Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جراح بريطاني خزن آلاف الأعضاء البشرية على مدى 25 عاما

الطبيب الرائد في جراحة الورك، ديريك ماكمين، يحتفظ بعظام مرضاه على الرغم من عدم حيازته ترخيصاً بذلك، وفق تقرير مسرب

مستشفى إدجباستون حيث أجرى الطبيب ماكمين شطراً راجحاً من عملياته الجراحية (بيأمآي هيلثكير.كو.يوكاي)

كشف تقرير مسرب اطلعت عليه صحيفة "اندبندنت"، عن أن جراحاً مشهوراً عالمياً جمع أعضاءً وأنسجةً من آلاف المرضى وخزَّنها على مدى 25 عاماً، في انتهاك صارخ للمبادئ التوجيهية القانونية والأخلاقية.

وأوضحت نتائج التحقيقات أن ديريك ماكمين، حامل لواء الريادة في تقنية تسطيح الورك التي اعتمدها الأطباء إنقاذاً لمسيرة لاعب كرة المضرب أندي موراي، يحتفظ بعظام ما لا يقل عن 5224 مريضاً، بينهم أطفال، من دون ترخيص يُجيز له تخزين الأعضاء البشرية، ومن دون موافقة لائقة من المرضى المعنيين. وقد أحيلت قضية ماكمين إلى الشرطة من قبل "هيئة الأنسجة البشرية" (HTA) التي لم تأخذ علماً بها حتى العام الماضي. فبحسب ما ذكره مصدر من داخل مجموعة الرعاية الصحية الخاصة، حيث كان يمارس ماكمين عمله كجراح "لقد أحسنوا التستر عليه وعلى أفعاله".

والظاهر، وفق التقرير الداخلي لـ"بي أم آي للرعاية الصحية" (BMI Healthcare) التي تتولى إدارة "مستشفى إدجباستون" (Edgbaston Hospital) ، حيث أجرى الجراح معظم عملياته، أن الممرضين والممرضات والأطباء والموظفين في مسرح عمليات المستشفى المذكور في برمنغهام، كانوا على علم بما يفعله ماكمين، حتى إن بعضهم شاركه في وضع عظام المرضى داخل حاويات خاصة حتى يقوم فريق عمله في وقت لاحق بجمعها وحفظها وتخزينها، لكن المفهوم أن النطاق الكامل لأفعال ماكمين، العائدة إلى تسعينيات القرن الماضي، بقي محجوباً عن بعض الهيئات التنظيمية حتى بدأت "اندبندنت" بإجراء تحرياتها الخاصة الأسبوع الماضي، وذلك على الرغم من اكتمال التقييم الداخلي في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي. والمفهوم أيضاً أن "بي أم آي للرعاية الصحية" لم تُحط أياً من مرضى ماكمين، سواء الذين خضعوا لعملية خاصة ودفعوا مبلغاً يوازي 13 ألف جنيه إسترليني ثمناً لها، أو المحالون من قبل "هيئة خدمات الصحة الوطنية"، علماً بالقضية.

وكان ماكمين، الذي عالج سياسيين ونجوم رياضة ومشاهير، قد اعترف لإدارة المستشفى العام الماضي، بأنه كان يحتفظ بعظام المرضى في مقر عمله في برمنغهام وبيته الريفي المؤلف من سبع غرف نوم في ورسسترشاير، بمعرفة تامة من زملائه في "بي أم آي للرعاية الصحية". وفي نص اعترافه، قال ماكمين إنه قد احتفظ بالعينات العظمية من أجل فترة تقاعده. وقد صدق موظفو المستشفى على كلامه لما أفادوا للمحققين أنه كان ينوي استخدام الأعضاء المخزنة "للحفاظ على نشاط عقله".

وبالفعل، أكدت الشرطة في غرب ميرسيا أن ضباطها يحققون في انتهاك مزعوم لقانون الأنسجة البشرية داخل "عقار خاص في ورسسترشاير" بطلب من "هيئة الأنسجة البشرية".

وتقضي تقنية برمنغهام لتسطيح الورك التي أتقنها ماكمين وتفوق فيها، بإزالة سطح المفصل الكروي للورك واستبدال مخروط معدني به عوضاً عن تغيير المفصل كله وجزء من عظم الفخذ، بما يقلل من حاجة المرضى لإجراء جراحة إضافية ويمنحهم قدرة أكبر على الحركة. وعليه، يمكن القول إن العظام التي جمعها ماكمين وخزَّنها، بطريقة منهجية ومن دون علم المرضى، على مدى عقود هي تلك الموجودة في مفاصل الورك. وإلى جانب العظام، كشفت التحقيقات عن احتفاظ ماكمين بمجموعة ضخمة من ملفات المرضى وصور الأشعة السينية التي تكاد تماثل "قاعدة بيانات الشرطة"، سواء من حيث الحجم، أو لما تحتويه من معلومات شخصية وسجلات حمض نووي. وحتى الآن، لم يتمكن المحققون من تحديد الطريقة التي اعتمدها ماكمين لتخزين عينات العظام.

وبالعودة إلى المصدر من داخل المستشفى، فقد رأى أنهم "أحسنوا التستر على ماكمين وعلى أفعاله. وثمة مرضى كثيرون لا يعلمون ولم يبلغوا بحقيقة احتفاظه بأعضائهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "كان لهم بمثابة الأوزة التي تضع البيض الذهبي وتؤمن مداخيل طائلة. كان يمضي وقتاً طويلاً في المستشفى كما لو أنه مستشفاه الخاص. ومن الصعب أن أصدق كيف تستروا عليه وسمحوا بتكرار أفعاله على مدى فترة زمنية طويلة".

وكان ويليام دويس من برنتوود في ستافوردشاير، أحد المرضى الذين أحالتهم "هيئة خدمات الصحة الوطنية" إلى ماكمين عام 1999، وقد توفي في أغسطس (آب) 2018. وفي حديث مع صحيفة "اندبندنت"، أعربت أولي، ابنة ويليام، عن "صدمة" شديدة جراء معرفتها بالادعاءات، متمنيةً "إيجاد تفسير منطقي لها وكشف الحقيقة". واعتبرت أولي عن أن عجز "بي أم آي" عن إعلام مرضى ماكمين بأمر التحقيقات هو "فضيحة مُخزية. كان من المفترض بهم أن يتصلوا بكل المرضى فور علمهم. من المروع أنهم لم يقوموا بهذه الخطوة بعد، ولا عذر لديهم برأيي".

وتأتي قضية ماكمين لتلقي الضوء مرة أخرى على مواصفات وشروط السلامة داخل المستشفيات الخاصة، بعد مرور أشهر قليلة على إجراء تحقيق بشأن الطبيب المتخصص في جراحة الثدي، إيان باترسون، الذي أدخل السجن لقيامه بعمليات جراحية غير لازمة على أكثر من ألف متعالجة، ولتحذر الحكومة من ضرورة التحرك والقيام باللازم.

وعلى خلفيتها، دعا جيريمي هانت، وزير الصحة السابق والرئيس الحالي لـ"اللجنة الصحية المصغرة في مجلس العموم"، إلى إجراء تحقيقات فورية لتحديد المدى الكامل لأفعال ماكمين. "فالقضية مثيرة للقلق"، على حد قوله لـ"اندبندنت": "ونحن بحاجة ماسة إلى إجابات سريعة. ما حدث، ولا يزال يحدث للمرضى إثبات جديد على ضرورة تحرك الحكومة للمضي قدماً في تطبيق التوصيات التي خرج بها مجلس التحقيق من قضية باترسون. لقد سبق وعلمنا بوجود موظفين يخفون الحقائق ويلتزمون الصمت مرة بعد أخرى؛ ولم يعد بإمكاننا السكوت عنهم، كما لم يعد بإمكاننا تجاهل التوصيات"، ففي مارس (آذار) 2019، عثر تحقيق طبي دوري شمل 20 حاوية من العظام يعود تاريخها إلى ديسمبر 2018 داخل مكان للتخزين في "مستشفى إدجباستون". وفي اليوم التالي، دبر كبار المديرين في المستشفى نقل الحاويات إلى "مركز ماكمين العيادي" (The McMinn Centre) المجاور لها، بالتنسيق الوثيق مع الموظفين فيه. والمعلوم أن الأنسجة البشرية تُعامل معاملة النفايات العيادية، حيث يقوم العاملون في المستشفى بجمعها في أكياس وصناديق حتى يصار إلى أخذها إلى المحارق.

وأظهر التقرير الداخلي المُعد من قبل المديرين التنفيذيين لـ"بي أم آي" ومدير قسم ضبط الجودة ومعالجة المخاطر في مستشفى نظير ألا دليل ملموساً على حصول ماكمين على موافقة للقيام بأبحاث باعتبارها أحد شروط تخزين عينات من المرضى بموجب قانون الأنسجة البشرية، أو على إجرائه أي أبحاث من أي نوع. وأضاف التقرير أن المدير التنفيذي للمستشفى اتصل بماكمين في بداية شهر يوليو (تموز) من العام الحالي ونبهه من عدم امتلاك المنشأة الصحية للترخيص الذي يتيح لها تخزين الأنسجة البشرية، الأمر الذي يحتم لزوم التخلص من العينات "المستقبلية" يوم الجراحة.

وبعدها بأسابيع، فتشت "لجنة جودة الرعاية" (CQC) المستشفى وعلمت بأمر الحاويات التي عثر عليها في مارس، وفي أغسطس (آب) من العام الماضي، طلبت اللجنة من المستشفى إثبات حيازتها على ترخيص من "هيئة الأنسجة البشرية" وحصول ماكمين على موافقة خطية من المرضى.

حينئذ فقط، طلب من الجراح تبرير أفعاله. واستناداً إلى التقرير الداخلي، أرسل ماكمين بريداً إلكترونياً إلى المستشفى في أغسطس 2019، اعترف فيه بأنه "ينوي استخدام العينات للأبحاث العلمية وبأنه كان يجمع الأنسجة على مدى 25 عاماً بالموافقة الشفوية للمرضى وبأنه يحتفظ بآلاف العينات في أوعية مصنوعة من الفورمالين ومرفقة بملاحظات وصور أشعة سينية وتحقيقات خاصة بكل عينة". وفي ذلك الشهر، أصدرت "بي أم آي" قراراً بإيقاف ماكمين عن العمل وأعلمت "المجلس الطبي الأعلى" (GMC) و"هيئة الأنسجة البشرية" بقرارها. ومع ذلك، لم يضع "المجلس الطبي الأعلى" حتى الآن قيوداً من أي نوع على رخصة ماكمين لمزاولة مهنته.

ووفقاً للتقرير، فإن "ماكمين خزَّن ويُخزِّن أنسجة مأخوذة من أجسام بشرية"، مع العلم بأنه لا يملك أو عيادته إذناً من "هيئة الأنسجة البشرية" للقيام بذلك.

وبالنسبة إلى عدد العينات التي تمكن ماكمين من جمعها، فلم يستطع التقرير إحصاءها، لكن أحد العاملين مع الجراح لمَّح إلى امتلاكه نحو 5224 عينة. ويظهر أن هذه العينات قد جلبت من مستشفيات خاصة مختلفة ومن مرضى مُحالين من "هيئة خدمات الصحة الوطنية". ففي مرحلة من المراحل، كان ماكمين يجري العمليات الجراحية في "مستشفى ليتل أستون" المملوك لـ"سباير للرعاية الصحية" (Spire Healthcare)؛ وبحسب ما أكده العاملون هناك للمحققين، فإن تجميع العظام لم يتوقف عندهم، بل على العكس. وقد علمنا أن "سباير" لم تتلق من "بي أم آي" أي اتصال يحذر مرضاها من مغبة قضية ماكمين.

وفي الختام، خلص التقرير إلى أن ماكمين قد فشل في تلبية المتطلبات العديدة التي يفرضها كل من "المجلس الطبي العام" و"هيئة الأنسجة البشرية". ويذكر أن هذه الأخيرة رفضت الإدلاء بتصريح لــ"اندبندنت" بانتظار انتهاء التحقيقات التي تُجريها الشرطة.

والمعلوم أن "لجنة جودة الرعاية" لم تبلغ بفداحة القضية حتى يوم الجمعة الماضي، أي بعدما بدأت "اندبندنت" بإجراء تحرياتها الخاصة. وفي هذا الصدد، قال البروفسور تيد بايكر، كبير مفتشي المستشفيات "بينما نتفهم تأخر التحقيقات الداخلية، نرى أنه من المخيب للآمال أن تستغرق النتائج وقتاً طويلاً للوصول إلينا". وأردف أن الهيئة ستنظر في التقارير لتحديد ما إذا كان من الضروري القيام بتحركات إضافية، شأنها شأن "المجلس الطبي العام".

ولما حاولت "اندبندنت" الاتصال بماكمين لم تلقَ رداً. أما "مجموعة سيركل هيلث" (Circle Health Group) التي استحوذت على "بي أم آي للرعاية الصحية" في يونيو من العام الحالي، فذكرت لنا أن إدارة المستشفى تغيَّر منذ بدء التحقيقات، وأن التأخر في تمرير التقرير الداخلي كان مقصوداً حتى يتسنى للإدارة الجديدة فرصة القيام بسلسة معقدة ومكثفة من التحقيقات. وأوضح الناطق الرسمي باسم المجموعة أن هذه الأخيرة "تعتذر عن ارتكابات الجراح غير المقبولة والمؤلمة في السنوات السابقة، وتتعهد ببذل قصارى جهدها للتحقيق في هذه المسائل التاريخية والتعاون مع الهيئات التنظيمية والسلطات المعنية لحلها".

وأعلنت "سباير للرعاية الصحية" التي كان لمرضاها حصة في قضية ماكمين، أنه لم يتم الاتصال بها، مع أن "سيركل" زعمت عكس ذلك في أغسطس العام الماضي. يبدو أن المجموعة لم تجد ولو دليلاً واحداً على تأثر مرضى مُحالين من "هيئة خدمات الصحة الوطنية"، ونظراً لعدم حصول أضرار جسيمة، ولأن القضية لا تزال قيد المراجعة، اتخذت قرارها بعدم إعلام المرضى.

إذا كنت أنت أو شخصاً تعرفه قد خضع لعملية جراحية على يد ديريك ماكمين، فلتتواصل معنا عبر البريد الإلكتروني التالي: [email protected]

© The Independent

المزيد من صحة