Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صبا بطلة "حاجز لكفن" ضحية العودة إلى درعا

واحة الراهب تروي مآسي الحرب السورية من خلال امرأة على حافة اليأس

في الطريق الى درعا السورية (غيتي)

تنتمي رواية "حاجز لِكَفَن" (دار نوفل) للكاتبة والمخرجة السورية واحة الراهب إلى سرديات الحرب السورية المندلعة منذ العام 2011. وهي الرواية الثالثة لصاحبتها بعد "مذكّرات روح منحوسة"، و"الجنون طليقاً". وبالدخول من عتبات الرواية إلى المتون النصية، تتناول الراهب القمع الوحشي الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على ضحاياها، وما تتفنن فيه من: أساليب التعذيب وكيل الشتائم وتلفيق التهم الجاهزة وانتهاك إنسانية الإنسان إلى حد عدم الاكتفاء بمصادرة حقه في الحياة الحرة الكريمة، بل تعدي ذلك إلى حد مصادرة حقوق أخرى. وبذلك، تقوم الرواية على معادلة: الجلاّد/ الضحية. فمن جهة أولى، ثمة جلاّد  يمارس القمع، إلى أقصى الحدود، ضارباً عُرْض الحائط بكل الأعراف والقوانين الإنسانية. ومن جهة ثانية، ثمة ضحية مغلوبة على أمرها تمارس الخضوع والاستسلام، إلى أقصى الحدود، ولا تملك من أمرها شيئاً. وكلّما زادت في خضوعها واستسلامها، زاد الجلاّد في قمعه وصَلَفه، ما يجعل المعادلة بين الطرفين تفتقر إلى التكافؤ، وتمثل خللاً كبيراً في التوازن بينهما، تتجسد وقائعه يومياً على أرض الواقع. من هنا، تنتصر الكاتبة للضحية، وتحاول أن تعيد بالرواية شيئاً من التوازن المفقود في عالم الواقع. وبهذه العملية، تشكل الكتابة سلاحاً في مواجهة الظلم.

 بين الرواية والحياة

يشكل عثور حاجز أمني على بعض الإسعافات الأولية والمواد الغذائية في حقيبة، والقبض على صاحبتها والتنكيل بها واعتقالها، البداية النصية للرواية. ويكون على صَبا المتوجهة إلى منزل ذويها في درعا للانتحار بينهم هرباً من حياة تحاصرها بكل أنواع الممنوعات، أن تتغير وجهتها من بيت الأهل إلى معتقل السلطة، وأن تبدأ جلجلة تنتحر فيها كل يوم ولا تموت، فلا تبلغ خشبة خلاص، ولا يأتيها الموت فترتاح، وتبقى معلقة بين الحياة والموت.

أما النهاية النصّية فتتمظهر في نهاية الرواية بوجود صبا الضحية في مكتب الجلاّد المحقق شاهدةً على وحشيّته وصلفه وغروره، مستنتجةً أن العلاقة بين الجلاد والضحية هي علاقة وجود، علاقة أن يكون أحدهما أو لا يكون. وبين البداية والنهاية النصيتين، تدور وقائع كثيرة، تعود إلى ما قبل البداية النصيّة لتتناول نشأة صَبا وطفولتها وصِباها وشبابها، وتتعدى النهاية النصية إلى خروجها من السجن ومواجهة مصير قاتم في مجتمعٍ يُحصي على المرأة حركاتها والسكنات. وهكذا، لا تتطابق البدايتان النصّية والواقعية، ولا تتطابق النهايتان أيضاً، ولا بد من المفارقة فنياً بين الرواية والحياة، فالرواية في هذا السياق ليست نسخة طبق الأصل عن الحياة.

المجتمع والمعتقل

جدلية العلاقة بين الجلّاد والضحية تتفاوت تمظهراتها بتفاوت الفضاء الروائي بين المجتمع والمعتقل، ويتعدد الجلادون، وتتعدد الضحايا في كلا الفضاءين. وتختلف أساليب القمع، وتختلف آليات الدفاع، مع العلم أنّ لا سبيل للمقارنة بين الفضاءين.

في المجتمع، تنشأ صَبا في أسرة ريفية محافظة، تتوجس من كل ما يتعلق بالمرأة. لذلك، ما أن بدأت تباشير أنوثتها تطلّ حتى تتمّ محاصرتها بالعيب والمحرّمات، وتُحرم من عيش حياتها الطبيعية، وهي حال المرأة في المجتمع الذكوري. وهنا، تطرح الراهب المسألة النسوية لا سيما حين تتحول الأنوثة إلى ذنبٍ يلازم الأنثى، ويصبح الجسد عبئاً على صاحبته. وللتخلّص من هذا الواقع المستجد، تقوم الأسرة بتزويج صَبا، ابنة الخمسة عشر عاماً، من رجلٍ يكبرها بعشرين عاماً، فتنتقل من "دلفة" الأهل إلى "مزراب" الزوج، ويكون عليها أن تقع تحت وطأة قائمة جديدة من الممنوعات، فيُفرض عليها النقاب، ولاحقاً الحجاب، والعزلة. وتُحرَم من سماع الموسيقى واستعمال الكومبيوتر وارتياد الأماكن العامة. وحين تنتمي إلى جمعية دينية نسائية علّها تجد ما يصالحها مع نفسها وواقعها، تقوم "الآنسة الكبرى" بممارسة دور حارس الفضيلة الذي يراقب النوايا والأفكار. ويأتي مرضها النفسي المتمثل في رهاب الموت والأماكن المغلقة ليزيد الطين بلّة. وهكذا، يتنافس الأهل والزوج والشيخة والمرض على تقمّص دور الجلاّد، بأشكال متعدّدة، ودرجات مختلفة. وتشكّل الحياة البيتية والزوجية والدينية عناصر ضغط على الضحية.

 

في مواجهة هؤلاء الجلادين، لا تمتلك الضحية الكثير من آليات الدفاع، وتقتصر آلياتها على التدخين وارتياد المقهى خفيةً عن الآخرين والنوم، حتى إذا ضاقت بها السبل، تقوم بترك بيت الزوج والعودة إلى بيت الأهل مصطحبةً حبلاً ثخيناً تشنق به نفسها وكفناً أبيض تُزفّ به إلى المقبرة. غير أن إلقاء القبض عليها، يحول دون تنفيذ خطّتها. وهكذا، لا تتناسب آليات الدفاع مع أساليب القمع، لا في النوع ولا في الدرجة.

 التحقيق وآليات الدفاع

في المعتقل، يقوم الضابط المحقق وأدواته بدور الجلاّد، ويمارس أبشع أساليب التعذيب دون أدنى وازعٍ من شفقة أو ضمير. فنحن إزاء مجرّد آلةٍ للقتل، لا يتورّع عن ارتكاب أيّ جريمة بعقلٍ بارد وقلب ميّت. لذلك، يستخدم الضرب والشتم والإكراه والسحل والاغتصاب والصعق وإلى ما هنالك من أساليب تتفتّق عنها العقلية الأمنية لدفع الضحيّة إلى الإقرار بما لم ترتكب. وفي مواجهة هذه الأساليب، لا تملك صبا ما تدافع به عن نفسها، فتلجأ إلى آليّات دفاع لا تتناسب مع أساليب الهجوم، ولا تجد سوى البكاء والتضرّع والتخيّل وحلم اليقظة والصراخ والأنين والهذيان والغيبوبة آليات تدفع بها وحشية الجلاد، وكلّ من هذا الآليات أعجز من الأخرى. غير أن احتضان المعتقلات الأخريات لها، وقيامهن بالتخفيف عنها، يعيد إليها بصيصاً من الأمل.

هذه الجلجلة التي كان على الضحية أن تمرّ بها لذنبٍ لم ترتكبه، لم تدفع الجلاد للتراجع عن اتهاماته الباطلة، فيستمرّ في ممارسة ساديّته على الضحية حتى بعد اكتشاف أن الحقيبة لا تعود لها بل لامرأة أخرى هي شذى سلهب التي تتمكّن من التسلّل هاربةً قبل بلوغ سيارة الأجرة الحاجز، وتأخذ حقيبة صَبا عن طريق الخطأ تاركةً حقيبتها التي تودي بالأخيرة إلى مصيرها المجهول المعلوم. غير أن شذى المناضلة التي تزوّد المدنيين بالإسعافات الأولية والأغذية تمثل نوعاً آخر من الضحايا، فهي غداة القبض عليها والتحقيق معها لا تتورع عن مواجهة الجلاد ومساجلته ووضع النقاط على الحروف، وتدفع جراء ذلك ثمناً غالياً.

وإذ يتمّ الإفراج عن صَبا بعد أقل من شهرٍ على اعتقالها، يكون عليها أن تحمل عارها إلى أسرتها، وتواجه أسئلتها الكثيرة، وتتحوّل خطايا الجلاد بحقها إلى تهمة لها. وحين تكتشف أنها حامل، يمارس القدر سخريته معها، فهي التي لم ترزق بطفلٍ كانت تحلم به من زوجٍ أخفى عنها عقمه، تجد نفسها حاملاً من مغتصبيها الكثر. غير أنها في مواجهة هذه الواقعة غير المتوقعة، تترجح بين التشاؤم بعارٍ يجللها والتفاؤل بأمومة ستحظى بها. ومن ثم ينسحب الثاني لصالح الأول لأن معرفتها بأحكام المجتمع الذكوري يجعلها تتوقع أن تتكفن بكفنٍ أسود بدلاً من الأبيض الذي كانت تضعه في حقيبتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وظائف اللغة الروائية

في الخطاب الروائي، تضع الراهب روايتها في ستة فصول، تنتظمها علاقة تجمع بين الخطية والتكسّر، ففي حين تتخذ مساراً خطيا بين الفصلين الأول والثاني، تنحو منحىً متكسراً في الثالث بالعودة إلى طفولة البطلة ونشأتها وصباها، لتعود إلى المسار الخطي في الفصل الرابع والخامس والسادس. وبالانتقال إلى اللغة الروائية، تستخدم الكاتبة المستوى الفصيح الذي يتوخخى المفردات المأنوسة والتراكيب البسيطة في السرد، فيأتي رشيقاً، سلساً، طلياً. وتستخدم المستوى المحكي في الحوار/ التحقيق. على أن هذا الأخير يقسم إلى محكيّتين اثنتين، تكشف كل منهما الخلفية الجهوية والطائفية للمتكلم بها، فنقع على محكية شمالية تستخدمها طائفة معيّنة، وعلى أخرى جنوبية تستخدمها طائفة أخرى. وبذلك، يكون للغة وظيفة الكشف عن الشخصية وخلفيتها الجهوية والطائفية والسياسية. ويأتي استخدام الكاتبة للشتائم في سياق التحقيق وتسمية الأشياء بأسمائها ليعزز الوظيفة الروائية للغة في مستواها المحكي.

"حاجز لِكَفَن" نص روائي  قاسٍ وموجِعٌ تفكّك فيه الراهب آليات القمع، في الفضاءات المختلفة، بدءاً من البيت، مروراً بالمجتمع، وصولاً إلى الدولة. وهي آلياتٌ كثيراً ما يتم فيها تبادل الأدوار، فالأوسط هو جلاّد الأدنى وضحية الأعلى، في متوالية قمعية، تبدأ من أسفل القاعدة وتنتهي في رأس الهرم. والويل لمن كان إحدى حلقاتها. وكثيراً ما يجتمع الجلاّد والضحية في الشخصية الواحدة.

المزيد من ثقافة