Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المهاجرون غير الشرعيين تحت رحمة "الحلم القاتل" و"مراكب الموت"

تعمل المنظمة الدولية للهجرة على مساعدتهم للعودة بأقل خسائر مادية ونفسية ممكنة

في الأشهر القليلة الماضية ومع تمدد الوباء تفاقمت معاناة الكثيرين من المهاجرين غير الشرعيين (أ ف ب)

 

وجوه شابة وأخرى صغيرة أعدادها كانت تقدر بالمئات، ثم أصبحت تتجاوز الآلاف. يترك كل منهم قريته ومعه ما خفّ حمله ولم يغل ثمنه بالضرورة، فخط الفقر ينوء بحمل المتعلقات الشخصية من بضع ملابس، ووجبة أو اثنتين هي آخر ما يتناوله الشاب أو المراهق أو الطفل من بيته قبل أن يستهل رحلته نحو البحر، وفي أقوال أخرى المستقبل الواعد، وفي سياق آخر الموت شبه المؤكد أو الفشل الذريع والعودة صفر اليدين.

العيال رأس المال

يدا الصغير لم تمتلئا أو تفرغا بعد، فسنوات عمره الـ 14 لم تكن كافية ليجرب حظه في مسائل النجاح والفشل. رواية تقول إن والده ووالدته زجا به ضمن حمولة مركب متخمة بعشرات الباحثين عن فرصة لاستنساخ قصص نجاح تموج بها القرية الصغيرة في محافظة المنيا بصعيد مصر. الصغير الذي تشترط أسرته عدم ذكر اسمه، وتعرّفه بـ "أحمد"، ترتيبه الرابع بين إخوته الثمانية. أكبرهم في الـ 22 وأصغرهم في الثالثة.

الأب فلاح بسيط، والأم ربة بيت، شأنهما شأن الملايين غيرهما. رأس المال الوحيد الذي تمتلكه الأسرة هو "العيال"، وأدوات الإنتاج الوحيدة المتاحة هي الإنجاب من دون هوادة، فمنهم من يعمل في الحقل مع والده، وآخر على "توك توك"، وأخرى تم تزويجها في سن الـ 13، ورابع تم إرساله إلى القاهرة حيث يعمل في توصيل الطلبات للمنازل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

أما أحمد فخاض تجربة ركوب "مركب الأمل والحلم"، وفي أقوال أخرى "مركب الموت والغرق" قبل ثلاث سنوات، ولم يكن عمره وقتها تجاوز الـ 11 عاماً، ولحسن الحظ أو ربما لسوئه، فقد عاد "ريس المركب" بعد إبحاره بساعتين لسوء الأحوال الجوية، وعدم قدرته على الوصول إلى النقطة التي يسلم فيها حمولته من "الرؤوس" البشرية لمركب آخر، يفترض أن يُتم الرحلة إلى إيطاليا، بعد أن دفع والده 15 ألف جنيه (950 دولار) من أجل أن ينال الصغير شرف الوصول إلى شاطئ المتوسط على الجانب الآخر، ليبدأ في اغتراف المال الوفير بالعملة الصعبة، وإرساله إلى أهله ليبنوا بيتاً كالذي بناه "الحاج علي" بعد سنوات قليلة من هجرة ولديه غير المشروعة، أو ليشتري سيارة ربع نقل يعمل عليها "الواد الكبير" في نقل البضائع، مثلما فعل ابن العم الذي استقر في ألمانيا بعد رحلة شبيهة خلال تسعينيات القرن الماضي.  

تضييق أمني وضبط رقابي 

ولولا التضييق الأمني والضبط الرقابي والربط الحدودي، لأعاد والد أحمد المحاولة لدفعه إلى مركب يبحر من الشواطئ المصرية أو الليبية أو غيرها حال توافره. آخرون مثل أحمد وصلوا بالفعل قبل أشهر وسنوات إلى إيطاليا أو اليونان، ومنهما إلى دول أخرى في أوروبا مثل ألمانيا والتشيك وغيرهما، وأعداد هؤلاء غير معروفة، فالهجرة في الأساس تمت بسبل غير مشروعة على مدار سنوات طويلة، كما أن بينهم من ينتمي إلى جنسيات أخرى غير مصرية كانوا يقيمون في مصر، أو ربما قدموا إلى مصر، حتى يتمكنوا من فرصة ومكان على متن مركب. الفرصة المميتة تؤدي إلى احتمالات ثلاثة، إما الوصول إلى البر المقابل، وهنا إما النجاح في التسلل والبقاء أو الترحيل، أو الغرق في عرض البحر، أو العودة مجدداً إلى نقطة الإبحار لعطل ما أو نوبة هلع تصيب بعضهم فجأة في عرض البحر.  

وعكس الاعتقاد السائد بين المتعلقين بتلابيب حلم الهجرة على متن مركب بأن الفئة التي تصل فعلياً إلى الشواطئ الأوروبية هي الأكثر حظاً، فإن الواقع يشير إلى عكس ذلك، لاسيما في زمن كورونا.

قصص الفشل كثيرة

قصص الفشل كثيرة، وحكايات المعاناة التي لا يتحملها بشر عديدة، والألم الناجم عن تحطم حلم الثراء وضياع "تحويشة عمر" الأهل لتمويل عملية التهريب كبير وعميق، ومن أجل هؤلاء، شرط أن يكونوا راغبين وليسوا مجبرين على العودة إلى الوطن، تعمل المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة على مساعدتهم للعودة بأقل خسائر مادية ونفسية ممكنة.

رئيس بعثة المنظمة في مصر لوران دو بوك يتحدث عن فكر مختلف في التعامل مع الهجرة غير المشروعة، لا تشوبه عقوبات قانونية أو تهديدات أمنية، بل رغبة طوعية في العودة مع مساعدة على إعادة الدمج مادياً ونفسياً. ويقول لـ "اندبندنت عربية" إن المنظمة ساعدت الآلاف ممن هاجروا من مصر بطريقة غير مشروعة، سواء كانوا مصريين أم من غيرهم، في العودة إلى بلدانهم بطريقة كريمة. ويضيف، "نساعد المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في العودة إلى دولهم الأصلية. نوفر لهم خيارات مستدامة، لاسيما في ما يتعلق بالمسكن في حال لم يعد صالحاً للسكن، أو مرغوباً في العودة إليه لأسباب نفسية وأخرى تتعلق بنظرات الأهل والجيران لمن عاد دون تحقيق حلم الثراء، إضافة إلى إمكان التدريب المهني على حرفة، والحصول على قرض صغير لبدء مشروع ما يضمن حياة كريمة".

ويشدد بوك على مبدأ الطواعية مراراً وتكراراً، إذ إن "المنظمة لا تشارك في ممارسات الإكراه على العودة، وتضمن الموافقة الكاملة من خلال مقابلات شخصية مع مقدمي طلبات العودة".

العودة صعبة

العودة إلى الوطن بعد تجربة مريرة وقاسية ليست سهلة، فمن يفكر في ركوب مركب بدائي بعد بيع "ذهب" الوالدة أو الزوجة والاقتراض من الأهل والجيران والإبحار في عرض البحر أملاً في الوصول إلى الضفة المقابلة، حيث حلم الثراء ليجد حياة خالية من بدهيات الحاجات، يكون كمن هرب من النار إلى المقلاة. أغلب القصص وأبطالها متشابهة إلى درجة التطابق، ويقول دو بوك إن هؤلاء المهاجرين غالباً ذكور غير متعلمين، ودفعهم فقدان الأمل في حياة جيدة إلى الاقتداء بقصص نجاح سبقهم إليها غيرهم من جيران وأقارب من البلدة نفسها، خاضوا التجربة وعادوا أو أرسلوا أموالاً".

وبالرغم من أن المنظمة الدولية للهجرة لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها خطوة سلبية أو سيئة، إلا أنها يجب أن تكون مخططة ومدروسة، حتى تكون إيجابية للمهاجر وللدولة التي يهاجر إليها.

ويشير بوك إلى الأوضاع البائسة التي يكون عليها المهاجر غير الشرعي، إذ يصطدم بعدم القدرة على إرسال أموال إلى الأهل كما كان مخططاً، إضافة إلى ظروف الإقامة والعمل بالغة القسوة، مع الدخل الشحيح الذي لا يكفي متطلبات معيشته في تلك الظروف الصعبة.

ويوضح بوك أن مثل هذه الظروف تضاعفت واحتدمت مع ظهور وباء "كوفيد- 19" الذي فاقم المعاناة في ظل الإغلاقات والحظر، وصرف العمال في كثير من الأماكن. ويؤكد أنه خلال "الأشهر القليلة الماضية ومع تمدد الوباء، تفاقمت معاناة كثير من المهاجرين غير النظاميين، إذ وجدوا أنفسهم غير قادرين على العمل أو سداد الإيجار أو حتى إطعام أنفسهم أو العودة إلى بلدانهم، سواء لأسباب مادية أو لإغلاق المجال الجوي في عدد من الدول، وهناك من وجدوا أنفسهم في حاجة إلى مشورة قانونية تتعلق بإجراءات عودتهم، لتخوفهم من العقوبات التي قد يواجهونها سواء في دول المهجر أو الدولة الأم".

أعمال هامشية

ويشار إلى أن أغلب مجالات العمل التي يعمل فيها المهاجرون غير الشرعيين في دول مثل إيطاليا وألمانيا وسويسرا غير رسمية، ومن ثم تقطعت بهم السبل تماماً بعد أيام من ثبوت انتشار الوباء.

فئة أخرى من المهاجرين الذين كانوا ينتظرون دورهم على المركب المراد توجهه إلى شواطئ أوروبا وجدوا أنفسهم وقت انتشار الوباء بين دفتي رحى، فأوراقهم الرسمية لم تعد بحوزتهم بعد تسليمها لمسؤولي الهجرة، كما أنهم وجدوا أنفسهم مشردين في مكان الانتظار بعيداً من بيوتهم، وهو ما دفع بعضهم إلى الانتحار أو محاولة الإقدام عليه.

فشل العودة وتحطم حلم الثراء

المنظمة دعت المصريين الذين تقطعت بهم السبل في أوروبا والراغبين في العودة للتواصل معها عبر ممثليها في الدول التي هاجروا إليها، لمساعدتهم مادياً وقانونياً وإجرائياً على العودة، والتأكد من إعادة دمجهم اجتماعياً واقتصادياً في المجتمع. ونشاط المنظمة في هذا الشأن، والذي يتم عبر برنامج "المساعدة على العودة الطوعية وإعادة الدمج" ساعد في إعادة دمج آلاف المصريين منذ عام 2011، مع حدوث زيادة طارئة في الأشهر القليلة الماضية بسبب الوباء. ويشير بوك إلى أن أغلب العائدين إلى مصر، ويمثلون نحو 96،8 في المئة، يختارون بدء مشاريع صغيرة خاصة بهم، يساعدهم فيها البرنامج بعد تنمية مهاراتهم وتدريبهم ومساعدتهم في اختيار المشروع وإدراته بطريقة ناجحة.

وأضاف بوك أن هذه النجاحات الصغيرة للعائدين ذات آثار كبيرة وعميقة، إذ تخلصهم من وصمة "فشل" العودة و"إخفاق" تحقيق الثراء. ومثل هذه النجاحات بالغة الأهمية، إذ إنها تعيد الثقة للمهاجر العائدة طواعية، وتعيد ثقة مجتمعه فيه، لاسيما وأن العوامل الثقافية والأعراف والتقاليد تضعه في "خانة اليك"، لعدم قدرته على تحقيق حلم الثراء كما فعل ابن الخال وابن العم من قبله.

تتشابه القصص وتتعدد المساعدات

ورغم تشابه قصص الهجرة غير المشروعة والأحلام المرتبطة بها، والمخاوف اللصيقة من فشلها، إلا أن المنظمة الدولية للهجرة تقدم المساعدة الاجتماعية والتخصصية لإعادة الإدماج لكل حالة، ويتلقى مقدمو طلبات العودة الطوعية دعماً متخصصاً لمشاريع مدرّة للدخل ومستدامة، مع التدريب المهني والتجاري المتصلين بطبيعة السوق، ومعهما الدعم النفسي والاجتماعي، ما يضمن أكبر فرصة ممكنة للدمج الناجح. ويؤكد دو بوك على أن هذه الحزمة من المساعدات تعمل على التخفيف من حدة الأسباب الجذرية التي تتسبب في الهجرة غير النظامية، مع تحقيق الاستقرار في مجتمعات المهاجرين، من خلال المساعدة التي تعود بالفائدة على المستفيدين ومجتمعاتهم.

ويركز بوك على الجوانب النفسية والاجتماعية التي لها أهمية كبيرة في إعادة المهاجرين الراغبين في العودة، والذين قد يضطرون للكذب في ما يختص بتقويم تجربتهم في الخارج، وما تعرضوا له من ظروف حياتية غير آدمية، وتعرض بعضهم أحياناً للاستغلال أو العنف بأنواعه.

وهنا تبزغ فئة هي الأكثر حساسية وعرضة للأخطار والأهوال، وهي الأطفال المصريين الذين يدفعهم الأهل أو تدفعهم قصص نجاح "بعضها خيالي" في قراهم، لأطفال سبقوهم إلى أوروبا، وحققوا طفرة في حياتهم.

في هذا الجانب يقول دو بوك، إن الأطفال المصريين المهاجرين غير المصحوبين بذويهم، والذي يعبرون البحر المتوسط بحثاً عن حياة جديدة هم من أكثر الفئات عرضة للخطر، والتي تحاول المنظمة تقديم يد العون لهم. وتبذل المنظمة في مصر جهداً كبيراً بالتعاون مع الشركاء الحكوميين لضمان مصالح هؤلاء الأطفال، وعودتهم، وإعادة دمجهم مع أسرهم وفي مجتمعهم.

الدعم النفسي للأسر

كثيراً ما تكون الأسر نفسها في حاجة إلى الحصول على المشورة والدعم النفسيين لتقبل عودة الابن من دون تحقيق الحلم. وتعمل المنظمة بالتعاون مع الحكومة المصرية على تقديم حزم من الدعم والمساندة التي لا تتوقف عند حدود الدعم المادي المتبخر سريعاً، ولكن تشمل التعليم والرعاية الصحية مع ضمان الاستدامة. ويوضح بوك في هذا الجانب، أن "بعض هؤلاء الأطفال لا يهاجر تحت ضغط رغبة الأهل أو رغبته شخصياً، ولكن بفعل التهريب على أيدي عصابات متخصصة، وفي هذه الحال، تعمل المنظمة على ضمان عدم تكرار محاولات التهريب وتعريض الأرواح لخطر الظروف المعيشية أو الموت".

بحسب أرقام المنظمة الدولية للهجرة، فإن عام 2020 وحتى يوم 28 سبتمبر (أيلول) الحالي شهد 1861 حالة وفاة لمهاجرين، وأبرز أسباب موت المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط هي الغرق وقلة الطعام والشراب، وأسباب غير معروفة وإطلاق النار.

الهجرة غير المحسوبة

من جهة أخرى، أطلقت الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين في الخارج مبادرة للتوعية بأخطار الهجرة غير المشروعة، مع توفير بدائل آمنة، بعنوان، "مراكب النجاة"، وهي المبادرة التي كانت إحدى نتائج منتدى شباب العالم 2019 في مصر، والتي أصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قراراً ببدء العمل بها. وبعد أشهر من الإغلاق الجزئي وتباطؤ الفعاليات، تعود الحملة للنشاط من جديد، إذ يجول القائمون على الحملة أرجاء مصر، لاسيما في المحافظات الأكثر تصديراً للمهاجرين غير الشرعيين للتوعية وطرح البدائل.

مراكب النجاة

وقبل أيام، زارت وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج السفيرة نبيلة مكرم محافظة المنيا جنوب مصر، التي تحتل مكانة بارزة في أعداد المهجرين غير الشرعيين، لإطلاق المبادرة التي تلعب فيها الرائدات الريفيات دوراً كبيراً عبر طرق الأبواب، والحديث مع السيدات اللاتي يعتبرن حلقة مهمة في تشجيع الأبناء والأزواج على الهجرة غير المحسوبة أو إثنائهم عنها.

كما أطلق المطرب محمد فؤاد بالتعاون مع وزارة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج قبل أسابيع أغنية عنوانها "يا راسم حلم مش محسوب"، لتسليط الضوء وجذب انتباه الشباب والمراهقين والأطفال إلى الوجه الآخر لحلم الهجرة غير المشروعة. ومن كلماتها، "ايدينا ممدودة لايدك وهنفتح أبواب على الحياة. خليك على البر كفاية، واركب مراكب النجاة".

مراكب النجاة ليست فقط مبادرة أو أغنية، لكنها مد يد العون لإعادة من تقطعت بهم السبل، وبسط عقل وقلب وإمكانات الوقاية عبر تعليم جيد وفرص عمل تناسب السوق، مع توعية حقيقية، حيث علاج الأسباب خير وأبقى من تضميد الجراح لغرق الابن والدفع بابن آخر لعل الحلم يتحقق.