Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب في قره باغ بين التركي المستفز والإيراني القلق

التفجير العسكري في منطقة القوقاز آخر ما ترغبه إيران في هذه المرحلة الدقيقة

لجأت تركيا إلى موقف تصعيدي بإعلانها الوقوف إلى جانب الحكومة الأذربيجانية (أ ب)

اشتعال المعارك في المناطق الحدودية التي تفصل إقليم ناغورنو قره باغ وجمهورية أذربيجان يأتي بعد مرور نحو 26 عاماً على توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا ووقف الأعمال القتالية بين الطرفين، في صراعهما على هذا الإقليم الذي أعلن استقلاله عن أذربيجان ولم يحصل سوى على اعتراف رسمي من أرمينيا، لجهة أن غالبية سكانه هم من الأرمن، مشكلاً بذلك حائلاً جغرافياً أمام التواصل الجغرافي بين غالبية الأراضي الأذربيجانية وإقليم نخجوان الواقع على الجهة الأخرى.

قد تكون العودة إلى التفجير العسكري في منطقة القوقاز آخر ما ترغبه إيران في هذه المرحلة الدقيقة وكثيرة التعقيد، حيث تتشعَّب المواجهات والمعارك السياسية والاستراتيجية التي تخوضها على أكثر من جبهة وجهة وصعيد، إن كان في معركتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، أو معركتها مع المحيط والجوار العربي وصراع النفوذ والأدوار والتحالفات المستجدة التي بدأت تحاصرها من الجهة التي كانت تعتبرها مؤجلة. 

وإن كان في معركة تثبيت وجودها وامتداداتها في الإقليم، خصوصاً على الساحة السورية ومحاولة الإمساك بالتطورات التي تشهدها الساحة اللبنانية بعد دخول اللاعب الفرنسي على خط أزمة هذا البلد الداخلية، فضلاً عن الصراع المفتوح الذي تخوضه مع حليفها "حزب الله" في مواجهة الضغوط الأميركية. 

التوتر مع تركيا

لعل أكثر ما لا تريده طهران في هذه المرحلة هو الانتقال إلى حالة من التوتر بينها وبين تركيا التي تعتبر صديقاً مهماً لها في الإقليم، وتتحمل جزءاً من الأعباء الاستراتيجية عن النظام الإيراني، وذلك في إطار بحث أنقرة عن دور ونفوذ إقليمي يضمن لها الوجود على خريطة الشرق الأوسط وغرب آسيا بعد انتهاء رسم معالم وحدود نفوذ اللاعبين والمؤثرين في هذه المنطقة. 

طهران سارعت لدعوة طرفي الأزمة في يريفان وباكو إلى التهدئة ووقف القتال والحوار. وأعلنت استعدادها للعب دور الوسيط في هذه الأزمة، في حين لجأت أنقرة إلى موقف تصعيدي بإعلانها الوقوف إلى جانب الحكومة الأذربيجانية في معركتها مع قره باغ ويريفان، وأرسلت مجموعات من المقاتلين السوريين إلى هذه المنطقة للقتال إلى جانب القوات الأذربيجانية في إطار الاستراتيجية التي تتبناها قيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالدفاع عن أبناء القومية التركية في كل الدول والمناطق، باعتبارها عمقاً استراتيجياً وديموغرافياً لتركيا، وإرثاً يجب الحفاظ عليه من تراث الإمبراطورية العثمانية التاريخي.

حسابات أنقرة

من غير المُستبعد أن تكون الاندفاعة التركية نحو إعلان الدعم لقرار الحكومة الأذربيجانية منطلقة من عدة اعتبارات تتعلق بالتعقيدات التي تواجهها أنقرة في إدارة الكثير والعديد من الملفات في منطقة الشرق الأوسط. فتركيا وجدت نفسها أمام تحد تقديم التنازلات في الملف الداخلي الليبي بعد الضغوط التي تعرضت لها من المجتمع الدولي بسبب دورها السلبي في استمرار هذه الأزمة وعرقلتها لكل مقترحات الحلول السياسية، وتمسكها بمحورية حكومة طرابلس المدعومة منها لتكريس الاتفاقيات التي عقدتها معها لإعادة ترسيم الحدود البحرية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. 

ويضاف إلى ذلك، أنها أجبرت على التراجع والتخفيف من حدة التوتر بينها وبين اليونان في النزاع حول مطالبها بإعادة رسم الحدود البحرية تحت ضغط أميركي وأوروبي والتلويح بإمكانية إدخال المنطقة في حرب عسكرية في وقت لم تستطع فرض نفسها لاعباً على الساحة اللبنانية التي عادت لتدخل في دائرة الاهتمام المباشر للادارة الفرنسية كمحطة مهمة في معركة استعادة باريس لدورها وموقعها في أحداث وتطورات الحوض الشرقي للبحر المتوسط. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، لم تجد أنقرة حليفاً حقيقياً لها في كل هذه المعارك والملفات المفتوحة على احتمالات التفجير، خصوصاً من قبل الصديقين الروسي والإيراني على الرغم من أهمية كل طرف من هذه الأطراف الثلاثة بالنسبة إلى الآخر في سياق الدفاع عن المصالح المشتركة الاقتصادية ومعركة امدادات الطاقة، خصوصاً أنابيب الغاز باتجاه أوروبا. فالإيراني لم يدخل في لعبة النزاع والميل لأي من الأطراف في الأزمة الليبية، في حين أن الجانب الروسي ذهب إلى مقاربة لا تتفق مع الطموحات التركية بترجيح العلاقة مع قيادة المشير خليفة حفتر والاقتراب من الرؤية المصرية في التعامل مع هذه الأزمة. 

أما فيما يتعلق بأزمة الحوض الشرقي للبحر المتوسط، فطهران وجدت نفسها غير معنية مباشرة في النزاعات التركية، بل هي أكثر ميلاً للحفاظ على علاقاتها مع الدول الأوروبية في إطار معركتها على الاتفاق النووي وحاجتها للدعم الأوروبي في التصدي للضغوط الأميركية. في حين أن موسكو كانت أكثر قرباً من الموقف الأوروبي على حساب الموقف التركي، ما يعني أن الطرفين الإيراني والروسي غير قلقين على منظومة المصالح التي تربطهما مع أنقرة لجهة أن الحاجة في هذه المصالح متبادلة بالمستوى نفسه. 

لعل الخطوة التي قد تكون الدافع وراء تفجير الهدوء الهش على الحدود الأذربيجانية مع قره باغ، هي الشعور التركي باحتمال وجود تفاهم بين الطرفين الروسي والإيراني في الأزمة السورية بعيداً عن أنقرة، خصوصاً أن المباحثات المباشرة التي أجراها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو قبل أيام جاءت على أساس محورين أساسيين، هما التفاهمات الاستراتيجية بين الطرفين والأزمة السورية من دون إسقاط البحث في الملف الأفغاني على ضوء المساعي الأميركية للانسحاب من هذا البلد والدفع باتجاه تفعيل اتفاق سياسي وعسكري وأمني بين حكومة كابول وحركة طالبان، وضمناً التعريج على الأزمة اللبنانية وآفاق الانفتاح الفرنسي على الساحتين اللبنانية والعراقية التي تشكل مناطق نفوذ حيوية للنظام الإيراني. 

الأوساط الإيرانية والإقليمية المعنية بالأزمة السورية بدأت تتحدث عن إمكانية الانتقال إلى خطوات عملية لحسم مسألة عودة سيطرة حكومة دمشق على كامل الأراضي السورية تمهيداً لفرض متغير جديد يفتح الطريق للانتقال إلى حل سياسي، وهذا يعني بالنسبة إلى الجانب التركي، أنه في مواجهة استحقاق الانسحاب من محافظة إدلب والتخلي عن الانتشار العسكري الذي فرضه على طول الحدود المشتركة مع سوريا، مستفيداً من الفراغات العسكرية والأمنية والسياسية التي استغلها على مدى السنوات الماضية. وفي حال أجبرت أنقرة على التنازل أمام التفاهم الروسي الإيراني في شمال وشرق سوريا، فإن ذلك يؤسس لإخراجها من المعادلة الإقليمية، أو أن تكون شريكاً في تقاسم الحصص الإقليمية في حال ذهبت الأمور إلى حلول لأزمات المنطقة. 

خيارا طهران

التحرك التركي باتجاه قره باغ قد يكون مفهوماً في سياق الخطوات الجيو استراتيجية التي تسمح لها في تفجير مناطق نفوذ ودوائر حيوية لخصومها أو منافسيها لتخفيف الضغوط والخسائر في دوائر أخرى. وبالتالي، توظيف أي إنجاز في هذه الدائرة الجديدة لتحسين شروطها في الدوائر المتوترة الأخرى. من هنا يأتي القلق الإيراني الذي يتوزع بين استقطابين خطيرين. الأول يدخل في إطار الحفاظ على الحليف الأرمني وما له من موقع متقدم في دائرة المصالح الإيرانية، وهو الحليف الذي شكل رأس الحربة الإيرانية في منطقة القوقاز بعيداً عن البُعد الأيديولوجي أو العقائدي انطلاقاً من كونه يقوم على التحالف مع طرف يتناقض كلياً مع الطرف الأذربيجاني من الناحية العقائدية والمذهبية، التي تميز المجتمع الأذري الذي يؤمن بالمذهب الشيعي كعقيدة دينية تنسجم مع البُعد الأيديولوجي للنظام الإيراني. والثاني، يأتي من إمكانية توظيف أنقرة أي موقف مباشر وعلني بدعم يريفان من قبل طهران في إطار استثارة القومية الأذرية في إيران التي تعتبر القومية الثانية في التركيبة الاجتماعية الإيرانية بعد القومية الفارسية. 

وعلى الرغم من إمكانية أن تلجأ طهران لاستنفار قدراتها العسكرية وحشد مزيد من القوات في إقليم أذربيجان الإيراني، بما فيها قيادة "عاشوراء" في حرس الثورة استعداداً لمواجهة أي تطور أمني قد تستغله بعض الأطراف تحت غطاء التضامن مع "الأشقاء" قومياً في جمهورية أذربيجان، إلا أن أوساطاً إيرانية ترجح عدم دخول البلاد في هذا المنحى، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية المُتردية والصعبة التي يُعانيها المجتمع الإيراني بكل مكوناته القومية والعرقية والدينية والمذهبية، التي جعلت كل الأطراف تركز اهتماماتها على إحداث تغيير داخلي يُعيد ترتيب أمورها ويخرجها من الأزمات التي تُعانيها في ظل الآثار السلبية المتفاقمة للعقوبات الاقتصادية وفشل الحكومة في إدارة هذه الأزمة. وبالتالي، قد تكون طهران مجبرة على تبني خيار المبادرة إلى تدوير الزوايا بين طرفي الصراع والعمل على الوساطة بينهما لحل الأزمة وإمكانية إقناع الجانب التركي بإقفال ملف الصراع بينه وبين الجانب الأرمني وعقدة المجازر بحق الأرمن بداية القرن الماضي، بما يسمح بالتأسيس لسلام دائم بين الطرفين وتفكيك مناطق التوتر في منطقة القوقاز. 

المزيد من تحلیل