Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا أعلنت تركيا دعمها المطلق لأذربيجان في صدامها المسلح مع أرمينيا؟

دعا رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان المجتمع الدولي إلى ضمان عدم قيام أنقرة بإقحام نفسها في الصراع

أعلنت أذربيجان أن القوات الأرمينية انتهكت وقف إطلاق النار (من مقطع فيديو لوزارة الدفاع الأذربيجانية)

وسط توتر متنام مع أرمينيا، أعلنت تركيا دعمها المطلق لأذربيجان في اشتباكاتها الحدودية مع أرمينيا حول الإقليم المتنازع عليه منذ عقود بين الجانبين، فيما يرى مراقبون أن أنقرة لعبت دوراً تجاوز دعمها التقليدي لباكو، وصولاً إلى صب الزيت على النار لإشعال فتيل الصراع الحالي المتجدد في منطقة القوقاز التي طالما اعتبرتها تركيا إحدى حدائقها الخلفية، وتحديداً في إحدى أهم دول "العالم التركي" وهي أذربيجان، الحليف التقليدي لأنقرة في مقابل عدوتها اللدودة أرمينيا حليفة روسيا، فيما يرى البعض أن كلاً من أرمينيا وأذربيجان يعملان حالياً كمخلبي قط لكل من روسيا وتركيا في صراع لتصفية حسابات تنتمى لأزمات خارج المنطقة الأوروآسيوية، وصولاً إلى شمال سوريا وشرق المتوسط وليبيا.

وفي وقت أعلنت فيه معظم أطراف المجتمع الدولي دعوة طرفي الصراع إلى ضبط النفس والتهدئة ووقف إطلاق النار بشكل عاجل لمنع مزيد من التصعيد، كان لافتاً انحياز تركيا الواضح لأذربيجان، وهو موقف كان متوقعاً من أنقرة التي تصف علاقاتها مع أذربيجان على أنها علاقة "شعب واحد ودولتين"، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أكد في يوليو (تموز) الماضي أن "تركيا لن تتردد أبداً في التصدي للهجوم على حقوق وأراضي أذربيجان"، كتب عبر تويتر بالأمس، "سيدعم الشعب التركي أشقاءنا في أذربيجان بكل الوسائل كما عهدنا"، منتقداً المجتمع الدولي لعدم "رده بما يكفي، وكما يجب" على ما وصفه بـ "العدوان" من جانب أرمينيا.

دعم تركي مطلق لأذربيجان 

ودعا رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان المجتمع الدولي إلى "ضمان عدم قيام تركيا بإقحام نفسها في الصراع" بين بلاده وأذربيجان في شأن إقليم ناغورني قره باغ، محذراً من أن سلوك تركيا ستكون له عواقب مدمرة على منطقة جنوب القوقاز والمناطق المحيطة. كما اتهم باشينيان أذربيجان بـ "إعلان الحرب" على شعبه، فيما حملت أنقرة يريفان مسؤولية تصعيد التوتر في جبال القوقاز وإشعال الصراع المستمر من دون حل لأكثر من ثلاثة عقود.

وقال المحلل السياسي التركي طه عودة إن الموقف التركي من الصراع المتجدد بين أرمينيا وأذربيجان واضح للغاية، "وهو الدعم المطلق لأذربيحان واستعدادها للوقوف إلى جانبها، وتجسد ذلك من خلال التصريحات الرسمية التركية التي دانت الاعتداء الأرميني الأخير على أذربيجان، وعبرت عن تأييدها لباكو في ظل هذه الظروف، إذ يأتي الدعم التركي في توقيت حساس، وبعد ثلاثة أشهر من توتر كبير بين البلدين، حيث يعود الصراع بين البلدين بفصل جديد، لكن هذه المرة مع دخول دول أخرى على خط الصراع الأذربيجاني – الأرميني بهدف استثماره كورقة ضغط على أطراف دولية أخرى.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشؤون الروسية عمرو الديب، إن تركيا ليس فقط لها موقف داعم لأذربيجان، ولكنه "محرّك" للأحداث التي تدور حالياً، إذ يأتي التصعيد الراهن بعد اشتباكات حدودية محدودة خلال الشهور الثلاثة الماضية، تزامنت مع مشاركة تركيا في مناورات عسكرية ضخمة في أذربيجان، وإبقائها على مجموعة من قواتها هناك، وسط دعم مؤكد بالسلاح وربما بالمقاتلين بحسب تقارير عدة.

وتابع الديب أن "أذربيجان واحدة من الدول الست المستقلة عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وتركيا يهمها جداً أن تظهر كدولة داعمة لأذربيجان باعتبارها دولة ناطقة بالتركية، وتضم شعباً ينتمي للقومية التركية، وفق مصطلح شعب واحد ودولتين، إذ تسعى أنقرة إلى ممارسة نفوذ كبير في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى وحتى حدود الصين، في منظمة الدول الناطقة بالتركية، وهي أحد المشاريع الجيوبولتيكية التركية البديلة لمشروع العثمانية الجديدة، أي مشروع الطورانية أو طوران الكبرى، وهذا المشروع هدفه مواجهة نفوذ روسيا وإيران في تلك المنطقة، وتسعى من خلال التصعيد الراهن إلى مواجهة الضغوط التي تتعرض لها في شرق المتوسط وليبيا وسوريا، ما جعلها تتجه لإثارة الصراع الموجود بالفعل منذ عشرات السنين في منطقة ناغورني قره باغ، وإثارة هذا النزاع ستضع موسكو في حرج شديد لأنها ترتبط بعلاقات قوية مع أذربيجان، لكنها في الوقت نفسه تتمتع بعلاقات استراتيجية مع أرمينيا، وعليها التزام قانوني تجاهها بالدفاع عنها كدولة عضو بمنظمة الأمن الجماعي، وتركيا تحاول أن تضع أمام موسكو خياراً واحداً، إما أذربيجان أو أرمينيا، وبالتالي فستختار أرمينيا، وستحاول تهدئة غضب أذربيجان من خلال إرضاء تركيا بتنازلات في شمال سوريا لتبتعد عن إثارة الصراع في آسيا الوسطى، وروسيا يهمها تهدئة تلك المنطقة، وعدم نقل ساحة الصراع من شرق المتوسط إلى مجالها الحيوي".

في يوليو الماضي، قصفت أرمينيا منطقة توفوز الأذرية قرب الحدود مع تركيا، وبالرغم من أن تلك المنطقة بعيدة عن الإقليم الجبلي المتنازع عليه، فإن رد فعل تركيا كان أقوى من الدعم اللفظي الذي عبرت عنه في كل مرة يتجدد فيها النزاع الحدودي المزمن بين الجارتين، ليشارك الجيش التركي في إجراء مناورات عسكرية شاملة في أذربيجان، تحت مسمى "النسر التركي الأذربيجاني 2020"، وذلك بعد أيام من اندلاع اشتباكات منطقة "توفوز" الحدودية، تبعتها زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى أذربيجان، وسط تقارير تفيد بسعي تركيا إلى امتلاك وجود عسكري دائم في أذربيجان. ولم تنفصل التحركات التركية عن نهج الخطابة الشعبوية الحادة التي اتبعها الرئيس التركي، الذي أكد وقتذاك أن "تركيا لن تتردد أبداً في التصدي للهجوم على حقوق وأراضي أذربيجان"، وستستمر في أداء واجب الدفاع عنها الذي بدأ به أجداده لعدة قرون في منطقة القوقاز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى مراقبون أن رد الفعل التركي المتشدد في ذلك الوقت ارتبط بسعي أنقرة إلى ردع أرمينيا عن تطوير هجومها المدفعي في "توفوز"، حيث تتجاوز بذلك مناطق الصراع التقليدي بين البلدين لتشمل مساحة جديدة حيوية بالنسبة للمصالح الاقتصادية لتركيا والقريبة من حدودها، إذ تمر منها خطوط أنابيب نقل النفط والغاز الأذري إلى تركيا، فيما يرى آخرون أن إعادة الصراع إلى ساحته الأصلية بعد شهر من هجوم توفوز يمثل إعادة توجيه لفوهات المدافع الأرمينية بعيداً من المصالح التركية.

الغاز في مصفوفة الصراع الجيوسياسي 

تضفي خطوط أنابيب الغاز والمنافسة التجارية القائمة بين شبكات الطرق وسكك الحديد والموانئ وحتى كابلات الألياف الضوئية، بعداً اقتصادياً على الصراع بين روسيا وتركيا في تلك المنطقة الحيوية التي تعمل كحلقة وصل برية بين آسيا وأوروبا، وفي غياب الدور المبادر والقيادي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل تسوية الصراع، تبدو الساحة مثالية لتصفية الحسابات بين موسكو وأنقرة وحلفاء كل منهما. 

وأوضح المحلل السياسي التركي أن الطاقة تعد محركاً أساسياً للعلاقات المتينة بين تركيا وأذربيجان، مشيراً في تصريحات خاصة بــ "اندبندنت عربية" إلى أن "تركيا تربطها علاقات سياسية واقتصادية مع أذربيجان، إذ تعتمد أنقرة عليها كمصدر رئيس للطاقة، وساعدها ذلك في خفض اعتمادها على روسيا في تلبية حاجاتها من الغاز إلى قرابة 42 في المئة، بعد أن كانت حتى عام 2015 تستورد 58 في المئة من روسيا، كما أن خط الغاز الممتد من أذربيجان إلى أوروبا والمار بتركيا يعطيها هامش مناورة كبير في المنطقة، وهو السبب في وقوف أنقرة الرسمي  بقوة مع أذربيجان، فضلاً عن الدور الكبير الذي تسعى إليه أنقرة في جنوب القوقاز، وتعاظم في السنوات الأخيرة مما أزعج بعض الدول مثل روسيا".

ويلفت تقرير المركز المعني بشؤون حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى أن الأراضي الأذرية تضم خطوط أنابيب النفط "باكو - تبيليسي – جيهان" و"باكو – سوبسا"، التي تنقل النفط الخام الأذربيجاني بشكل أساسي إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، فضلاً عن خط أنابيب الغاز الطبيعي في جنوب القوقاز، وهو عنصر أساسي في الممر الجنوبي للاتحاد الأوروبي والذي سيضخ قريباً الغاز الأذربيجاني إلى الاتحاد الأوروبي عبر جورجيا وتركيا، كما أن الطريق السريع بين أذربيجان وجورجيا، وهو جزء من ثاني أطول مشروع طريق في أوروبا، ويربط ساحل فرنسا بحدود قيرغيزستان والصين، وكذا خط سكة حديد كارس - تبليسي، يوفر ربطاً استراتيجياً مماثلاً، وتضاف إلى ذلك كابلات الألياف الضوئية التي تربط أوروبا بآسيا الوسطى وما وراءها.

هل تصطدم تركيا وروسيا مجدداً؟

تضم منظمة معاهدة الأمن الجماعي أرمينيا ودول سوفياتية سابقة أخرى مثل روسيا البيضاء وكازاخستان وقيرغيزستان، تحت هذه المظلة العسكرية الروسية، حيث يحق لأية دولة عضو تتعرض للعدوان أن تطلب مساعدة البلدان الأخرى، وعلى رأسها روسيا التي ترتبط بالتزام قانوني بالتدخل لدعم أرمينيا عسكرياً طبقا للمعاهدة.

وذكر أحدث تقرير صادر عن المجلس الأطلسي (مركز أبحاث مقره واشنطن)، حول التوتر الأرميني - الأذري، أن "قادة أرمينيا حاولوا مراراً الاستفادة من منظمة معاهدة الأمن الجماعي ضد أذربيجان، لكن لم يتمكنوا من القيام بذلك خلال اشتباكات عسكرية أكبر في أبريل (نيسان) 2016، لأن هذا الصراع وقع في الأراضي الأذربيجانية (بالقرب من ناغورني قره باغ). 

وفي ذلك الوقت، أوضح الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي آنذاك نيكولاي بورديوزا، أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي لا يمكنها مساعدة أرمينيا إلا إذا وقع هجوم على عمقها".

وفي وقت تعارض فيه روسيا الطرق التجارية وخطوط الطاقة المنافسة للغاز الروسي المتجه نحو الأسواق الأوروبية مروراً بأذربيجان، أكد التقرير الصادر عن المجلس الأطلسي أن هذه البنية التحتية ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، حيث روجت واشنطن لخطوط أنابيب النفط والغاز هذه مدة 25 عاماً لمساعدة حلفائها الأوروبيين على تقليل اعتمادهم على روسيا، مع تجنب إيران أيضاً، كما تمثل قناة لوجستية أميركية مهمة في أفغانستان، وتوفر بدائل لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وبينما تسعى موسكو إلى تعظيم تدفقات الطاقة والسلع والبيانات عبر شبكاتها الخاصة، تقوم طهران الداعم الثاني لأرمينيا بعد موسكو، بتوسيع ممرها التجاري إلى أرمينيا وغيرها من الدول السوفياتية السابقة وبلدان الاتحاد الأوروبي بفضل عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بقيادة موسكو واتفاق التجارة الحرة العميقة والشاملة مع الاتحاد الأوروبي.

ويرى الديب أن التنازلات التي تسعى تركيا إلى تحقيقها تتعلق بمزيد من الصمت الروسي عن سياستها في شمال سوريا، حيث أوقفت موسكو أخيراً دورياتها المشتركة مع الجيش التركي نتيجة استمرار معضلة إدلب، كما أن موسكو تسعى إلى منع تركيا من مواصلة دعمها العسكري للجيش الأذري، في وقت تسعى فيه أنقرة أيضاً إلى ممارسة مزيد من الضغوط على فرنسا المعروفة بعلاقاتها القوية جداً مع أرمينيا، وتأثير الجالية الأرمينية في القرار الفرنسي.

عدو عدوي صديقي

وقال المحلل السياسي التركي جواد غوك إن هناك عداء تاريخياً بين تركيا وأرمينيا يرجع إلى العام 1915، وحتى اليوم هناك نزاعات مستمرة، و"هناك ادعاءات أرمينية بأنه على تركيا أن تدفع غرامة أو تعويضات عن المجزرة المزعومة، وهناك مطالب أرمينية ببعض الأراضي والمدن التركية، وبعض الدبلوماسيين الأتراك قتلوا على يد بعض المنظمات الأرمينية في أوروبا خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، وأنقرة ترى أنها لن تغير موقفها من الأرمن طالما لن يوقفوا تلك المواقف العدائية تجاه تركيا".

وفي المقابل، قال غوك إن العلاقات بين تركيا وأذربيجان تاريخية ومتجذرة، لأن موقف تركيا الأخير يمثل السياسة التي اتخذتها الحكومات التركية السابقة كافة وحتى الآن، وأنقرة أعلنت دعمها للقضية من بدايتها، وأذربيجان من القوميات التركية، والأرمن احتلوا منطقة قره باغ والحكومة التركية منذ احتلال هذه المناطق أغلقت الحدود، والجيش التركي يدرب الجيش الأذري ويدعمه بالسلاح، نتيجة للمصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين وعلى رأسها أنابيب النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا.

وبغض النظر عن العداء التاريخي مع أرمينيا، يعتبر توسع النفوذ التركي في منطقة القوقاز هدفاً استراتيجياً للسياسة الخارجية التركية كما وصفها أحمد داود أوغلو رئيس وزراء تركيا سابقاً ووزير خارجيتها أيضاً، في كتابه "العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، حينما حلّل الضرورات التاريخية وعناصر الاستراتيجيات البرية والبحرية بالنسبة لتركيا في ما يتعلق بالمناطق البرية القريبة.

وقال المحلل السياسي الروسي أندريه أنتيكوف لـ "اندبندنت عربية" إن العلاقات بين تركيا وأرمينيا سيئة جداً منذ بداية القرن الماضي، وليس سراً أن تركيا قامت بالمجازر والإبادة الجماعية بحق سكان أرمينيا بدايات القرن الماضي، ولذلك تعتبر أرمينيا أن تركيا عدو تقليدي وتاريخي، أما بالنسبة للعلاقات بين تركيا وأذربيجان، "فهناك مقولة للرئيس الأذربيجاني السابق حيدر عليف والد الرئيس الحالي عندما قال إن هناك أمة واحدة في الدولتين، وأن الشعبين التركي والأذري هما الشعب نفسه، وهذا أمر صحيح، فأصول هذين الشعبين متشابهة للغاية وكذلك اللغة، والدعم التركي تقليدي وتاريخي ومتوقع، وهما حليفان استراتيجيان في المنطقة، ولا عجب من دعم تركيا لأذربيجان، فأنقرة تسعى لتقوية نفوذها في تلك المنطقة عن طريق التعاون مع الشعوب التركمانية في جميع أنحاء العالم". وأوضح أنتيكوف أن هذا التصعيد ليس الأول خلال هذا العام فقط، مشيراً إلى أن موسكو استطاعت تجاوز التصعيد في الماضي عبر الاتصالات بين البلدين.

من جانبه أكد المحلل السياسي الروسي رولاند بيجاموف في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، إن أذربيجان تمتعت بالدعم التركي منذ ما يزيد عن 100 عام عندما كانت جزءاً مما وراء القوقاز، فهي دولة شقيقة لتركيا، وهناك عنصر لغوي وقومي وديني مشترك بين الشعبين، والمنطقة المتنازع عليها مع أرمينيا حاولت الانفصال وفقاً لقانون الخروج من الاتحاد السوفياتي، لكن لم يعترف أحد بهذا الانفصال، وهناك خلاف محوري بين تركيا وأرمينيا بخصوص موضوع الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. 

وفي المقابل، اعتبر أن دعم روسيا لأرمينيا لا يعني جرها إلى نزاع عسكري في المنطقة المتنازع عليها، ولكنها ملتزمة بالدفاع عن حدود أرمينيا وفقاً لمعاهدة الأمن الجماعي، إذا شنت تركيا أو غيرها عدواناً شاملاً عليها، لكن موقف موسكو من النزاع الحدودي المستمر منذ عقود ينطلق من الحل السلمي بالمفاوضات. 

ساحة جديدة للمسيّرات التركية

استعرضت أنقرة تفوقها في صناعة الطائرات المسيرة خلال المعارك الأخيرة التي شارك فيها الجيش التركي شمال سوريا وخاصة معارك إدلب، وغرب ليبيا حيث المعارك التي استمرت لأشهر حول العاصمة طرابلس، وفي كل مرة كانت معدات الدفاع الجوي الروسية الصنع، إن لم تكن القوات الروسية مباشرة، هي هدف القصف المكثف لعشرات المسيّرات التركية، لكن تلك الطائرات التي توسعت تركيا في إنتاجها لتميزها في القتال ضد أعضاء حزب العمال الكردستاني في المناطق الجبلية جنوب شرقي البلاد، ستجد ساحة معركة شبيهة في المنطقة الجبلية المتنازع عليها، إذ أصبح الجيش الأذري مشترٍ رئيس للمسيّرات التركية.

وفي أول رد فعل ميداني من جانب باكو، أعلنت وزارة الدفاع الأذربيجانية أن القوات الأرمينية انتهكت وقف إطلاق النار. وقالت إنها أطلقت يوم الأحد "عملية مضادة لكبح أنشطة القتال الأرمينية وضمان سلامة السكان" باستخدام الدبابات والصواريخ المدفعية والطيران العسكري والطائرات المسيّرة.

إن دخول المسيرات التركية كنعصر أساسي في الصراع الحالي والمستقبلي حول الإقليم الانفصالي الأذري الواقع تحت سيطرة الأرمن، دفع أرمينيا إلى الحذر، فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأرمينية شوشان ستيبانيان، بعد أيام من الاشتباكات التي وقعت في يوليو الماضي، أن روسيا وأرمينيا بدأتا مناورات عسكرية مشتركة لاختبار فعالية أنظمة الدفاع الجوي، ولتعزيز قدراتهما في مجال الدفاع الجوي الإقليمي والتصدي للطائرات المسيّرة، مضيفًا أنه سيتم تطوير أساليب جديدة لمكافحة الطائرات المسيّرة خلال المناورات.

وقال الباحث في الشؤون التركية محمد عبدالقادر خليل، إن هناك روابط تاريخية وعسكرية وسياسية بين أذربيجان وتركيا تجعل أنقرة "الوطن الأم" لمنطقتين أساسيتين وهما شمال قبرص وأذربيجان، مشيراً إلى أن الدعم العسكري يشمل الطائرات من دون طيار، تركية الصنع، التي تستخدمها باكو حالياً، مؤكداً أن الدعم التسليحي يرتبط بدعم سياسي ودبلوماسي متعلق بطبيعة العداء التاريخي التركي – الأرميني، بخاصة في ما يتعلق بموضوع الإبادة، وطبيعة الخلافات التي يعمل خلالها اللوبي الأرميني في الولايات المتحدة للضغط لمواجهة بعض المصالح التركية مع واشنطن. 

وأوضح خليل أن تحركات تركيا تمثل مواجهة غير مباشرة مع روسيا من خلال الضغط على موسكو في مناطق نفوذها المباشرة، واعتبار تلك المناطق جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي التركي، ما يعني أن الانخراط العسكري التركي سيشمل إلى جانب التسليح، بخاصة المسيّرات التركية، إمكان نقل المقاتلين، لتضاف ساحة جديدة للمواجهة مع موسكو، "فهناك مواجهة هادئة نسبياً بين تركيا وروسيا في إدلب، وتوتر بين الجانبين في ليبيا، وصدام متفاقم بين أذربيجان وأرمينيا التي تعتمد على نمط تسليحي روسي بدرجة كبيرة، ومن ثم فإن أي تفاقم للصراع وتحوله إلى حرب شاملة، يمكن أن يتحول إلى صدام مباشر بين الأتراك والروس، لكن لعل هناك فرصاً لكي يلعب الأتراك والروس دوراً في التهدئة، وفقاً لتفاهمات خاصة، كما فعلوا في إدلب وليبيا لتجنب المواجهة المباشرة بين الجانبين".

المزيد من دوليات