Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفساد وإهدار المال العام يقودان ليبيا إلى مصير مشؤوم

اعتماد المحاصصة القبلية والجهوية وغياب الرقابة وعدم الالتزام بمعايير الوظائف القيادية على رأس الأسباب

مواطنون في ساحة الشهداء بالعاصمة الليبية طرابلس  (أ ف ب)

 يؤكد "مؤشر مدركات الفساد"، في ليبيا أن البلد من بين الدول الـ10 الأكثر فساداً في العالم، وبينما يتمنى المواطن الليبي الازدهار للدولة طيلة العقود الـ5 الماضية، فإنه لا يعمل على ذلك بالكيفية السليمة. 

"رزق حكومة. ربي يدومه"، "هي خاربة خاربة" "جت عليا نا"، هذه مفردات من القاموس المحلي الليبي يعلل بها بعض الأفراد إقدامهم على الاختلاس والهدر والسرقة من أموال الدولة، أو معاملة ممتلكاتها بالتخريب والإهمال في الوقت الذي تظهر بين حين وآخر مطالبات ميدانية بالقضاء على الفساد، الأمر الذي يعكس التناقض في سلوك كثير من المواطنين ونظرتهم نحو الفساد، وأدت المحاصصة إلى تقلد أشخاص مناصب مهمة من دون المعرفة بكيفية إدارتها، ولم يسمح الانقسام السياسي بتبعاته الفوضوية بتغيير النظام التشريعي الذي يغاير الواقع، بينما تعاني الهيئات الرقابية الابتزاز وعدم الكفاءة.

شبهات الفساد وغسل الأموال

 أصدر ديوان المحاسبة الليبي في طرابلس قبل بضعة أيام قراراً بإيقاف رئيس صندوق التأمين الصحي العام عن العمل احتياطياً، بناء على تقرير أوضح أن الصندوق لا يعمل وفق مساره الصحيح، لتظهر الشبهات حول الفساد وغسل الأموال في هذا الصندوق الذي تأسس قبل 3 سنوات فقط، فيما يلتقي رئيس الديوان خالد شكشك السفير التركي، ويبرم الاتفاقيات مع شركات تركية ويبدي إعجابه بسرعتها في التعامل، ويتهم شركة "سيمينز" بالتقاعس والغلو في الأسعار، في المقابل يحث ديوان المحاسبة المنبثق عن مجلس النواب الليبي على سرعة إتمام الإجراءات لاجتثاث أسباب انقطاع الكهرباء، ويثني رئيس الديوان عمر عبد ربه على عمل جهاز مكافحة الجريمة، فيما يتعلق بالاعتداء على الأموال العامة وضبط أعمال الشعوذة والسحر، كما ورد في رسالة من رئيس الديوان إلى وزير الداخلية.

من سائق شاحنة إلى رئاسة التعليم

يقول المسؤول الأسبق في قطاع التعليم عبد الله فرج، إن الفساد بدأ عام 1973، حيث تم تعطيل القوانين الإدارية، ثم الاعتماد على السلطة الشعبية التي أدت إلى انهيار النظام الإداري بتسلم أشخاص لأعمال ليس لهم بها دراية، مستشهداً بمثال أحد سائقي الشاحنات الكبيرة الذي تولى مهمة رئيس قطاع التعليم في أحد المؤتمرات الشعبية، من خلال نظام التصعيد الذي كانت تقدم فيه المآدب وصناديق السجائر كهدايا من المرشح لأبناء عمومته وجيرانه. وأضاف، أن قانون التقاعد الاختياري فتح الباب لخروج عديد من الخبرات المهنية التي لم تستطع المواصلة بسبب الفوضى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى المحلل السياسي خالد المغربي أن ليبيا مجتمع قبلي، والأمن القومي بشكل عام يتصل بالأمن القومي الاجتماعي، كما أن من مقومات قوة السلطة ضمان الولاء الاجتماعي، ومن أسس ضمان الولاء تأتي المحاصصة الاجتماعية في مواقع المسؤولية في مختلف درجاتها، فأصبحت السلطة الاجتماعية أكثر تأثيراً من سلطة الدولة، واستمد المسؤولون قوتهم ضد قوانين منع الفساد من قوة نسيجهم الاجتماعي الذي يعد أمنياً أساس ضمان استتباب الأمن.

الإهدار أخطر من السرقة والاختلاس

 من جانبه، أكد مصدر في وزارة المالية في الحكومة الليبية المؤقتة لـ"اندبندنت عربية"، رفض ذكر اسمه، أن الإيرادات من دون النفط تصل إلى 15 مليار دينار ليبي (10.95 مليار دولار أميركي) في السنة، مع ارتفاع المصروفات إلى قرابة 40 مليار دينار (29.2 مليار دولار)، وأشار إلى أن نظام التشريع القائم يفترض أنه اشتراكي، وهو في واقع الأمر رأسمالي، مما يجعل الدولة مفتوحة أمام الفاسدين. وشدد على ضرورة التوصل إلى التشريعات والقوى البشرية الفعالة، بالإضافة إلى توفير الحماية اللازمة لعناصر الرقابة وديوان المحاسبة، وأشار، دون أن يخصص، إلى أنه على الجميع أن يتوقف عن فكرة أن أموال الدولة غنيمة عند أفراد المجتمع بما أن الفساد انتشر حتى في أروقة الجهات المكافحة للفساد.

وأضاف المصدر، أن التوسع في إنشاء بلديات جديدة على أطراف المدن، أدى إلى كثرة المصروفات، التي أضافت إلى معاناتنا في التكدس بالكادر الوظيفي (البطالة المقنّعة)، فالكثير من الموظفين يأتون مرة واحدة في السنة أو الشهر أو الأسبوع إلى أعمالهم، التي يتقاضون عليها رواتب من الدولة، وبالتالي الإنتاجية صفر، وهذا هو عينه إهدار المال العام، وهو المشكلة الأخطر والأكثر تعقيداً من السرقة والاختلاس.

وأوضح، أن التكدس جعل الدولة عاجزة عن دفع الرواتب والمصاريف التيسيرية لهذه القطاعات، الأمر الذي ترتب عليه انتشار الركود في المصالح الحكومية باعتبار أن الحافز غير متوفر، بما أن التساوي ما بين العامل وغير العامل جاء نتيجة للتكدس. ويرجح المصدر أن السبب الحالي في وجود فجوة كبيرة بين أفراد المجتمع والفساد المالي المتمثل في غسل الأموال، هو مصرف ليبيا المركزي بسياسته التي اعتمدت سعري صرف للعملات الصعبة.

الكرة في ملعب الشعب

 يقول محمد المهدوي، أحد الموظفين في بلدية بنغازي، إن الحد من انتشار الفساد في الـ10 سنوات المقبلة ليس مستحيلاً، إذا ما توفرت الإرادة السياسية في الدولة. وأشار إلى أن الفساد بكافة أشكاله أصبح ثقافة عمّت جميع المؤسسات بسبب اعتماد نظام المحاصصة الجهوية والقبلية، والغياب شبه التام للرقابة، وعدم الالتزام بالمعايير الصحيحة لتولي الوظائف القيادية.

ويحذر خالد المغربي من وصول الدولة إلى الوصاية المالية الدولية عليها، وأرجع هذا إلى بعض القوى التي تسعى لتكبيلها بالديون، لأن نهوض ليبيا اقتصادياً سيضر بمصالح كثير من الدول، التي تسعى لتوريطها حتى تكون كسيحة، ولا تتمكن من مجاراتها، فالكرة اليوم في ملعب الشعب الليبي بكل اختلافاته، لأن خطورة ما نواجهه من مصير مشؤوم يتجاوز أهمية كل ما اختلفنا لأجله.

المزيد من تقارير