى الإنسان الروبوت الذي يتم صنعه انطلاقاً من كل المعلومات التي جُمعت والتي تساعد في توقّع ماذا سنفعل وكيف سنتصرف وأي إنسان سنكونه في ظروف معينة. كثر يعتقدون أن الداتا تُباع، لكن أحد المتحدّثين يؤكد بأن لا مصلحة لـ"فيسبوك" في بيعها، كاشفاً أنها تفيد في صناعة نسخات عن البشر تتوقّع أفعالنا، والجهة التي تصنع أقرب الموديلات إلى الكمال تفوز!

خيار شرح مساوئ المنصّات من خلال مشاهد درامية، ركيك في بعض الأحيان ويقع في الكاريكاتور في أحايين أخرى. إلا أنه يخدم السياق العام. لعل أفضل المَشاهد الدرامية هو ذاك الذي يرينا عائلة تستعد لتناول العشاء، فتطلب الأم من الجميع الاستغناء عن هواتفهم الذكية. ثم تضعها في علبة مقفلة. ما سيحصل بعد ذلك، يكشف مدى حضور هذه الأجهزة في الحياة اليومية للناس، حد أنه إذا انتُزع الهاتف من يد أحدهم، بات وكأنه لا يعرف ماذا يفعل أو يقول، وكأن حياته صودرت. لقد نجحوا في فرض عالم أصبح التواصل الافتراضي فيه لا مهرب منه بأي شكل من الأشكال، كما يقول أحد الخبراء في مداخلته متأسفاً. 

في وادي السيليكون، حيث اتخذت هذه المؤسسات (وهي الأغنى في العالم) مقرات لها، ما عاد أحد يصنع أي منتوج. بل تبيع مستخدميها (أي كل الذين على وسائط التواصل). المنتوج هو نحن. الزبون هو المعلن ونحن البضاعة. وهذا مبدأ جديد في النظام الرأسمالي: إذا كان الموقع مجاناً، فهذا يعني أن المستخدم هو المنتوج. أنت الذي تُباع وتُشترى. أو بشكل أدق: انتباهك هو المنتوج. فكل شيء مصمم ليشد انتباهنا في الاتجاه الذي يريده المعلن. هكذا يجني أصحاب المنصّات المال: من خلال تغيير ما تفعله، ما تفكر به، وما أنت عليه. أحدهم يوضّح أكثر قائلاً: "في كل مرة اثنان يتواصلان أحدهم بالآخر، هناك طرف ثالث يتلاعب بهذين الشخصين. هناك اليوم أجيال كاملة ولدت وتربت وعاشت في جو من التلاعب. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها هؤلاء لتمويل مشاريعهم المشبوهة".  

في المحصلة، يمكن القول إن الخيال العلمي لم يعد حكراً على الكتب والأفلام. إنه واقع يومي نعيش فيه. ولكن، أين نحن العرب من هذا كله؟ فلا نملك ترف التفكير في أشياء تبدو كأنها "مشكلات العالم الأول". خصوصاً أن مهما تكن أضرار هذه المنابر، فهي شرّعت نافذة على الحرية في دول وأنظمة كان المواطن فيها لعقود طويلة ضحية القمع من جهة والإعلام التابع والموجه من جهة أخرى. و"فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام"، على الرغم من عللها الكثيرة، صوت مَن خُطف صوته.

المزيد من سينما