Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتعاش التهريب مع سوريا يستنزف احتياطات المركزي اللبناني

يستورد سنوياً 8 ملايين لتر بنزين في حين أن حاجة السوق المحلية لا تتجاوز 4 ملايين

عادت قضية المعابر غير الرسمية على الحدود اللبنانية - السورية إلى الواجهة من جديد، إذ تشير المعلومات إلى ارتفاع غير مسبوق في وتيرة التهريب بين البلدين، الذي بات موثقاً في مقاطع فيديو يتداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يحوّل هذه القضية إلى فضيحة حقيقية، تكشف عجز الدولة اللبنانية عن ضبط حدودها، لاسيما أن التهريب يستنزف قدرات لبنان الاقتصادية المتردية أصلاً، علماً بأن صندوق النقد الدولي سبق أن وضع إغلاق معابر التهريب عبر الحدود شرطاً إصلاحياً أساسياً لتقديم أية مساعدة إلى لبنان.

وفي المعلومات، فإن عمليات التهريب من لبنان إلى سوريا مستمرة لجميع المواد، ومنها المحروقات والأدوية والطحين، وازدادت بشكل لافت ابتداء من نهاية 2019، بسبب الهبوط الكبير لسعر الليرة اللبنانية في مقابل الدولار، وأخيراً برزت بشكل واسع قضية تهريب البنزين، إذ تعاني مناطق لبنانية، لاسيما في البقاع، شحاً كبيراً في هذه المادة الحيوية، في وقت تشير المعلومات إلى أن لبنان يستورد سنوياً ثمانية ملايين لتر بنزين، في حين أن حاجة السوق المحلية لا تتجاوز الأربعة ملايين.

سوق "القصير" الحرة

وكشف مصدر سوري ميداني معارض في منطقة القصير السورية، أن حزب الله وتجاراً موالين للنظام، حولوا مدينة القصير ومحيطها إلى ما يشبه "السوق الحرة"، إذ تدخل المواد المهربة من لبنان عبر معابر غير مشروعة، وتجهز في "هنغارات" يشرف عليها مسلحون من حزب الله، تحت غطاء أنها مراكز لوجستية للحزب، وذلك على عكس شاحنات المازوت والبنزين التي تعبر مباشرة إلى دمشق أو مدن أخرى، إذ يجري استبدال لوحات التسجيل اللبنانية بأخرى سورية للتمويه.

وأوضح المصدر أن الحزب والنظام أنشآ "منظومة اقتصادية مستقلة"، إذ إن جزءاً من البضائع المهربة من لبنان تسلم إلى تجار يعملون لمصلحة النظام، في حين تجري مقايضة في مقابل بضائع إيرانية أو تركية وسورية تسلم للحزب الذي يوزعها بدوره داخل السوق اللبنانية، لاسيما في مناطق البقاع والجنوب، شارحاً أن العشائر اللبنانية "تلعب دور الوساطة"، إذ إن بعضها يمتلك أراض على الحدود، "يجري السيطرة عليها أمنياً، وتقفل حدودها من الناحية اللبنانية على أنها منطقة زراعية أو صناعية أو حتى أمنية لضرورات المقاومة، وتصبح ممراً للتهريب"، مضيفاً أن كل معبر لديه اختصاص ببضائع وسلع معينة، ولا يستطيع صاحب المعبر تهريب إلا ما أوكل إليه.

وفي السياق، انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر شاحنة تهرب المحروقات في إحدى المناطق الحدودية، كما جرى تداول تسجيل صوتي لصاحب الشاحنة يهدد فيه الدولة وأهل البقاع، قائلاً إن "مصور الفيديو وأهل البقاع والدولة وصرمايتي سوا".

غطاء سياسي وليس عسكرياً

وفي المقابل، تؤكد مصادر في الجيش اللبناني أن الأجهزة الأمنية تلاحق جميع عصابات التهريب من دون استثناء، مؤكدة أن جهوداً كبيرة بذلت في إطار ضبط الحدود، وأنه من أصل 136 معبراً غير مشروع رصدت سابقاً، لم يتبق سوى خمسة معابر، "نواجه صعوبة في ضبطها، نظراً إلى تداخل الجغرافيا اللبنانية والسورية"، مستشهدة بإحدى القرى بين القسر السورية والهرمل اللبنانية، حيث تمر الحدود داخل المنازل. ولفت إلى أن هناك بعض المعابر التي يعبرها المشاة وتمر في الجبال والوديان بتضاريس صعبة، وعادة ما تقفل في فصل الشتاء نتيجة تراكم الثلوج.

واعترفت المصادر بوجود معابر يشرف عليها حزب الله، لأسباب تتعلق بوجوده ضمن الأراضي السورية، وقالت "بحسب معلوماتنا هذه المعابر يستخدمها الحزب لأسباب تتعلق بوجوده في مناطق سورية، ولا يستخدمها لتهريب البضائع"، مؤكدة أن الوضع الخاص الذي يتمتع به حزب الله يعود إلى السلطة السياسية التي أعطته هذا الهامش، وأن الجيش يخضع لتلك القيود"، مضيفة "على صعيد التهريب نبذل جهداً كبيراً، وعندما تضبط عصابات تهريب تسلم فوراً إلى القضاء".

سوريا الخاسر الأكبر

بدوره، يرى المحلل الاقتصادي والمالي أحمد بهجة، أن التهريب على الحدود اللبنانية السورية في الاتجاهين سوية وليس فقط من لبنان، مشيراً إلى أن التهريب "يؤدي إلى خسارة الجانب السوري اقتصادياً ومالياً أكبر بكثير مما يخسره لبنان"، موضحاً "ما يهرب من لبنان إلى سوريا يوازي خمسة أضعاف ما يهرب بالعكس"، شارحاً أن التهريب من سوريا يقتصر على المنتجات الزراعية أو التبغ، بينما من لبنان يشمل أنواعاً مختلفة من البضائع الممنوع دخولها إلى سوريا، بسبب الحصار الغربي.

وأضاف بهجة، "المستفيدون من ذلك فقط شبكات التهريب من الجانبين، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية ومالية فادحة للجانبين، إضافة إلى الآثار السلبية على المستوى الأمني"، رافضاً "الادعاءات التي تتداول بأن حزب الله والنظام السوري هما من يرعيان عمليات التهريب"، معتبراً أن التهريب "مسألة قديمة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وعمّقها غياب التواصل المباشر بين الحكومتين اللبنانية والسورية"، وقال "يتطلب الأمر تنسيقاً ليس فقط على صعيد المؤسسات العسكرية والأمنية المعنية بضبط المعابر غير الشرعية من الجانبين، بل أيضاً توجد إجراءات مالية واقتصادية يمكن اتخاذها بشكل مشترك، وتؤدي إلى انتفاء الحاجة إلى التهريب، خصوصاً حين يجد المهربون أنهم بلا فائدة من تلك العمليات".

الدولة تشرع التهريب

من جانبه، طالب النائب عن زحلة، إحدى مدن البقاع، جورج عقيص في تصريح، بـ "إيقاف المهزلة ومشاهد إذلال أهالي زحلة وقضائها الذين يصطفون في طوابير أمام محطات الوقود للحصول على بضعة لترات من البنزين، وفي الوقت نفسه تعبر صهاريج البنزين والمازوت بالعشرات وبكميات تصل يومياً إلى مليون ونصف المليون لتر إلى أقصى شمال البقاع، وصولاً إلى الداخل السوري من دون أي اعتراض".

وأبدى عقيص اندهاشه من "تحميل أهالي زحلة والبقاع التقصير السياسي والأمني في مكافحة التهريب، وحرمانهم من الكميات الكافية من المحروقات، بحجة مجابهة التهريب، الذي تحول إلى وصمة عار وصفحة سوداء مخجلة في هذه الدولة، التي يمكننا أن نقول وبكل حرية إنها هي من يشرع التهريب إلى سوريا وبحمايتها".

فداحة التهريب بالأرقام

وتؤكد مصادر مصرفية في البنك المركزي اللبناني أن عمليات التهريب المستمرة على الحدود اللبنانية السورية، لاسيما البضائع المدعومة من المصرف المركزي، تسبب استنزافاً شديداً للعملات الأجنبية التي وصلت أخيراً إلى خطوط خطيرة للغاية، مقدرة كلفة الاستنزاف بنحو 4.1 مليار دولار سنوياً، أي أكثر من 20 ملياراً منذ 2015، من خلال تمويل استيراد بالأموال الأجنبية لا تحتاجها السوق المحلية، مشيرة إلى أن هذا الرقم قد يتجاوز 5.4 مليار خلال 2020، نظراً إلى تزايد التهريب عن السنوات السابقة، لاسيما المواد النفطية بمختلف مشتقاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف المصادر، "بالرغم من فرض قيود إضافية على اعتمادات الاستيراد من الخارج، فإن غياب الرقابة وانسياب الحدود أمام عصابات التهريب قوض احتياطات المصرف المركزي الذي بدأ خطة رفع الدعم التدريجي عن السلع، بخاصة المحروقات، إذ يتوقع أن يخفض الدعم من 85 في المئة حالياً إلى 65 في المئة خلال الشهر المقبل، لتصل إلى حدود 40 في المئة مع نهاية العام الحالي، وعندها يجري تقويم القدرة على إمكان استمرار هامش معين من الدعم أو رفعه نهائياً".

ولفتت إلى أن قرار رفع الدعم عن السلع "يقلل التهريب إلى سوريا"، كون العصابات تستفيد من فوضى سوق الصرف في لبنان، فعلى سبيل المثال يبلغ سعر صفيحة البنزين في لبنان نحو 25 ألف ليرة، أي ما يعادل 16.5 دولار، بحسب السعر الرسمي، ونحو ثلاثة دولارات على سعر السوق الفعلية. ويعمد المهربون إلى بيعها في سوريا بسعرها وفق الدولار المدعوم أي 16.5، بما يعادل 125 ألف ليرة لبنانية، "ما يعطيهم هامش ربح مضاعفاً خمس مرات عن بيعها في لبنان"، مشيرة إلى أن رفع الدعم الكامل سيقابله "بطاقة تموينية" تعوض المواطن فارق سعر الدعم، وتحافظ على قدرته الشرائية، مقدرة قيمتها بنحو 300 ألف ليرة لكل مواطن.

الأزمة المقبلة

وفي سياق التهريب، تشير أوساط في نقابة الصيادلة إلى أن أزمة اختفاء الأدوية من الصيدليات ستطل برأسها قريباً في لبنان، إذ تواجه شركات استيراد الدواء من الخارج صعوبة في فتح الاعتمادات التي تؤخر وصول الأدوية إلى الصيدليات، كاشفة أن 50 في المئة منها باتت مفقودة، وأن توجيهات أعطيت للصيدليات بعدم بيع المريض سوى كمية لا تتجاوز مدة الشهر، بهدف إطالة المخزون الحالي قدر المستطاع، متخوفة من مرحلة تخفيض الدعم المؤمن من المصرف المركزي مستقبلاً، ما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار.

وأكد نقيب مستوردي ​الأدوية​ كريم جبارة، أن لبنان بات في "المرحلة الثانية من الهلع" في موضوع انقطاع الدواء للأمراض المزمنة، كاشفاً عن اتخاذ إجراء بأن يسلم المستورد الصيدلي حاجته الضرورية خلال الفترة الطبيعية، مشدداً على أن أي طلب بوقف أو خروج أدوية من السوق، يشكل خطراً على المواطن.

المزيد من تقارير