Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مباحثات الأفرقاء في ليبيا زخم دولي وتفاهمات لم تكتمل

مصادر تتحدث عن تكثيف الجهود لتفكيك "الملفات المفخخة" ومخاوف من تأثير انقسام معسكر طرابلس ومصر تستأنف المباحثات العسكرية

ما إن تظهر بوادر انفراجة وحلحلة للأزمة الليبية المعقدة والمتداخلة في أطرافها المحلية والدولية منذ سنوات، إلا وتعود العقبات من جديد، لتقف حجر عثرة أمام وصول قطار "التفاوض السياسي" لمحطة فك طلاسم الصراع في ليبيا بشكل نهائي، رغم الجهود الدولية المكثفة التي تشهدها عواصم إقليمية ودولية ممتدة من القاهرة إلى برلين، ومن جنيف إلى بوزنيقة المغربية.

فعلى مدار الأيام والأسابيع الأخيرة، كانت "مؤشرات التفاهم الإيجابية والبنَّاءة" غالبة على مباحثات الأفرقاء الليبيين، وفق تصريحات المشاركين فيها، سواء في مصر، أو المغرب، لكن سرعان ما تأرجحت تلك التفاهمات "بين ألغام انقسامات الداخل العميقة وتشابك الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية ومصالح بعض أطراف الخارج في استمرار الصراع"، وفق حديث مصادر مصرية وليبية مطلعة على سير المفاوضات لـ"اندبندنت عربية"، حول ما وصل إليه قطار المباحثات الليبية الجارية حتى الآن.

وقبل يومين استؤنفت في بوزنيقة جلسات الحوار الليبي، في جولة ثانية بين وفدي طبرق وطرابلس، متركزة بالأساس على توزيع المناصب السيادية، فيما شهدت برلين، الاثنين، مؤتمراً دولياً على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عبر دائرة تلفزيونية، لبحث الأزمة الليبية بمشاركة دول جوار ليبيا الست، ودول لجنة المتابعة، مثل سويسرا وهولندا، لمتابعة نتائج مؤتمر برلين السابق الذي عُقد في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقالت مصادر مصرية إنه من المقرر استئناف المباحثات العسكرية والأمنية التي استضافتها مدينة الغردقة على ساحل البحر الأحمر الأسبوع الماضي، في وقت لاحق من الأسبوع الحالي.

أين وصلت التفاهمات الليبية؟

بحسب مصادرنا المصرية والليبية والأوروبية، فإن صعوبة المباحثات الراهنة التي تستضيفها دول إقليمية ودولية عدة، تكمن في "تعاملها مع الملفات المفخخة التي تتضمنها الأزمة الليبية، وتثير انقسامات جوهرية بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي"، مشيرين إلى "إدراك الدول الفاعلة المحتضنة لتلك المباحثات لعدم تكرار أخطاء محاولات الحل السابقة، التي لم تُؤتِ ثمارها بالشكل المرجو، بل عمقت الصراع على مدار السنوات الأخيرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعدد المصدر الليبي "الملفات المفخخة" هذه بقوله "إنها تتمثل في ملف توزيع المناصب السيادية وإدارة النفط وشكل المؤسسة العسكرية الموحدة، ودور الجماعات المسلحة، فضلاً عن شكل السلطة المستقبلية في البلاد"، مشيراً إلى قناعة لدى أغلب الأفرقاء الليبيين، بأن "الحل في ليبيا يجب أن يكون سياسياً، وأن جميع الوسائل الأخرى لم تُجد نفعاً".

من جانبه، قال مصدر أوروبي مطلع في حديث مقتضب "المبشر في سياق المباحثات بين الأطراف الليبية في الوقت الراهن، التي تستضيفها عواصم إقليمية ودولية، هو التنسيق المتواصل بينها والمتابعة المستمرة مع الأطراف الدولية الفاعلة والأمم المتحدة لمخرجات تلك الجولات الحوارية، ما يعكس رغبة المجتمع الدولي في المضي قدماً بالمسار السياسي"، مضيفاً "أحرزت جولات بوزنيقة والقاهرة والغردقة، وكذلك مباحثات جنيف والترتيبات السابقة لمؤتمر برلين 2، بعضاً من الاختراقات الجوهرية، إلا أنها اصطدمت في بعض تفاصيلها مع الواقع المعقد والمتشابك للصراع الليبي وأطرافه الداخلية. وكان هذا الأمر متوقعاً، وتعمل العواصم المتداخلة في الملف بالوقت الراهن لتجاوز تلك العقبات تمهيداً لمفاوضات الحل الشامل". وتابع "نحن في مرحلة التفاؤل الحذر، يمكن اعتبارها مرحلة التشكل ووضع المحاور الأساسية".

وقبل انطلاق مؤتمر برلين، الاثنين، عبرت ألمانيا عن أملها في أن يؤدي الاجتماع إلى "تسريع الجهود لتحقيق وقف لإطلاق النار" بين طرفي النزاع. وقال نائب مندوبها في الأمم المتحدة غونتر سوتر، إن "هذا الاجتماع يأتي في وقت حساس ومع تسجيلنا مؤخراً تطورات مشجعة في ليبيا"، آملاً في أن تصدر "رسالة قوية".

في الأثناء، أوضح مصدر مصري رفيع المستوى أن مسار تحرك بلاده في الملف "تراجعت قليلاً في الأيام الأخيرة؛ أي مرحلة الاقتراب من المفاوضات النهائية، ما يعني أن ما يحدث حالياً لا يزال في إطار المشاورات والمباحثات لتفكيك الملفات المعقدة للصراع في ليبيا"، موضحاً "من المفترض أن تقود مسارات المشاورات الراهنة سواء السياسية في بوزنيقة، أو العسكرية والأمنية في القاهرة والغردقة، والجهود الأممية في جنيف، إلى طرح التصور والمخرج النهائي على لجنة الحوار الشامل، والمقرر لها أن تحدد طبيعة المسار السياسي وشكله والمشاركين فيه من الأطراف الليبية".

وذكر المصدر أنه "مع مضي المباحثات بين الأطراف الليبية قدماً، وجدنا نوعاً من التنافسية بين الأطراف الداخلية والمحلية، بعد أن استشعر بعض منها أنها قد تكون خارج مخرجات الحل النهائي بسبب إصرارها على تعقيد الأوضاع على الأرض وعدم الالتزام بما يتوافق بشأنه المجتمع الدولي". وتابع "تبين وجود أطراف من مصلحتها تعطيل الحل السياسي وأخرى تسعى لإتمامه"، مشيراً إلى أن "أحد العوامل الجديدة في أغلب تلك الحوارات الدائرة الآن، هو إشراك تيار سيف الإسلام القذافي (نجل العقيد الليبي الراحل) في تلك المباحثات".

معضلة التفاهمات العسكرية والأمنية

في هذه الأثناء، ومع استئناف مباحثات بوزنيقة المغربية الخاصة بتوزيع المناصب السيادية، وانطلاق مؤتمر برلين 2، المعني بمتابعة مخرجات مؤتمر برلين السابق في يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أقر 55 نقطة تشكل خريطة طريق لإحلال السلام في ليبيا، بينها احترام حظر السلاح المفروض عليها منذ سقوط نظام معمر القذافي، ووقف الدعم العسكري الأجنبي لطرفي الصراع، ودفعهما للاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار، من المقرر خلال الأيام المقبلة من الأسبوع الحالي، استئناف المباحثات العسكرية بين شرق وغرب ليبيا في الغردقة المصرية، حسبما كشف لنا مصدر مصري.

أضاف المصدر "بالتوازي مع المباحثات العسكرية الليبية في مصر، المتمثلة في مشاركة 5 عسكريين رفيعي المستوى من كل معسكر في ليبيا (وفدي الجيش الليبي وحكومة الوفاق)، من المفترض كذلك أن تعقد مصر اجتماعات خاصة قريباً بالمجموعة الدستورية لتكملة مسار (5+5)"، وتابع "من المقرر أن يحضر الجولة الجديدة من الاجتماعات العسكرية والأمنية في مصر مسؤولون عسكريون رفيعو المستوى من الطرفين، لوضع تصورات مفصلة متعلقة بالملفات الأمنية والعسكرية في ليبيا مستقبلاً"، مشيراً إلى أن الموعد المحدد للاجتماعات لم يحدد بعد، لكن هناك عزماً مصرياً على إتمامه الأسبوع الحالي، للبناء على ما تم التوافق بشأنه في الغردقة الأسبوع الماضي، حيث ناقش المجتمعون سبل تثبيت وقف النار المقر من 21 أغسطس (آب) الماضي، ومراقبة ذلك بين الجانبين وضمان أمن الحقول والمنشآت النفطية وتصدير النفط والمؤسسات الحكومية والبنية التحتية وتهدئة الأوضاع، تمهيداً لانطلاق حوارات سياسية واقتصادية شاملة تستهدف في النهاية تسوية شاملة في البلاد وتحقيق الاستقرار في ليبيا.

وأوصت مباحثات الغردقة الأسبوع الماضي بسرعة عقد اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) بلقاءات مباشرة خلال الأسبوع المقبل، والإفراج الفوري عن كل من هو محتجز على الهوية من دون أي شروط أو قيود. وتضمنت التوصيات كذلك اتخاذ التدابير العاجلة لتبادل المحتجزين بسبب العمليات العسكرية قبل نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عبر تشكيل لجان متخصصة من الأطراف المعنية.

وكانت الأمم المتحدة قد أشادت بمخرجات مباحثات الغردقة، قائلة إن المباحثات التي جرت برعايتها سادتها "روح المسؤولية والشفافية والثقة المتبادلة"، موضحة، بحسب بيان لها، أنه تم خلال المباحثات مناقشة عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحة، بينها "تدابير بناء الثقة؛ والترتيبات الأمنية في المنطقة التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، بالإضافة إلى البحث في مسؤوليات ومهام حرس المنشآت النفطية". واللجنة العسكرية المشتركة "5+5" هي اللجنة التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر برلين حول ليبيا في 19 يناير الماضي.

ولا تزال مباحثات بوزنيقة المغربية، التي بدأت جولتها الأولى أوائل سبتمبر (أيلول) الماضي بمشاركة 10 أعضاء؛ يمثلون مناصفة وفدي المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب في طبرق، لم تصل إلى توافق نهائي بعد، إذ أثارت الخلافات بشأن توزيع المناصب السيادية انقسامات، لا سيما في معسكر الغرب، وفق مراقبين.

وقال المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، في بيان مشترك قبل يومين، إن اجتماعات بوزنيقة "لا تزال مستمرة بهدف الوصول إلى توافق كامل بشأن كل الإجراءات المتعلقة بالمادة 15 من اتفاق الصخيرات".

وتنص المادة 15 في اتفاق الصخيرات على أن يقوم مجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة خلال 30 يوماً من توقيع الاتفاق، بهدف التوصل إلى توافق حول شاغلي المناصب السيادية، أبرزها محافظ البنك المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس جهاز الرقابة الإدارية، ورئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام. وما يثير قلق المراقبين، هو ما أشارت إليه تقارير ليبية، بشأن خلافات على تقاسم المناصب في "التسوية السياسية" المقبلة بالغرب الليبي.

هل من تفاؤل بقرب الانفراجة؟

بحسب مراقبين ومتخصصين في الشأن الليبي، تشير التطورات الراهنة في الأزمة إلى كثير من التفاؤل رغم بعض التباطؤ الذي قد يصيبها بين الحين والآخر.

ووفق أحمد عليبة، الباحث المتخصص في الشأن الليبي بالمركز المصري للفكر والدراسات "تلعب الأطراف الدولية دوراً مهماً في الأزمة الليبية بالوقت الراهن، قد يفضي إلى حل مرتقب وانفراجة مرجحة لذلك الصراع الممتد منذ سقوط نظام القذافي عام 2011".

وأوضح عليبة "من بين الأدوار الفاعلة بات الدور المصري الذي تحول من تعاطيه مع الملف من منظور التحديات والمخاطر التي يمثلها للأمن القومي المصري، إلى التعاطي بمنظور الدور الإقليمي المهم في الملف وليس فحسب كبلد جوار"، مشيراً إلى الجهود المصرية المتواصلة في الملف التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، خصوصاً مع استضافة وفود من الغرب الليبي بصورة مستمرة والتعامل مع كل الأفرقاء الليبيين على مسافة واحدة"، واصفاً التطورات التي يشهدها الملف الليبي بقوله "نحن أمام حالة زخم، تمهد لأن يتبلور عنها حلول نهائية للأزمة"، داعياً الدول المنخرطة في استضافة الأفرقاء الليبيين إلى الحذر من الوقوع في الأخطاء ذاتها التي شهدتها محاولات الحل السابقة.

بدوره يرى، محمد الزبيدي، المحلل السياسي الليبي وأستاذ القانون الدولي "إمكانية حل الإشكاليات العسكرية في المسار العسكري والأمني الذي تتبناه القاهرة، الذي سيفضي إلى تشكيل لجان تقوم باختيار مجموعات أو فرق من الجيش والشرطة، تثبت وقف إطلاق النار وتحمي السلطة المستقبلية، قد تكون البداية الحقيقية لإنهاء الصراع في ليبيا"، معتبراً أن "اللقاءات العسكرية قد تكون في الوقت الراهن الأكثر جدوى، والقادرة على حلحلة الأمور والأوضاع على الأرض".

وبحسب الزبيدي "هناك رغبة دولية حالياً في تشكيل حكومة موحدة بين الشرق والغرب، لكن الخلاف يكمن في اختيار من سيمثلها ومقرها ومن يحميها، فضلاً عن الضمانات الحقيقية والفعالة لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه"، مشيراً إلى "النقطة الأبرز في كل ما يجري هي محاولات لحلحلة الصراع في ليبيا هي جلوس الأفرقاء من جديد على طاولة الحوار مباشرة، سواء في بوزنيقة، أو الغردقة، أو جنيف".

وفيما يرجح البعض احتمالية "إتمام التسوية السياسية في ظل الجهود الدولية الراهنة وعودة واشنطن إلى المشهد"، يعتبر الزبيدي أن "الحديث عن اتفاقات نهائية أمر سابق لأوانه لأن الرؤى لا تزال متباعدة"، فضلاً عن التوترات الحادة بين الأطراف الدولية المتداخلة بالمشهد، في إشارة إلى الخلافات بين أنقرة التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، والقاهرة.

ومنذ عام 2011 تُعاني ليبيا، البلد الغني بالنفط، اضطرابات سياسية وأمنية وصراعاً مسلحاً على السلطة، زاد من فداحته دعم قوى إقليمية ودولية لحكومة الوفاق في طرابلس وقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في الشرق، إلا أن وقف إطلاق النار يسود البلاد منذ 21 أغسطس (آب) الماضي، الأمر الذي جعل منه نواة للحوار "الليبي - الليبي" القائم.

المزيد من تحلیل