Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب جديدة في ليبيا... على أوكار الشعوذة

جدل حول تنفيذ العقوبة الشرعية أو التي ينص عليها القانون القائم

دمى ملطخة بالدماء، مسامير مغروسة في أنحاء جسدها البلاستيكي، عظام حيوانات ضخمة، نتف شعر، كتب مخيفة المحتوى، صور كتُبت عليها حروف باللون الأحمر، أسماء أشخاص مع أسماء أمراض وأماني نبعت من نفس حاسدة بفراق الأحباب وتشتت الأسر. ليست هذه من فيلم رعب، بل هي صور حقيقية ملأت صفحات التواصل الاجتماعي في ليبيا، وشغلت أهلها على مدار الأيام الماضية.

انتشرت هذه الصور بعد حملة أطلقتها القوى الأمنية، التابعة للسلطات في شرق ليبيا، على أوكار قالت إنها تستخدم لممارسة السحر والشعوذة، قادت إلى القبض على العشرات من ممارسي هذه المهنة الغريبة.

فتحت هذه الصورة والحملة الأمنية على السحرة، باباً واسعاً للنقاش، لم يغلق حتى الآن، في شأن هذه القضية وموضوع السحر من أساسه، بين منكر ومقر وساخر ومؤيد، وبين تيار يعدها ضحكاً على الناس، وإلهاءً ممنهجاً عن قضاياهم الحقيقية، وبين من يعدها حملة مباركة على كفرة فجرة أعداء لله والدين.

بداية الحكاية شكوى

بدأت هذه القضية، بضبط قسم البحث الجنائي التابع لمديرية أمن بنغازي، في مايو (أيار) الماضي، ثلاثة أشخاص يمارسون أعمال السحر والشعوذة، بعد شكوى من مواطن ضدهم، وتبين بالبحث والتحري صحة تلك المعلومات، حسب بيان للمديرية.

وقال قسم البحث الجنائي، إنه بعد ضبط المطلوبين الثلاثة، اعترف أحدهم بممارسة أعمال السحر، وأقر الشخصان الآخران بأنهما يروجان له، ويقولان للناس إن هذا الشخص شيخ يجلب الرزق ويعالج العقم وأمراض السرطان والوباء الكبدي واستعجال الزواج وجلب الحبيب وموافقة الأهل على الزواج. وأفادوا بأنهم شركاء في هذه الأعمال.

القضية تكشف عن ظاهرة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مر الخبر حينها مرور الكرام، ولم يهتم به أحد، لكن الحملة التي أطلقتها أجهزة الأمن التابعة للحكومة المؤقتة، في شرق ليبيا، سلطت الأضواء على القضية، وكشفت عن عشرات الأوكار المماثلة، تمتهن الشعوذة والسحر، ويديرها أشخاص من كل حدب وصوب، أكثرهم أجانب، من دول عربية وأفريقية.

ويقول عضو المكتب الإعلامي في مديرية أمن بنغازي، خالد البدري، لـ"اندبندنت عربية"، "قادتنا هذه القضية بالمصادفة إلى عشرات الأوكار الأخرى، لنكتشف أن ممارسة الشعوذة والدجل وامتهان السحر بات ظاهرةً، أكثر منه ممارسات فردية قليلة ونادرة".

ويضيف "المقبوض عليهم حالياً، تحت طائلة القانون وسيحاكمون طبقاً لقواعده، وسنعمل على إنهاء هذه الظاهرة التي يمارسها نصابون يقتاتون من بساطة الناس، هذا دورنا".

لم تقتصر عملية ضبط أوكار الشعوذة على مدينة بنغازي، بل امتدت، ليتم الكشف عن انتشارها في البلاد. ويبين عضو مكتب الإعلام الأمني في مديرية أمن المرج عبد السلام العرفي، أنه "بعد ظهور القضية في بنغازي، صدرت تعليمات للمديرية بالتحري عن أوكار مماثلة في مدينة المرج، وتوصلت تحرياتنا إلى عديد منها بشكل فاق توقعاتنا الأولية".

العقاب بين الدين والقانون

صدمت المشاهد التي نشرت من داخل هذه الأوكار الغريبة المجتمع الليبي، وتفاعل الناس بشدة مع القضية، وتنامى هذا التفاعل الشعبي، حتى وصل إلى جهات الدولة ومكاتب الوزارء في الحكومة المؤقتة. وخلق نقاشاً ثقافياً فكرياً وقانونياً.

وبدأت القضية تأخذ منحنى جديداً بعد انتشار شائعات عن قرار بتنفيذ الحكم الشرعي، المستند إلى بعض نصوص التراث، التي تذهب إلى تنفيذ حكم الإعدام بشكل فوري، فيمن تثبت عليه ممارسة السحر والشعوذة.

أثارت هذه المعلومات سخط بعض النشطاء والمنظمات الحقوقية والجمعيات المدنية، التي طالبت بمعاقبة هؤلاء وفق نصوص القانون وأحكامه لا وفق نصوص الشريعة. وتحول النقاش إلى خلافات بين التيارات المدنية ذات التوجهات العلمانية ورجال الدين ومناصريهم حول هذه النقطة.

اتسع الخلاف إلى درجة استدعت تدخل وزير الداخلية في الحكومة الليبية المؤقتة، إبراهيم بوشناف، فأمر رؤساء الأجهزة الأمنية ومديري الأمن بمكافحة السحر والشعوذة، وفقاً لصحيح القانون ومقتضى أحكامه.

وجاء في كتاب بوشناف أن "الدفاع عن البيئة الاجتماعية حق وواجب، شريطة ألا يقع في المخالفة لأحكام القانون، أو ينقلب إلى تهديد لأسس الشرعية، أو ينحدر إلى تعريض النظام الاجتماعي للخطر".

وشدد على أنه "حتى يتدخل المشرع لتأطير الفتوى المنسوبة إلى اللجنة العليا للإفتاء في الخصوص يجب التعامل مع الأمر وفقاً للقانون القائم".

الجسد في عصر والعقل في آخر

في هذا السياق، يقول إمام أحد المساجد التابعة لأوقاف الحكومة المؤقتة، في شرق ليبيا، مصطفى العمامي، لـ"اندبندنت عربية"، "حذر الإسلام من عمل السحر، وهو شرك بالله، لأن الساحر يستعين بالشيطان وباستخدام التعويذات والعقد والنفث فيها، وقد قال جل وعلا (ومن شر النفاثات فى العقد)".

وطالب العمامي بإنزال أشد العقوبات بالسحرة لإنهاء شرهم، انطلاقاً من اعتقاده أن "العقوبة القانونية المخففة لا تردع الساحر، ولا تثنيه عن ممارسة الشعوذة والدجل وإيذاء الناس، ولا بد من الاحتكام إلى نصوص الشريعة لدفع ضرره، فالقضية شرعية أكثر منها جنائية يرجع الحكم فيها لنصوص القانون".

ويعارض الناشط المدني الليبي محسن العرفي هذه الفكرة بقوله "يريدون تسميم عقول الناس وإعادتهم إلى القرون الوسطى، بفتح قضية حول ظاهرة ليست ممارستها هي الجدل، بل إلباس النقاش مسوح الدين هو الدجل، الذي تجب مكافحته".

وينتقد العرفي في حديث لـ"اندبندنت عربية" "دخلنا القرن الحادي والعشرين ووصل الإنسان إلى المريخ، ومع التقدم العقلي الذي تعيشه البشرية في عصر تقنية المعلومات، ما زال البعض يتحدث عن السحر ومس الجان للإنسان، ويعيش بجسده في عصرنا السيبراني وعقله يحيا في عصور ماقبل التاريخ".