Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضمادات سوناك للاقتصاد البريطاني ليست علاجا

تعبنا من الخطابات الرنانة المحفزة وصور المناسبات والسياسات القائمة على الرموز نريد الآن معرفة كيف يمكن إنقاذ وظائفنا واقتصادنا

مارغريت ثاتشر تسير وسط أرض خراب في منطقة تييسايد (شمال شرقي إنجلترا) خلال ثمانينيات القرن الماضي (جون فوز- اندبندنت)

كلما فكرت بالسيدة ثاتشر، أعود بذاكرتي إلى صورتها وهي تجوب أرضاً يباباً كانت يوماً ما موقعاً لمنشأة صناعية. لا بد أنه ابن الشمال في داخلي، لكنني لا أستطيع نسيان كيف أن هذه الصورة الأيقونية كانت خالية من الروتوش. تماهى فراغ المشهد المحض في حد ذاته مع الغياب المحض عندها لمشاعر تشترك فيها مع الآخرين، من قبيل الفهم والرحمة، أو دعنا نسميه التعاطف.

تمتعت ثاتشر بسمات عدة، غير أنها فشلت في رؤية الأشياء بعيداً من الشيطان الذين اعتبرته مسؤولاً عن الخراب، والمتمثل في "نقابات العمال". فكرت رئيسة الوزراء أنها إذا هزمتهم فسيستقيم كل شيء: ستمضي بريطانيا على طريق الازدهار، وسيتنامى اقتصادها، وسيخرج رجال الأعمال المختبئين إلى النور ليقفوا في الصدارة ويتألقوا.

وقد ضربت النقابات فعلاً. وفيما كانت حملتها الجريئة صائبة وشجاعة في كثير من جوانبها، فإن القيود كانت تكبل البلاد فعلاً. وحين تحقق النصر، لم يتمخض عن شيء. والأمر الذي لا يغتفر هو الإهمال الذي تلا الحملة.

وعند الاستماع إلى ريشي سوناك وهو يعلن عن برنامج دعم الوظائف، عادت تلك الصورة مجدداً إلى البال كتذكار مؤلم بماذا يمكن أن يحصل، وبما هو مرجح أن يحصل، ما لم تُتخذ خطوات ضرورية. 

بحثت عبثاً عن أي ذِكر للاحتفاظ بالمهارات وتزويد العاملين بها، كما لم أسمعه ينطق بكلمة الاستثمار، ولم أرَ إشارة إلى خطة مفصلة للانتعاش الاقتصادي. لقد كان خطاب وزير المالية أشبه بعملية لفّ للجراح بضماد من نوع "إيلاستوبلاست" فهذا كل ما فعله. وهذا إجراء طارئ، صمّم لاتخاذه بشكل موقت لوقف النزيف والحماية.

بيد أن تضميد الجراح غالباً لا يشفي بل قد يخفي مشكلة كامنة، وإذا كانت الجراح عميقة، فقد لا يفيد الضماد نهائياً، لا بل يمكن أن يفاقم الحالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان الرقم الإجمالي للوظائف التي فقدها أصحابها منذ بدء الإغلاق وحتى اللحظة التي تحدث فيها سوناك، يقترب من 700 ألف وظيفة. وهذه الوظائف لن تعود بسبب أي شيء قاله. فثمة أجزاء كبيرة من اقتصادنا لا تعمل على الإطلاق حالياً، ومراكز بلداتنا ومدننا فارغة، فيما أبنية المكاتب مهجورة، كما أن الشركات التي كانت تعيش على الخدمات التي تقدمها للعاملين في هذه المكاتب، باتت بلا إيرادات. ومن الممكن إضافة السياحة، والسفر، وتنظيم النشاطات والفنون إلى القطاعات المشلولة أيضاً. ولن يأتيها أي قدر من المال، خلافاً لما بدأ وزير المالية الإيحاء به. وقد استمرت هذه المشكلات منذ 6 أشهر، وإذا كنا لنصدق بوريس جونسون فإن الوضع سيبقى كما هو لـ6 أشهر أخرى. وهذا يعني أن هذه القطاعات ستظل من دون دخل على الإطلاق لسنة كاملة.

لذلك، بينما استهدف سوناك الشركات "القابلة للحياة" لتقديم المساعدة لها، فإن العثور على شركة تستطيع الاستمرار بإيرادات تقترب من الصفر أو من دون أي إيرادات نهائياً على امتداد 12 شهراً، سيكون مستحيلاً على الأرجح. لنترك على جنب المناقشات حول من يمكن الاحتفاظ بهم من العاملين ومن تُنهى خدماتهم، وأيهم يُعين على أساس دوام جزئي، وهي المناقشات التي دعا وزير المالية القائمين على الشركات لإجرائها. فهذه شركات تستعد لإغلاق أبوابها نهائياً ولن تحتاج لأي موظفين على الإطلاق.

هذه هي النتائج المباشرة لاستجابتنا لكوفيد، التي تبعث الخوف في القلوب وتشجع الناس والعملاء على البقاء بعيداً، وعلى العمل من البيت.

ومع هذا، كان للجائحة تأثير آخر، إذ فاقمت من نقاط الضعف التي كانت موجودة سلفاً. فالمستهلكون كانوا يتجهون للنأي بأنفسهم عن المحلات التجارية في الشوارع الرئيسية والشراء عبر الإنترنت، على أية حال. واقتصادنا كان يشكو من حالة عدم توازن حاد، ويعتمد بشكل كبير على الخدمات المالية والمهنية. وخارج طريق أم 25 السريع (طريق رئيسي يحيط بجميع أنحاء لندن الكبرى)، كانت المواصلات والبنية التحتية الرقمية ضعيفة واليد العاملة تعاني من تجهيز رديء، الأمر الذي يشل مناطق واسعة من البلاد، ولا أقصد بذلك شمال إنجلترا فحسب، وتجعلها غير مؤهلة للمنافسة على قدم المساواة مع شركات أخرى في الجنوب الشرقي من البلاد، ناهيك مع الشركات الموجودة في السوق العالمية.

إن الحكومة مصممة على كبح التدفق. ولعلها ستقطع شوطاً في محاولتها تحقيق ذلك، لكن هذا ما ستقوم به حتى الآن. وقد ينتهي بنا المطاف إلى وجود ما يتراوح بين 2.5 و 3.5 مليون عاطل من العمل، بدلاً من 4 ملايين، كما يقدر بعض الخبراء. وهذا يمثل تقليصاً كبيراً في نسبة البطالة، إلا أنه لا يتعدى كونه مجرد روتوش.

إن ما نفتقر إليه هو كيفية إعادة توظيف هؤلاء الذين أُنهيت خدماتهم، أو سيجري إنهاؤها. ولا نملك أي رؤية مستقبلية بخصوص سبل تقوية اقتصادنا، وليس ترقيعه فقط، بل جعله أفضل وأكثر ملاءمة للأغراض الحديثة (حيث يجب أن لا تتوقف طموحاتنا مع إنشاء خط سكة حديد للقطار السريع من لندن إلى الشمال الغربي).

ما أتذكره عن ثاتشر هو كيف تحولت برامج التأهيل المهني إلى مجرد غبار، وكيف سمحنا للمصانع، ولقطاعات كاملة أن تختفي، وكيف لم يُقدم أي شيء ذي معنى وعلى المدى الطويل بالمقابل.

آمل أنه فيما يكون عدد من الوزراء والمستشارين والمسؤولين يرسمون في إحدى القاعات خطط المواجهة الفورية لفيروس كورونا، ستكون هناك مجموعة أخرى منهم تعاين في قاعة أخرى ما هو أبعد من القضايا الراهنة والمباشرة وتدرس سبل معالجة حاجات البلاد في أعقاب الجائحة. أود أن أتخيل أن المجموعتين تفكران بشكل منسجم ومتماثل، لكن ربما نتوقع منهما أكثر مما يمكن لهما تقديمه.

على أية حال، لدينا حالياً انطباع بأن الإدارة تسعى للتغلب على الفيروس، وتأمل بأن تتفادى السيناريو الأسوأ لجهة أعداد الإصابات والوفيات الذي توقعه العلماء، فيما ستجد الحكومة نفسها مقيدة بأرقام إجمالية محزنة للوظائف التي ستضيع. وتماماً كما حطمت ثاتشر النقابات، فإننا نستحق المزيد.

يجب أيضاً أن تكون إجراءات المعالجة طبيعية. فنحن سئمنا سلفاً حول ما يُقال لنا عن الطريقة التي ستتبعها هذه الحكومة لتحفيز روحنا التجارية، وإعطاء الاقتصاد شحنة قوية من الزخم، ودفع عجلة الإنتاجية إلى الأمام، وحرق الروتين الذي يعيق الأعمال، وفتح المجال أمام فرص تجارية جديدة. قد تُضاف في السنوات المقبلة صورة لبوريس جونسون إلى تلك المذكورة آنفاً لمارغريت ثاتشر، وهو يرتدي قبعة خشنة وسترة من النوع المتوهج الذي يُرى من بعيد (لكم أن تختاروا، فهناك خيارات متعددة بعدد وزرائه بمن فيهم سوناك). كفوا عن التقاط الصور الدعائية التي لا تنتهي، وعن الخطاب الرنان الفارغ الذي تطلقونه في المصانع أمام كتائب العمال ممن تصدر التعليمات المسبقة لهم بالظهور بمظهر المهتم والمتحمس، وابدأوا بالقول لنا، كيف ستحققون بالضبط ما تعدون به.   

© The Independent