Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكويت ودروس الصمود في الحروب والأزمات

تتميز دبلوماسيتها بالتوازن والحياد والوساطة في ملفات الشرق الأوسط

طائرة كويتية حربية تغادر في مهمة عسكرية خلال فترة الغزو العراقي عام 1991 (غيتي)

تعتبر دولة الكويت صغيرة في حجمها مقارنة بجاراتها في الخليج، ولكنها من الدول المؤثرة بشكل كبير في النظام الدولي، ويعود تأثيرها لسياستها الخارجية الفعالة، فمنذ استقلالها عام 1961، وضعت التوازن والحياد والوساطة نصب عينيها في سياستها الخارجية. ويعد استقلالها من الأيام التي شكلت مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، وبالنظر إلى الأحداث الجسيمة التي مرت بها خاصة بعد الغزو العراقي فإن الأضرار والأخطار التي عصفت بها كانت مأساوية. مع هذا استطاعت أن تحافظ على تميزها وكيانها.

الكويت والدور الإقليمي في المنطقة

عُرفت الكويت بين دول الخليج، كما الحال مع سلطنة عُمان، بلعب دور الوسيط في المشكلات، وتبني المسار الدبلوماسي في التعاطي معها، ومحاولة التمايز عن الأدوار المتنافسة لبعض دول المنطقة، لكنها وجدت نفسها في أوقات كثيرة مضطرة إلى أن تتخذ مواقف مغايرة لدورها الوسيط هذا، خصوصاً في مواقفها من إيران عندما يتعلق الأمر بخلاف إيراني- سعودي، وهي بأي حال ملتزمة بالعمل في هذا الإطار، الذي ربما تأسس بمبادرة كويتية لتعزيز التعاون ومواجهة التحديات.

تجربة الكويت في الاحتلال العراقي لها والدور الدبلوماسي والعسكري لدول مجلس التعاون الخليجي في تحرير الكويت زاد من تمسكها بوحدة الصف الخليجي، إذ يعتبر استمرار هذه المنظومة هدفاً وخياراً استراتيجياً لها.

وقال أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، الذي رحل عن عالمنا اليوم الثلاثاء، "صعب علينا نحن الجيل الذين بنينا مجلس التعاون الخليجي قبل 37 عاماً، أن نرى بين أعضائه تلك الخلافات، التي قد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. شخصياً عايشت اللبنة الأولى لبناء هذا المجلس منذ نحو أربعة عقود، لذا ليس سهلاً على من هو مثلي عندما يكون حاكماً أن يقف صامتاً دون أن يفعل كل ما باستطاعته للتقريب بين الأشقاء، وهذا واجب لا أستطيع التخلي عنه".

 ودخلت الكويت وسيطاً بين مصر والسعودية عندما وقع بينهما خلاف في اليمن في ستينيات القرن الماضي، كما تدخلت بين اليمن الجنوبي وسلطنة عُمان حتى أنها توصلت إلى اتفاق بهذا الشأن وقعه الطرفان، وأيضاً لعبت دور الوساطة بين باكستان وبنغلاديش في سبعينيات القرن الماضي.

حروب على الكويت لكنها أشد على المعتدي

في سبتمبر (أيلول) من عام 1980، دخلت القوات العراقية الأراضي الإيرانية، وكانت السنة الأولى مزينة بانتصارات سهلة للقوات العراقية، لكن الأمور انقلبت ابتداء من السنة الثانية للحرب، فبعد أن كان العراق مهاجماً أصبح مدافعاً، وكلا القيادتين الإيرانية والعراقية أظهرت تجمداً للعواطف من ناحية عدم الاهتمام بالخسائر البشرية، وبعد أن قبل الطرفان بوقف الحرب في 8 أغسطس (آب) 1988 كانت إيران قد فقدت 730 ألف قتيل إضافة إلى 1.2 مليون جريح، فيما خسر العراق 340 ألف قتيل، وجرح من جيشه 700 ألف.

عندما بدأ صدام حسين الحرب كان لديه فائض من الأموال يعادل 60 مليار دولار، وكان لديه أقل من 200 ألف مقاتل و1600 دبابة و150 طائرة، وبعد انتهاء الحرب ارتفع عدد جنوده إلى نحو مليون، وزادت دباباته إلى 4 آلاف دبابة و450 طائرة، لكن الفائض تبدل ليصبح دين العراق 60 مليار دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 لذا يمكن اعتبار أن التخطيط لغزو الكويت قد بدأ في أغسطس (آب) 1988، أي مع نهاية الحرب العراقية – الإيرانية، إذ وجد نفسه أضعف أمام الكويت ودول الخليج والعالم نتيجة تدهور وضعه الاقتصادي، كما أن دول الخليج كانت أقل استجابة لمطالبه بعد توقف التهديد الإيراني. وكان يمكن أن تحل مشكلات العراق الاقتصادية بالتفاوض مع دول الخليج، لكن غطرسة صدام حسين أبت ذلك، فكان الغزو العراقي للكويت، لتبدأ السعودية في حشد إمكاناتها، ويبدأ الملك فهد في اتصالاته بالقوى الدولية، وقبلها العربية.

استقرت الكويت على مستوى السياسة الخارجية وشهدت ثباتاً وتطوراً كبيراً اتضحت ثماره في الثاني من أغسطس عام 1990، عندما وقف العالم أجمع مناصراً للحق الكويتي في وجه الغزو العراقي، ليستغرق إصلاح العلاقات بين البلدين 20 عاماً، ولم ترفع الأمم المتحدة العقوبات التي فرضتها على العراق عام 1990 إلا في 2010، بعد سبع سنوات من سقوط نظام صدام حسين.

علاقات الكويت وإيران والمنطقة

تبدو علاقة الكويت بإيران مختلفة عن باقي جيرانها الخليجيين منذ الثورة الإيرانية عام 1979، فبين اعتراف الكويت بالنظام الجديد في إيران بعد الثورة، كواحد من أهم المؤشرات السياسية في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، إلا أن هذا التقارب الظاهر لا يعني أن العلاقة بينهما تسير على وتيرة واحدة، إذ إن تفاصيلها وتاريخها يؤكد أنها ظلت تراوح ما بين التقارب والتباعد على خلفية التجاذبات بين البلدين، أو الخلاف حول مواقف وقضايا إقليمية، واختلاف موقف كل دولة منهما تجاه هذه القضايا.

 ظلت العلاقات الإيرانية - الكويتية تحتكم إلى العوامل الرئيسة المؤثرة في مسارها، ولكن منذ عام 2011 بدأت تشهد صعوداً وهبوطاً مستمراً، فأغرت الثورات العربية إيران بالسعي إلى زعزعة أمن واستقرار الكويت، طمعاً منها في تكوين نظام حكم تابع أو أكثر طواعية لها بسبب وجود أقلية شيعية في الأخيرة، يمكن التعويل عليها في تشكيل مستقبل النظام الجديد ليكون ولاؤه لطهران، وهو الأمر ذاته الذي حاولت فعله في البحرين، وكان سبباً في إثارة مخاوف الكويت.

وعام 2016 توترت العلاقات بينهما في أعقاب الاعتداء على سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية من قبل الجانب السعودي وبعض الدول الخليجية، وكان الموقف الكويتي مغايراً، أو أقل حدة، إذ استدعت الكويت السفير الإيراني، وقدمت له مذكرة احتجاج شديد اللهجة.

ارتبطت الحوادث الإرهابية الإيرانية في الكويت بحال التوتر في العلاقات بين البلدين، إثر الموقف الكويتي من الحرب العراقية – الإيرانية.

وتشير مواقف البلدين من التطورات في الخليج والمنطقة العربية إلى أنهما يسيران في اتجاهين مختلفين، لهذا لم يكن تدهور العلاقات مفاجئاً بعد هرب أعضاء إحدى خلايا التجسس، خلية العبدلي، بعد الإفراج عنهم على ذمة القضية، إذ قررت الكويت بعدها خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، من 19 إلى أربعة أشخاص.

ويعود أصل القضية إلى عام 2015، عندما أعلنت وزارة الداخلية "ضبط أعضاء في خلية إرهابية، ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة في منطقة العبدلي شمال العاصمة الكويت"، ووجهت النيابة العامة لأعضاء الخلية الـ 26 تهم التخابر مع إيران وحزب الله، وارتكاب أفعال من شأنها المساس بوحدة وسلامة أراضي دولة الكويت، وتمت الإشارة ضمنياً إلى ضلوع إيران في تشكيل خلية تجسس بالكويت.

منذ وقت باكر عرفت الدبلوماسية الكويتية مبدأ الحياد الإيجابي ولعب دور الوساطة في النزاعات، ففي عام 1914 توسط أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح في النزاع الذي نشب بين الدولة العثمانية وسلطان نجد، وانتهت الوساطة باستضافة الكويت مؤتمر "الصبيحية"، الذي أنهى النزاع وقرب وجهات النظر. وقد ورثت الأسرة الحاكمة هذا المبدأ السياسي الذي أصبح من ميزات السياسة الخارجية الكويتية.

وسمح هذا التوجه للبلاد بأن تحظى بعلاقات طيبة مع جيرانها ومع دول العالم، حتى أنها تصنف ضمن الدول التي لها دور بارز على المستوى الدولي في ما يتعلق بسياسة الحياد وتصفير المشكلات، بعدما حافظت على التوازن في سياستها وعدم الإقصاء واحترام تقرير مصير شعوب الدول المجاورة، إلى جانب قدرتها على حسم القضايا الخلافية وتقريب وجهات النظر، وقد يكون هذا مفهوماً بالنظر إلى أنها دولة صغيرة، والبديل هو تفادي الصدام ولعب دور إيجابي لرسم دور فاعل يحميها من أطماع الدول الأكبر ومن التقلبات الدولية.

الوقوف بوجه أطماع إيران

ويقول أستاذ الإعلام السياسي عبدالله العساف، "إن للكويت إسهاماتها المميزة على الساحتين العربية والخليجية في استقرار الأمن، فلا يغيب عنا دورها في عام 2011، حين أسهمت مع أشقائها الخليجيين في حماية البحرين من طريق قوات درع الجزيرة، كما كانت لها مواقف أخرى في وجه الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية، من خلال مساندتها حكومة العراق في حرب الثمانية أعوام لمواجهة المد الفارسي، وكان لها دور في مواجهة التهديدات الأمنية التي استجدت على الساحة الكويتية عقب أحداث الربيع العربي الذي ضرب المنطقة العربية.

 وأضاف العساف أن الحكومة الكويتية وضعت بتوجيهات من أمير البلاد ضمن خطتها الخمسية بنوداً وآليات تتعلق بمكافحة التطرف والإرهاب، ووقّعت على المعاهدة الأمنية الخليجية لمواجهة الجريمة والعمليات الإرهابية المنظمة. كما كانت لها أدوار تذكر في الوساطة العربية والخليجية لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر، فهي منذ استقلالها تعمل على دوائر في علاقتها الخارجية، تأتي الخليجية منها في المقام الأول، لتليها الدوائر العربية والدولية والإقليمية.

وأوضح أن الدائرة الخليجية هي الأقرب للكويتيين ومصالحهم القومية بحكم التقارب الثقافي والاجتماعي والعرقي والديني بين دول الخليج، واعتمدت منذ استقلالها عام 1961 على هذا الدائرة بشكل أساس في حماية مصالحها، وحظيت بعلاقات ثنائية قوية مع دول الخليج العربي حتى تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 الذي دعمته بقوة.

وأكد أن الكويت قدمت مبادرات عدة لدعم مسيرة التكامل في مجلس التعاون، إلى جانب دورها الفاعل في حل الخلافات التي قد تنشب بين أعضائه، وأحدثها الجهود التي قادها أمير الكويت الراحل لحل الأزمة الخليجية، وقدمت أيضاً اقتراح شبكة أمن غذائي على مستوى الخليج العربي، على غرار الربط الكهربائي، لتحقيق الأمن الغذائي على مستوى الخليج العربي، بحسب بيان وزارة التجارة الكويتية. كما استثمرت الكويت خبرتها الدبلوماسية في دعوة المجتمع الدولي للاضطلاع بمسؤولياته التاريخية في صيانة أمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية من العالم.

ستظل صامدة  

وذكر الأكاديمي السعودي محمد آل زلفة لــ "اندبندنت عربية"، أنه بالرغم من جسامة الأحداث التي مرت بها دولة الكويت، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على تميزها وكيانها، إضافة إلى صمود وصلابة الحكم المتمثل في أسرة آل الصباح، التي تمثل رمز وحدة الكويت، والتفاف الشعب بكل شرائحه حولها في وجه كل التحديات من الغزو العراقي إلى التحرير، ومن ثم تحرك التحالف الدولي لإسقاط نظام صدام حسين والتدخل الإيراني بشكل سافر في العراق، وما يمثل هذا من تهديد لأمن الكويت مع تنامي المد المذهبي الذي تتبناه إيران، وإصرارها على استقطاب كل شيعة المنطقة للعمل في مصلحتها بما فيهم شيعة الكويت. وبالرغم من كل هذا ظلت الكويت وستظل صامدة في مواجهة كل التحديات، وقوتها مستمدة من قوة شقيقاتها الخليجية.

 

المزيد من العالم العربي