Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رحلات الموت" وجهة العائلات التونسية الجديدة

لم تعد الهجرة غير الشرعية تقتصر على الأفراد فقط مع مغادرة حوالى 200 الحدود خلسة يومياً

العوامل الاقتصادية والاجتماعية من أهم أسباب ارتفاع الهجرة غير الشرعية في تونس (أ ف ب)

بات حلم الهجرة إلى أوروبا هدف عائلات بأكملها في تونس، بعدما كان حلم شباب طالت بطالتهم وانسدّت أمامهم كل الآفاق. وتعكس الهجرة غير النظامية حجم الإحباط الذي ينتاب التونسيين بعد عشر سنوات مـن مسار انتقالي حافظ على الخيارات التنموية السابقة نفسها التي أثبتت فشلها وكلفتها الاجتماعية الباهظة.

"الحرّاقة"

إن حجم المأساة والقصص الإنسانية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الإعلام، تظهر ما يتعرّض له المهاجرون غـير النظاميين عـبر البحر المتوسط للوصول إلى السواحل الإيطالية كتجربة مخيفة مرعبة. فكل التقارير الدولية أجمعت أن هذا البحر أصبح مقبرة لشباب تونس والمنطقة.

ولم تكن رحلة البحث عن "الحرّاقة"، وهي التسمية التي يطلقها التونسيون على المهاجرين غير الشرعيين بالصعبة، إذ يراود حلم الهجرة أغلب شباب تونس.

ويقول مهاب 22 سنة إنه بعد انقطاعه عن الدراسة في سن مبكرة لم يعد لديه أي هدف في حياته إلا "الحرّاقة"، ويضيف "حاولت مرات كثيرة الهجرة عبر البحر إلا أن محاولاتي باءت بالفشل"، وعلى الرغم من ذلك لم ييأس مهاب من تكرار التجربة على الرغم من مخاطرها، كما تحدّث عن هجرة أخيه الأكبر إلى هولندا عبر إيطاليا بعد وصوله مع ثلة من الشباب إلى لمبدوزا في السواحل الإيطالية أواخر عام 2011.

لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ففي السياق نفسه تسرد خديجة 64 سنة، قصة غرق ابنها (24 ربيعاً) خلال محاولة الهجرة عبر مركب صيد، أودت بحياته ومجموعة أخرى من الشبان في مقتبل العمر منذ أربع سنوات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحرقة وألم كبيرين، تروي تفاصيل تلك المأساة داعية الدولة إلى منع الشبان من رحلات الموت المؤكدة، خصوصاً أن ابنها الأصغر يفكّر في الهجرة هو الآخر مع أنه من حملة الشهادة الجامعية.

وعلى الرغم من مساعي القوى المدنية والاجتماعية والحقوقية في تونس بالدفع نحو مراجعة جذرية لهذا المنهاج التنموي، لإلغاء السياسات التي عمّقت الفوارق بين الجهات والطبقات وغذّت حالة الغضب والإحباط بسبب البطالة والفقر، إلا أن السلطات الرسمية التونسية، تتجاهلها.

هجرة عائلات

ويفيد المنسق الإعلامي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، أنه سُجّل وصول 4077 مهاجراً تونسياً غير نظامي إلى السواحل الإيطالية خلال يوليو (تموز) 2020، أي بمعدل 200 شخص يومياً، كما أُحبطت 245 عملية إبحار خلسة وإيقاف 2918 شخصاً.

ويفيد بن عمر بأن "الهجرة عبر السواحل الإيطالية شهدت تغيرات في الفترة الأخيرة من هجرة شباب ينتمي إلى طبقات اجتماعية هشة، إلى شباب من أصحاب الشهادات العليا ومن طبقات اجتماعية نوعاً ما مرفّهة، وأيضاً بروز هجرة العائلات إلى آفاق أرحب ومجتمع أفضل، تربي فيه أطفالها نتيجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، إلى جانب الوضع السياسي العام الذي خلق نوعاً من الإحباط والقلق، وتراجع الخدمات العمومية من صحة وتعليم".

ويفسّر بن عمر قائلاً "إن نشأة مشروع الهجرة غـير النظامية لدى الشاب التونسي، يعكس حالة مـن الأمن الناتـج مـن الفقر والبطالة والإحساس بالتهميش، وانعكاساته النفسية السلبية، فيكون مقدمة لانفصال بينه وبين المجتمع".

وربما يتطلّع الجيل الجديد التونسي للهجرة بحثاً عـن الحظوة الاجتماعية المفقودة، وعن أحلام تبخّرت وسـط عجز السياسيين عن تحقيقها".

كلنا مشروع هجرة!

يعتقد الباحث في علم الاجتماع خالد الطبابي في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أنه "سوسيولوجياً لا يمكن وضع كل الهجرات غير النظامية ضمن سلة واحدة. فالهجرة غير الشرعية عبر المتوسط وبالتحديد عبر السواحل الإيطالية، انطلقت في تسعينيات القرن الماضي لسببين، أولهما السياسات التهجيرية، ففي التسعينيات، انطلق العمل بتأشيرة شنغان وبالتالي فتح الباب على مصراعيه إلى كل أوروبا، ثم تداعيات الإصلاح الهيكلي سنة 1986، وبروز فاعل جديد وهو الشباب العاطل من العمل".

ويستنتج الطبابي أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية من أهم أسباب ارتفاع الهجرة غير النظامية في تونس، مؤكداً أن هذه الأسباب لا تزال نفسها لهذه اللحظة، خصوصاً بعد المسار الانتقالي المرتبك والهش الذي عشناه بعد الثورة".

ويقول الطبابي في السياق ذاته، إن "الاحتجاجات الاجتماعية التي ترتطم باليأس والإحباط تغذي مشروع الهجرة، إضافة إلى شبكات التهجير التي أصبحت عابرة للقارات، والتي باتت تساهم في صنع القرار الهجري. فهذه الشبكات استغلّت الأزمة الأمنية التي تعيشها تونس منذ عام 2011، بالإضافة إلى عامل الوباء، وقد ارتفع خلال الأشهر القليلة السابقة، معدّل الهجرة السرية بشكل مقلق جداً".

وأضاف "العائلة التي كانت ترفض مشروع الهجرة أصبحت اليوم تشجّع أبناءها وتموّلهم، بل تسعى هي الأخرى إليها غير مبالية بمخاطرها".

ويتابع الباحث في علم الاجتماع قائلاً "اليوم كلنا مشروع هجرة"، متسائلاً "كيف لنا أن نفسر هجرة الأطباء والكفاءات وميسوري الحال؟".

مقاربة شاملة

الجدير بالذكر أنه بين أغسطس (آب) 2019 و31 يوليو 2020، وصل حوالى 22 ألف مهاجر إلى السواحل الإيطالية، بزيادة قدرها 148 في المئة مقارنة بالفترة الماضية نفسها، وفق معطيات قدمتها وزيرة الداخلية الإيطالية خلال زيارتها تونس قبل شهر.

واستقبلت تونس الشهر الماضي مسؤولين إيطاليين جاؤوا للبحث في هذه المسألة، وأوضحت روما عن طريق وزير خارجيتها "أن لا مجال لبقاء من يصل إلى إيطاليا بطريقة غير قانونية"، مشيراً إلى "استمرار التفاوض مع الجان التونسي لإيجاد صيغة للتعاون الثنائي".

في المقابل، شدّد رئيس جمهورية تونس قيس سعيد على "ضرورة اعتماد مقاربة شاملة وتوافقية في هذا مجال، ترتكز بالأساس على محاربة الفقر والبطالة عبر دعم جهود التنمية، والتشجيع على الهجرة النظامية"، موضحاً أن "الحلول الأمنية وحدها ليست كفيلة للقضاء على هذه المعانات".

الترحيل القسري

واستنكر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما سمّاها عمليات "الترحيل القسري للمهاجرين غير النظاميين"، التي "تشوبها خروقات قانونية وانتهاك صريح لحقوق المرحلين وحرياتهم، إذ يتعرّضون إلى استخدام مفرط للقوة والتعذيب وسوء معاملة وما إلى هنالك". وذكر المنتدى "أنه لا يمكن الطعن في قرار الترحيل من الجانب الإيطالي، ولا يحظى هؤلاء بالترجمة المحايدة والدعم القانوني المناسب، ليطردوا بعدهما جماعياً في مخالفة للبنود 3 و4 و14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان".