Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسام الكاريكاتور الأرجنتيني كينو رحل قبل أن يرى العالم يتغير

أندلسي الجذور وشخصية "مافالدا" الفنية التي ابتكرها صنعت له شهرة واسعة

رسام الكاريكاتور الأرجنتيني العالمي كينو (موقع الرسام)

خطف الموت قبل أيام الأرجنتيني كينو. كان رسّام الكاريكاتور الناطق بالإسبانية الأشهر في العالم. عن عمر 88 سنة، أوقع قلم الرصاص من يده ومضى، تاركاً خلفه عالماً يعيش تقلّبات خطيرة تحتاج إلى عين ثاقبة مثل عينه، كي ينقلها بالحبر والورق، بالسخرية والدقّة التي عرف بهما. صحيح أن الإسبانية لغته الأم، لكن رسوماته التي غالباً ما كانت صامتة وتضع الكلام في مرتبة ثانية، كانت شديدة الكونية تخاطب كلّ إنسان أياً تكن لغته. رسوم فيها نزعة سياسية قوية ومتابعة حثيثة لكلّ ما يجري حول العالم وموقف من كلّ مستجد ومثير. 

ولد كينو (اسمه الحقيقي خواكين سالفادور لافادو تيخون) لوالدين أندلسيين هاجرا من إسبانيا هرباً من الحرب. عن طفولته نعلم أنه أبرم عقداً مع أمّه: أن توافق على أن يستعمل طاولة المطبخ كي يرسم عليها، شرط أن ينظّفها عندما ينتهي. تنقل صحيفة "كلارين" التي عمل فيها طويلاً، أنه منذ السادسة كان يعرف جيداً أنه سيهب حياته للرسم ولا شيء آخر، سواء الكاريكاتور أو القصص المصوّرة (الكوميكس كما يُقال في الإنجليزية). رسم حتى قبل أن يجيد القراءة. ولعل أغرب ما في تجربة كينو هو أن الخجل هو الذي حمله إلى الرسم وشجّعه عليه. فهو في طفولته لم يكن يقوى على الكلام، فقرر أن يستعين بالقلم. لم يعرف يوماً سبيلاً آخر للتعبير عن نفسه وأفكاره وتوجهاته. موهبته وقدراته بالفطرة. هذه الطفولة التي أمضاها في الرسم، أضحت شخصية محورية عنده، إذ استمد منها الكثير من العناصر لبناء شخصيات الأطفال الذين يعيشون في عزلة عن عالم الكبار وغالباً يمتازون بذكاء حاد. أكثر تلك الشخصيات التي ساهمت في تكريس كينو عالمياً هي الطفلة مافالدا. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قلم الرصاص

عن الوعي الأول على الرسم، يقول: "في الثالثة، كنت أرسم مع خالي. فهمتُ حينها أنه من شيء بسيط جداً كان من الممكن أن يتولد أشخاص، أحصنة، قطارات، جبال… قلم الرصاص شيء مدهش". في عمر الثالثة عشرة، تسجّل في مدرسة مندوزا للفنون الجميلة، إلا أنه ملّ سريعاً، فغادرها مشغولاً بهاجس الرسم الكاريكاتوري. عند بلوغه سنّ الرشد، قصد العاصمة بوينس آيرس، غير أن تكريس وقته في صناعة حلمه ما كان يوفّر مالاً يتيح له العيش، فاجتاز فترة معيشية صعبة، قبل الانفراج الكبير مع نشر أسبوعية "استو أس" رسماً له على صفحتها الأولى. ذاك اليوم "التاريخي" من العام 1954، يتذكّره كينو باعتباره "أسعد يوم في حياته". يروي أيضاً أنه في مقابلات عدة كان يرسم وقتها بشكل سيّء جداً، حتى أن أحد الرسّامين المخضرمين قال له إن لديه "أفكاراً ولكنه يرسم كالخنزير". رسّام آخر، هو غييرمو ديفيتو،  ساهم في تعليمه، بعدما راح يراجع ما يرسمه. قبل التعرف عليه، يقول كينو أنه كان يرسم بلا ظلال. ديفيتو نصحه بعدم ترك الكثير من البياض في رسومه، ذلك أن القارئ يريد الحصول على رسم لا على مسافات بيضاء، مقابل ما دفعه من مال.

ولدت شخصيته الشهيرة مافالدا في أعقاب صدور أول كتاب له، "عالم كينو" في العام 1962. فبعد سنوات من العمل في الصحافة، وبناءً على طلب من جهة معينة، أُسندت إلى كينو مهمة إنجاز حملة دعائية لعلامة تجارية متخصصة بأجهزة إلكترونية تُستخدم في المطابخ. كلّ ما كانوا يبحثون عنه هو رسّام يبتكر وجهاً إعلامياً يبدأ اسمه بـ"ما" (نسبةً للعلامة التجارية "مانسفيلد")، وكان عليه أن يجسّد عائلة أرجنتينية من الطبقة الوسطى. في النهاية، لم يتحقق المشروع، غير أن شخصية مافالدا التي كان ابتكرها كينو، راحت تشق طريقها بنفسها، وظهرت مطبوعةً لأول مرة في العام 1964 في "بريميرا بلانا" (مجلة أسبوعية كانت تصدر من بوينس آيرس). ويروي كينو أن زوجته كان لها الفضل الأكبر في ولادة الشخصية، إذ بعد إجهاد المشروع اقترحت عليه أن يعيد إحيائها. أما الكتب التي صارت مافالدا بطلتها فبُيعت بالملايين حول العالم، وتُرجمت إلى 35 لغة، وذاع صيتها خصوصاً في أميركا اللاتينية وكيبيك وأوروبا. العالم العربي لم يعرف مافالدا، على الرغم من أنها طبعت ذهن أجيال عدة في الغرب، خصوصاً أن أسطورتها قامت على النقد الاجتماعي الذكي واللمّاح الذي كان الناس يحتاجون إليه في تلك الفترة. وقد أشاد بمافالدا كبار الأسماء في العالم، منها الإيطالي أومبرتو إيكو الذي قال عنها إنها تحاول البقاء صغيرة كي لا تقفز إلى عالم الكبار.  

سلسلة "مافلدا"

نُشرت سلسلة كتب "مافالدا" المصوّرة بين عامي 1964 و1973، وحملت أبعاداً سياسية واضحة مطعّمة بدعابة كان كينو يمتلك سرّها، غير فجّة وعصية على التقليد. مافالدا صبية يافعة لكن تحمل في داخلها تشاؤماً ووعياً سياسيين ممّا يصعّبان علاقتها بمحيطها. هذا الأمر يجعلها تبلور نظرة نقدية حيال ما يحدث في العالم، فلها مثلاً موقف من الحرب الباردة آنذاك في الستينيات. حلمها هو أن تستلم منصباً رفيعاً كي تتمكّن من وضع حد لكلّ الصراعات التي تدور في العالم. شخصية قوية ومثالية تعكس بعضاً من تطلعات كينو بلا شك. وعندما نضيف أنها تحب فرقة البيتلز البريطانية، يصبح لدينا فكرة شاملة عنها. ومافالدا كانت محوطة بحفنة شخصيات لها آراء متفاوتة في شؤون سياسية مختلفة تصل أحياناً إلى حد التناقض. الصبي مانوليتو أحد هؤلاء. إنه يعرّف عن نفسه بصفته أكثر شخص ميّال للرأسمالية في الأرجنتين. هناك أيضاً سوسانيتا، الفتاة التي تسعى إلى أن تكون مستقلّة، إلا أنها خاضعة لزوجها المستقبلي وتحلم بتأسيس عائلة كبيرة معه. كلّ شخصية من هذه الشخصيات أرادها كينو حادة، متطرفة بعض الشيء، لا تساوم، تتجلى من خلالها نزعته إلى العبثية. يجب التذكير أنه لطالما انتمى إلى معسكر اليسار، ولم يخفِ ميوله السياسية. من هذا المنطلق، كانت البورجوازية تُمرَّغ في الوحل دائماً في ألبوماته ورسوماته. لم يتردد كذلك في انتقاد قمع السلطة، لا سيما العنف البوليسي. كرس عدداً من الرسوم أيضاً لإدانة حرب فيتنام. 

يعترف كينو أنه لم يتوقّع أن تستمر شخصية مافالدا كلّ هذه السنوات. عندما توقّف عن رسمها، شُنَّ عليه هجوم من المعجبين. شخصية وُلدت بالمصادفة، بناءً على طلب لم يتحقق، ولكن تركت خلفها إرثاً ثقافياً. هذا أمر نادر! والسبب الرئيسي الذي جعل كينو يستبعد أن تُكتب لمافالدا حياةً طويلة في البداية، هو أنه كان يؤمن دائماً أن العالم سيتحسّن والظلم سينتهي والعدالة ستسود، وبالتالي لا حاجة إلى أصوات تندد وتستنكر وتضع النقاط على الحروف. إلا أن الأحوال التي راحت تزداد سوءاً، وجدت صداها في مافالدا وأطالت عمرها. 

يمكن القول إن كينو من جيل الستينيات حاول التغيير بالأفكار لا بالسلاح، بواسطة الفنّ والكلمة والإحساس، إلا ان ظنّه خاب في الآخر عندما رأى ما آلت إليه الأوضاع. وكان يقول إن السياسات الليبرالية المعتمدة جعلت الأثرياء أكثر ثراءً والفقراء أكثر فقراً. في العام 2006، بعدما تعرّض لمشاكل في النظر، توقّف عن الرسم نهائياً. وعندما وقعت مذبحة "شارلي إيبدو"، صرح بأن "مافالدا كانت لتشعر بألم شديد"، وهو يحمل يافطة كُتب عليها "أنا شارلي".  

في واحدة من مقابلاته الصحافية الأخيرة (أجرتها معه جريدة "لو موند" الفرنسية)، قال كينو بشيء من الحسرة وفي قلبه غصّة، ما يلخّص فلسفته في الحياة: "مشكلة عالمنا أن الأطفال يفقدون استخدام المنطق كلّما تقدّموا في العمر. ينسون في المدرسة ما كانوا يعرفونه عند الولادة. يتزوجون بلا حب. يعملون من أجل المال، وعندما يدخلون عالم الكبار في السن، يغرقون لا في كوب ماء فحسب، بل في وعاء شوربة".  

المزيد من ثقافة