Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب الذاكرة في شوشي تسابق محاولات حل النزاع في قره باغ

سقوط البلدة يعني سقوط العاصمة ومن ثم الإقليم بسبب موقعها الإستراتيجي

كانت صفارات الإنذار تدوي صباحاً في عاصمة الإقليم ستيباناكيرت عندما غادرنا ومجموعة من الإعلاميين، إلى شوشي، البلدة التي تعرضت الخميس المنصرم للقصف مرتين، والذي استهدف مجمعات سكنية وإحدى كنائسها. هذه كنيسة، واسمها (المخلص)، بدأ العمل فيها عام 1868 وافتتحت عام 1887 وتحمل في هندستها جمالية معمارية وقيمة أثرية الى جانب بعدها الروحي ورمزيتها الدينية. ولأن القصف سبق وطاول البلدة، أملنا هذه المرة أن نقوم بعملنا من دون أي متاعب جديدة، وبعيداً من خطر النيران التي لاحقتنا بالأمس. وسرعان ما خاب أملنا.



إلى الملجأ

كانت شوارع البلدة شبه خالية عندما وصلنا إليها. كل ما فيها يُنذر بعودة القذائف الصاروخية في أي لحظة. كان هدوء ما قبل العاصفة. هدوء لم يستغرق كثيراً. إذ لم يمر على وجودنا في أحياء شوشي سوى دقائق قليلة، حتى عاد القصف المركّز إلى داخل الأحياء ومحيطها، وكأن الهدف كان منع الإعلاميين من إكمال عملهم وتوثيق ما حصل. فالطائرات المسيرة الأذربيجانية رافقت مسيرتنا طوال الطريق إلى حين وصولنا إلى البلدة. وما أن بدأنا بجولتنا الميدانية، وبعد معاينة وجيزة لأضرار قصف الأمس، عادت تلاحقنا أصوات القذائف التي ملأت السماء ببقع دخانية، فطُلب منا مجدداً الإسراع إلى أحد الملاجئ، حيث كان سبقنا الى هناك ما تبقى من سكان البلدة. انتظرنا داخل الملجأ الواقع في أحد أقبية المباني، أكثر من نصف ساعة، ولم نتمكن من المغادرة إلا بعد تلقي الجنود الذين كانوا هناك، اتصالاً من رؤسائهم، يطلب منا مغادرة شوشي وبسرعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصعيد قبل التفاوض

هذا التصعيد المتواصل كأنه يسابق المفاوضات المرتقبة في موسكو. إذ دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزيري خارجية كل من أرمينيا وأذربيجان، إلى موسكو اليوم الجمعة.

وقال الكرملين في بيان إنه "في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول)، وزيرا خارجية أذربيجان وأرمينيا مدعوان إلى زيارة موسكو للتشاور" بوساطة الخارجية الروسية. وأضاف أن الهدف هو "وقف القتال" وتبادل الأسرى وجثث الجنود القتلى على وجه الخصوص.

وأضاف الكرملين أن "رئيس روسيا يدعو إلى إنهاء القتال في ناغورنو قره باغ لأسباب إنسانية، بهدف تبادل جثث القتلى والسجناء"، موضحاً أن بوتين أجرى مباحثات مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان.

الوساطة الدولية

ووصل وزير الخارجية الأذربيجاني أمس الخميس إلى جنيف للاجتماع مع مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (روسيا وفرنسا والولايات المتحدة) المُكلّفة الوساطة الدولية في هذا النزاع المستمرّ منذ أكثر من 30 عاماً. ولم يرشح شيء عن هذا الاجتماع.

ومن المقرّر أن يستقبل وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف نظيره الأرميني الاثنين المقبل في موسكو.

وتتولى هيئة الوساطة الدولية البحث عن حل بالتفاوض، للنزاع القائم منذ تسعينيات القرن الماضي.

وأعلنت الخارجية الأذربيجانية أن "هدف الزيارة هو عرض موقف باكو حول تسوية النزاع". وأبدت تصميمها على استعادة إقليم قره باغ الذي تسكنه غالبية أرمينية مؤكدة أن النزاع لن ينتهي إلا بانسحاب القوات الأرمينية.

وفي هذا السياق، استبعد متحدث باسم وزارة الخارجية الأرمينية عقد لقاء بين وزيري خارجية البلدين المتنازعين في جنيف لأنه "لا يمكن أن نفاوض بيد ونقوم بعمليات عسكرية باليد الأخرى".

لماذا شوشي؟

في العودة إلى التفاوض بالنار، يُطرح السؤال عن سبب استهداف شوشي؟ تصبح الإجابة عن هذا السؤال واضحة فور زيارة البلدة. وربما الجواب المختصر هو أن سقوط شوشي يعني سقوط العاصمة، ومن ثم الإقليم. فالموقع الاستراتيجي للبلدة على تلة مشرفة على العاصمة ستيباناكيرت يجعل منها هدفاً دائماً للنيران الأذربيجانية. كما أن نتائج حرب عام 1994 عندما سيطر الأرمن على شوشي بعد معارك ضارية لا تزال راسخة في ذاكرة الأذربيجانيين. إمكانات عودة الوئام ليست معدومة في هذه البقعة المشتعلة، حيث تلاعب الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية بخرائط القوميات، ما أثار أكثر من "أزمة كيان" في جمهورياته السابقة، في المناطق السلافية والقوقاز. ففي شوشي جامع جوهر آغا المعروف أيضاً "بجامع الجمعة" شيد عام 1893، ويشهد على الوجود الأذربيجاني في البلدة، ولا يزال عدد قليل من أصل أذري يسكن في محيطه. الجامع كان تضرر في الحروب المتكررة السابقة، لكن سكان شوشي الأرمينيين رغم تواضع أوضاعهم المادية، عملوا على ترميمه مجدداً.

هي حرب الذاكرة بين قوميتين، وحرب المستقبل الاقتصادي في منطقة يعبرها خط الغاز إلى أوروبا. حرب تهدأ لسنوات، وتعود إلى الاشتعال، وتترك ضحايا على الجانبين. والضحايا أناس صودف أن الحاضر رمى بهم في منطقة لا يزال التاريخ العاصف يغلب كل إمكانات السلام الدائم.  

المزيد من تقارير