Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح لقاءات جعجع الباريسية في كسر جمود مبادرة ماكرون؟

فرنسا لن تتراجع عن المطالبة بحكومة تكنوقراط من المستقلين

رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع (أ ف ب)

الجمود القاتل يخيم على الواقع السياسي اللبناني. أسبوع مرّ على المؤتمر الصحافي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اتهم فيه السياسيين المعرقلين بالكذب والانقلاب على ما تعهدوا بتطبيقه على الطاولة في قصر الصنوبر في آخر اجتماع معهم، ولم يحصل شيء حتى الآن. لا اتصالات ولا لقاءات ولا حتى محاولات، وكأن الجميع سلم بأمر وضع الأزمة اللبنانية في الثلاجة، بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

التكنوسياسية

لا موعد بعد للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس يكلف تشكيل الحكومة الجديدة، ولا شيء في القصر الرئاسي في بعبدا يوحي بتحديد موعد قريب. والأجواء الرئاسية تشي بإصرار الرئيس ميشال عون على الاتفاق على كل التفاصيل قبل الشروع بإجراءات التسمية والتكليف. حتى رؤساء الحكومات السابقين، الذين نشطوا في بدايات مبادرة ماكرون، غابوا عن السمع. وحدها مبادرة رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، القديمة الجديدة، ملأت الفراغ لكن في الإعلام وحسب.

حكومة تكنوسياسية، هو الطرح الذي عرضه ميقاتي بعد استقالة حكومة حسان دياب، وقبل الذهاب إلى تسمية مصطفى أديب. وعادت الفكرة إلى التداول بعد أقل من يومين على كلام الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، الذي رد فيه على ماكرون بالإصرار على حكومة سياسية يكون فيها للثنائي الشيعي الحق في تسمية الوزراء والاحتفاظ بحقيبة المالية. 

بحسب أوساط ميقاتي، واستناداً إلى إشارات وصلتها من أكثر من جهة، فإن المبادرة التي قدمها رئيس الحكومة الأسبق قد تكون نقطة انطلاق للمفاوضات المتعلقة بالحكومة المقبلة، والمتوقع أن تتحرك الأسبوع المقبل إن بشكل علني أو بعيداً من الإعلام. الطرح ينص على تشكيلة حكومية من 20 وزيراً، ستة منهم سياسيون من دون أية حقيبة أساسية (وزراء دولة)، في مقابل ترك الحقائب المتعلقة بالإصلاحات إلى شخصيات مستقلة تقنية. أما عقدة حقيبة المالية، التي تستبعد مصادر سياسية بعد اليوم تثبيتها للشيعة، فيقترح ميقاتي في مبادرته أن يتولاها شيعي ولمرة واحدة، وبشخصية مستقلة. الطرح "الميقاتي" يدعو إلى أن يكون رئيس الحكومة سياسياً لا مستقلاً، وقد اقترح ميقاتي سعد الحريري لهذه المهمة، لكن الأخير سارع إلى رفض المشاركة بأية مبادرات واقتراحات، وأعلن في بيان أنه غير مرشح لتولي تشكيل الحكومة الجديدة، مجدداً دعمه لمبادرة ماكرون والعمل على إنجاحها بصفتها الفرصة الوحيدة والأخيرة لوقف الانهيار. 

وحتى ميقاتي نفسه ينفي استعداده لتولي رئاسة حكومة جديدة. وتقول أوساطه لـ "اندبندنت عربية"، "لا يمكن لأي عاقل أن يقبل بمهمة مستحيلة في غياب حد أدنى من مقومات نجاحها". الظروف الكفيلة بإنجاح أية مبادرة لا تزال غير متوافرة حتى الآن، تقول المصادر.

جعجع في باريس

في مقابل الجمود الداخلي، غابت الاتصالات بين بيروت وباريس، ولم يسجل أي تواصل بين الأليزيه وأي مسؤول لبناني. وحدها زيارة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى فرنسا خرقت المشهد، مع تأكيد "معراب" بأنها ليست زيارة خاصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مصادر أكدت لـ"اندبندنت عربية" أن جعجع التقى مسؤولين فرنسيين على كل المستويات، وفي بعض دوائر الحكومة الفرنسية. اللقاءات بقيت بعيدة عن الإعلام وسط تكتم شديد أثار ريبة الأصدقاء والخصوم معاً. وبحسب ما علمت "اندبندنت عربية"، فإن الإصرار على إبقاء لقاءات جعجع الباريسية بعيدة من الأضواء حصل بالاتفاق بين الطرفين، فالاصطفافات السياسية الحادة التي شهدتها الفترة الأخيرة دفعت المسؤولين الفرنسيين إلى تجنب الظهور في موقف الداعم لفريق ضد آخر، كما أن جعجع كان حريصاً على إبقاء فرص نجاح المبادرة الفرنسية قائمة. 

وتقول المصادر إن الهدف من لقاءات رئيس حزب القوات اللبنانية - الفرنسية كان درس وتحليل وتقويم كل ما جرى حتى الآن، والبحث عن طرق كفيلة بالاستمرار في مبادرة ماكرون، وسط اهتمام فرنسي بالاستماع إلى وجهة نظر جعجع في هذا الشأن، فرئيس حزب القوات اللبنانية لا يزال يعلق آمالاً على مبادرة ماكرون، لإيجاد حلول ولو مرحلية للأزمة اللبنانية، وتحديداً للوضعين الاقتصادي والمالي. صحيح أن المبادرة الفرنسية لا تطرح حلاً لجوهر المشكلة في لبنان، المرتبط بالنظام والسلاح، لكن هذه المبادرة من وجهة نظر جعجع يمكن أن توفر فسحة أمل للبنانيين بانتظار الحلول الكبرى المرتبطة بالوضع الإقليمي، لأنه من دون المبادرة الفرنسية سيتجه الوضع الاقتصادي والمالي إلى المجهول، إن لم يكن إلى الجحيم. 

ماكرون لن يستسلم

الرياح الباريسية تحمل معها تطمينات باستمرار مبادرة ماكرون، بالاندفاعة نفسها، ولكن بتوقعات مختلفة. لا تغيير في الموقف الفرنسي لجهة الإصرار على حكومة تكنوقراط مستقلة، قادرة على تنفيذ مهمتها الأساسية وهي الإصلاحات الضرورية والمطلوبة لإنقاذ الوضعين الاقتصادي والمالي. 

المبادرة الفرنسية إذاً مستمرة، على الأقل في شقها الإنساني، إذ سيشهد الأسبوعان المقبلان تطورات في هذا الخصوص. محركات الإليزيه ستعود إلى العمل في جولة من الاتصالات الدولية والعربية، تشمل السعودية والولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وباقي الدول الأعضاء في مجموعة دعم لبنان، لاستكمال مرحلة جمع التبرعات المالية لإعادة إعمار بيروت وتوفير المساعدات الإنسانية، ولن تقتصر اتصالات ماكرون مع الدول الصديقة على الشق الإنساني، بل ستتطرق وفق المعلومات إلى البحث بعمق في كيفية إخراج لبنان من المأزق السياسي الحالي، مع علم الإليزيه المسبق بأن دول الخليج المؤثرة في لبنان ليست في وارد التدخل. ويعترف المسؤولون الفرنسيون بأن المسألة معقدة وتحتاج إلى الكثير من الاتصالات والضغوط على أكثر من مستوى، لكنهم لن يستسلموا ولن يتراجعوا عن مساعدة لبنان.

في المقابل، يدرك الفرنسيون أيضاً أنهم لا يستطيعون أن يقوموا بدورهم ودور غيرهم، وتحديداً اللبنانيين، بل يعتبرون أن هناك دوراً مطلوباً، في الحد الأدنى، من عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري والكتل النيابية.

المزيد من تقارير