Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رقصة الموت الأخيرة" في صيغة مسرحية سورية مستعادة

اقتباس نص السويسري فريدريش دورينمات خلا من بعده التاريخي والثقافي

من مسرحية "رقصة الموت الأخيرة" على مسرح القباني الدمشقي (اندبندنت عربية)

سنوات طويلة مرَّت على عرض "رقصة الموت الأخيرة" الذي قدَّمه الفنان حسن عكلا في المسرح القومي في حمص مطلع تسعينيات القرن الماضي، مقتبساً مسرحية "لنمثل ستريندبرغ". النص الذي كان فريدريش دورينمات (1929-1990) قد أعده هو الآخر عن مسرحية "رقصة الموت" لأوغست ستريندبرغ (1849-1912)، وفيه أحال الكاتب السويسري - الألماني مأساة حياة عائلة برجوازية إلى كوميديا زوجية، جمعت كلاً من إدغار (حسن عكلا)، وإليسا (رامية زيتوني). الزوجان اللذان يعيشان في جفاء شبه تام على ظهر جزيرة معزولة، ولكن وفي عيد زواجهما الفضي يزورهما كورت (غسان الدبس) ابن عم إليسا، والذي كان سبباً في تعارفهما، قبل أن ينهي قصة حبه لابنة عمه، ويهاجر إلى أميركا.

الزيارة تقود كلاً من الزوجين لاستذكار حياتهما الموحشة والباردة داخل برج منعزل، بعد هجرة ولديهما للدراسة، وتقدم العمر بهما. ويدخل كل من الزوج والعشيق السابق في مبارزة كلامية كاريكاتورية، حاول عبرها المخرج حسن عكلا إنعاشها عن ترجمة متواضعة للقاص سعيد حورانية، وهي ترجمة تشبه عديداً من الترجمات التي نقلت مسرح دورينمات إلى العربية، من مثل ترجمات أنيس منصور، وحسين إدلبي، فجميع هذه الترجمات أهملت الموقع التاريخي لمسرح دورينمات، والمقدمات التاريخية له، ولا سيما أوضاع أوروبا الغربية عامةً، وأوضاع سويسرا خاصةً، بعد الحرب العالمية الثانية، والتأثيرات التي تركتها التيارات الفكرية من الوجودية والمثالية الألمانية، والعلوم الطبيعية على هذا المسرح، لنصل في النهاية إلى نصوص مقتطعة من سياقها التاريخي، وتكاد غير مفهومة ومبهمة لجمهور دمشق الألفية الثالثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترجمة أدبية

كل هذا جعل "رقصة الموت الأخيرة" عرضاً ضائعاً في الترجمة، إذ ظلت لغة العرض لغةً أدبيةً مثقلةً ومتكلفةً، دون تبيان الصقل الأسلوبي لنصوص دورينمات، ودونما أي نوع من التدخل الدراماتورجي على النص المكتوب عام 1968، والذي جاء حينها في صيغة أقرب إلى ورشة ارتجال خاضها المسرحي السويسري مباشرةً مع ممثليه على الخشبة، محيلاً مأساة قتل الزوج وموت العشيق في نص ستريدنبرغ إلى ملهاة ساخرة، لتكون أقرب إلى جولات وتسجيل نقاط. وذلك ضمن حلبة (صمم الديكور أشرف عكلا) على هيئة منصة دائرية متحركة صادرت فضاء مسرح القباني، وأغلقته نهائياً أمام حركة الممثلين الثلاثة، ليتوقف "ميزانسين" هؤلاء على حركة رتيبة بين الجلوس والوقوف لإلقاء الخطب، وتبادل عبارات الحوار الطويلة، يتخللها تعليق رجل المسرح (موريس فياض) على انتهاء جولة وبداية أخرى.

من هنا أخطأ عرض "رقصة الموت الأخيرة" تفسير نظرية دورينمات عن المسرح، والتي تقول بانتهاء المأساة وسطوة البطل الفردي، لتحل الملهاة عوضاً عنها كبديل درامي وحيد قادر على تفسير مشاكل العصر. فلا مذنبون ولا أبرياء كما هو الحال في التراجيديا، وهذا يعني انكفاء دور الفرد، والتركيز على مفهوم المفارقة كعنصر أساسي في عروض الكوميديا. لقد انجرف حسن عكلا إلى نوع من المحاكاة البرانية لمفاهيم دورينمات، فبدلاً من تطبيقه لمفهوم الابتعاد في المسرح، وعرض الواقع من خلال الكوميديا، ذهب نحو تطبيق نظرية التغريب لدى برشت، فالمسرح هنا لا يشرح ولا يقلد الواقع، بل يواجه المتفرج بنماذج كاريكاتورية مشوهة عنه، وذلك بتقديم بدائل مسرحية عبر لعبة صرفة تعمل على توفير عناصر الإيهام اللازمة كشرط فني للعرض المسرحي.

الوهم المسرحي

هكذا افتقد العرض السوري للسخرية من الأنظمة التوتاليترية المتحالفة مع إقطاعات "البايار". اسم الرقصة التي قدمها حسن عكلا مرات ومرات على الخشبة ممثلاً ومخرجاً، دونما إلمام بها، وبلا أن يجعلها عنصراً من عناصر التهكم على الشخصية البرجوازية، والتي ظلت بدورها خارج مسرح التجريب الذي نشده المسرحي السويسري، بدلاً عن مفهوم كسر الوهم في المسرح الثوري الألماني، والذي لطالما انتقده دورينمات في كتاباته، لا سيما في الخطبة التي ألقاها عام 1959 بمناسبة تسلمه جائزة شيللر، وذلك تقديراً لمسرحيته "زيارة السيدة العجوز". ففي هذه الخطبة التي عُرفت بـ"خطبة شيللر" قال دورينمات إن المسرح ليس أداة لتغيير العالم، واعتقاد الثوار بذلك لم يعد مُجدياً، لقد ألغي هذا الوهم إلا بالنسبة للحشود، بحيث يأتي المسرح الثوري كديناميت سياسي للجماهير الغاضبة، وليصبح المسرح برأيه بمثابة منبر اتهام، ومساحة تامة من اللعب الحر. وعبر هذا اللعب تتداعى شخوص المسرحية، وينقلب السحر على الساحر، وذلك بالاستغناء نهائياً عن استجداء العواطف، وتهييج الجمهور، ليصبح عمل الممثل عملاً ذا طابع رمزي بحت.

على مقلب آخر لعبت موسيقى أيمن زرقان، وإضاءة بسام حميدي دوراً في توليف مناخ صوتي وبصري للعرض، وتوفير مساحة فارغة للأداء، لكنها مفعمة بالمؤثرات التي حاولت مَوْسَقة جولات العرض، وضبط ما يمكن ضبطه بالنسبة لإيقاع الأداء وتوجهه على الخشبة، دون أن تكون هذه العناصر السمعية والبصرية ذات حضور زركشي وتزييني فائضاً عن الحاجة، بل في صميم العملية المسرحية. إلا أن التصور الإخراجي ظل قاصراً عن تهيئة شروط التجلي لعناصر الضوء والموسيقى على المسرح، إذ بقيت اللغة الفصحى للحوار عائقاً أساسياً أمام الممثل والمتفرج في "رقصة الموت الأخيرة". وهذا ما أخذ العرض إلى ما يسمى التلقي النمطي. الأمر الذي ضاعف من الفجوة بين الخشبة والصالة، وترك اللغة هي التي تتحدث بدلاً عن الممثل، إضافة للتحديد التاريخي الذي أقصى العرض السوري عن ملامسة هواجس جمهور الحرب السورية، تاركاً إياه في فخ المتحفية، أو المسرح المتحفي المكتفي بنظرته إلى الجمهور ككتلة صماء واحدة، وليس مزيجاً من الأشخاص ذوي الانتماءات والتيارات والمشارب المختلفة. فمع أن الذائقة معقدة ولا تقبل المصادرة عليها، إلا أن مخرج "رقصة الموت" أراد قالباً فنياً جاهزاً لتجربته، مستغنياً عن إيجاد مساحة لنقاش جديد، ومصراً في الآن ذاته على قصص سويسرية معلبة ظلت خجولة في اشتباكها مع الواقع السوري الراهن، وقللت من حتمية تحقيق معادلة المسرح الأساسية: "الآن وهنا، نحن والآخر".

هكذا بقي عرض "رقصة الموت الأخيرة" الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقى تتمة لعشرات العروض التي حفل بها ريبرتوار المسرح القومي في سوريا، والذي نهل منذ ستينيات القرن الماضي من معين النصوص المترجمة، ناسفاً المسافة بين المحلي والعالمي، ضمن اتجاهه إلى الانخراط في المشترك الإنساني بين الشعوب، واستيراد المسرح كسلعة ثقافية. وحاله في ذلك حال كل بلدان العالم الثالث في تبعيتها الثقافية للآخر، وافتقادها المزمن المخيلة الذاتية، وبحثها عن أشكال فنية جاهزة دون البحث في ظروف بلدانها التاريخية والاجتماعية والسياسية، وإتاحة الفرصة لمقترحات تغني الثقافة الوطنية إلا في ما ندر.

المزيد من ثقافة