Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين تتعهد تصفير انبعاثاتها الكربونية فما معنى ذلك في معركة المناخ؟

قد يكون وعد الرئيس شي لحظة حاسمة في أزمة البيئة العالمية

تتصدر الصين قائمة ملوثي الهواء بالكربون، فهل تستطيع خفض انبعاثات ذلك الغاز إلى الصفر؟ (أ ب)

أمام لوحة كبيرة تصور سور الصين العظيم، أحد أكثر المآثر إثارة للإعجاب في الصين، فاجأ الرئيس شي جين بينغ الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء بتعهد طموح.

إذ أبلغ القادة في الاجتماع السنوي للأمم المتحدة، الذي عُقِد افتراضياً بسبب جائحة فيروس كورونا، أن بلاده "تستهدف بلوغ ذروة انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون قبل 2030، وتحقيق حياد كربوني قبل 2060".

وأضاف، "لم يعد في مقدور البشرية أن تتحمل تجاهل التحذيرات المتكررة الصادرة عن الطبيعة".

وقد يكون وعده لحظة حاسمة في أزمة المناخ العالمية، إذ إنها المرة الأولى التي تتعهد فيها الصين، أكبر مصدر لانبعاثات الكربون عالمياً، التوقف عن زيادة الاحتباس الحراري المتفاقم، الذي يدفع الكوكب نحو كارثة لا رجعة فيها.

وفي ذلك الصدد، ذكر جيري براون حاكم كاليفورنيا السابق، رئيس "معهد كاليفورنيا والصين للمناخ"، في حديث إلى"اندبندنت"، أنه "من المهم للغاية أن يضع زعيم أكبر دولة في العالم وأكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حداً لعصر النفط والفحم والغاز. وهذا مَعْلَم على الدول الأخرى أن تنظر فيه، وأن تحاول ألا تكتفي بمحاكاته بل تتجاوزه".

وكذلك بدت تصريحات شي، محسوبة في شكل خاص بعد دقائق من خطاب الرئيس ترمب الذي انتقد فيه السجل البيئي للصين، ودعا الأمم المتحدة إلى "محاسبتها" على تفشي "كوفيد-19".

واستطراداً، زعم السيد ترمب أن الولايات المتحدة خفضت انبعاثات الكربون بنسبة تفوق كل الدول الأخرى الموقعة على "اتفاق باريس للمناخ". (وجدت مؤسسة "المتتبع لإجراءات المناخ"، التي تعمل عبر تحليل علمي مستقل يتابع الجهود الحكومية في شأن اتفاقية باريس، أن إجراءات الولايات المتحدة "غير كافية في شكل حاسم" عندما يتعلق الأمر بخفض الانبعاثات).

 في ذلك الصدد، لم تحدد الولايات المتحدة مستوىً مستهدفاً لخفض الانبعاثات، وذلك على غرار غيرها من الدول الملوثة الكبرى الأخرى، كالهند وروسيا وإيران والسعودية والبرازيل وأستراليا. ومن المقرر أن ينسحب السيد ترمب، الذي وصف تغير المناخ بأنه "خدعة"، من "اتفاق باريس" إذا فاز بولاية ثانية في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

 في السياق نفسه، انضمت الصين إلى ما أصبح مجموعه الآن 30 دولة قدمت تعهدات متفاوتة في مجال الحياد الكربوني، الذي يعني عدم إطلاق أي كربون إضافي في الغلاف الجوي. وإجمالاً، تمثل الانبعاثات الآتية من تلك الدول حوالي 43 في المئة من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون عالمياً التي تنجم عن حرق الوقود الأحفوري.

كذلك نسج تعهد شي في شأن الكربون بعض الدعاية الإيجابية للصين في وقت يتزايد فيه الغضب الدولي منها، بسبب التقييد الشديد للحقوق المدنية في هونغ كونغ، في أعقاب صدور قانون الأمن القومي الشامل في بكين حول المدينة شبه المستقلة، والاتهامات الواسعة النطاق بشأن الاحتجاز الجماعي والإبادة الجماعية الثقافية للمسلمين في منطقة "شينجيانغ".

وفي الماضي، كانت الصين تؤكد أنها، باعتبارها اقتصاداً نامياً، يجب ألا تكون متمسكة بالتزامات الخفض نفسها التي تعهدت بها الدول المتقدمة، كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول الأوروبية، التي أدى تلويثها الواسع الانتشار على مدار عقود من الزمن، إلى ارتفاع درجات حرارة العالم في القرن العشرين.

في المقابل، تتزايد أيضاً الضغوط الدولية على الصين التي تعهدت بموجب "اتفاق باريس 2016" بأن تبلغ انبعاثاتها الملوثة ذروتها في 2030. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حض قادة الاتحاد الأوروبي الذي يلتزم بتحقيق الحياد الكربوني مع حلول 2050، الصين أيضاً على استهداف الحياد الكربوني في 2060 أو مواجهة تعرفات كربونية عقابية.

وفي منحى متصل، رحب محللون بحذر بالأنباء التي تفيد بأن مستويات الانبعاثات في الصين قد تتجه الآن إلى الانخفاض قبل انتهاء عقد من الزمن. ولم يقدم شي أي تفاصيل الثلاثاء الماضي حول كيفية تحقيق الأهداف.

وكذلك وصف لي شو، كبير مسؤولي سياسات المناخ والطاقة "منظمة السلام الأخضر" ("غرينبيس" Green Peace) في شرق آسيا، إعلان الرئيس شي بأنه يضخ "قوة دفع تشتد الحاجة إليها في السياسات المناخية العالمية".

في المقابل، أضاف السيد لي، "سيحتاج تعهد شي إلى دعم بمزيد من التفاصيل وتنفيذ ملموس. فإلى أي مدى يمكن للصين أن تسرع بلوغ انبعاثاتها ذروتها؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحياد الكربوني والتوسع المستمر في استخدام الفحم في الصين؟ إنها أسئلة صعبة تتطلب رداً أفضل من بكين. لكن، التزام شي الجديد سيساعد بالتأكيد في إحداث تغيير أثناء سنة كانت صعبة بالنسبة إلى البيئة، كما يشكل بداية جولة متجددة من الجهود العالمية المبذولة في مجال المناخ".

وضمن صورة واسعة، سيكون للطريقة التي تقرر بها الصين في نهاية المطاف مكافحة أزمة المناخ تأثير عالمي.

إذ أطلقت البلاد ما يعادل 10 مليارات طن من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي سنة 2018، وفق "مشروع الكربون العالمي"Global Carbon Project، الذي يتابع الانبعاثات في أنحاء العالم كله. وهذا يساوي ضعفي ما أطلقته الولايات المتحدة تقريباً وثلاثة أضعاف ما أطلقه الاتحاد الأوروبي.

وفي مسار متصل، تحرق الصين حوالي نصف الفحم المستخدم في العالم. وبين عامي 2000 و2018، ارتفعت انبعاثاتها الكربونية حوالي ثلاثة أضعاف، وباتت تساوي ثلث إجمالي انبعاثات العالم تقريباً.

واستطراداً، تشير صور الأقمار الصناعية وتقارير وسائل الإعلام إلى أن محطات جديدة لتوليد الطاقة بالفحم قيد الإنشاء، بطاقة إجمالية تبلغ 148 غيغاوات، أي ما يعادل تقريباً كامل طاقة الفحم في الاتحاد الأوروبي، وفق تلك المنظمة غير الربحية التي تراقب مسارات الطاقة العالمية.

وفي الشأن نفسه، أشارت "بلومبرغ" إلى أن البلاد واجهت أيضاً مشكلة التباطؤ اقتصادياً، إذ فوتت هدفاً حديثاً يتصل بالنمو الاقتصادي في وقت سابق من هذا العام، وجعلت الحفاظ على الطاقة آخر الأولويات.

وعلى الجانب الآخر، تعتبر الصين أيضاً السوق الرائدة للألواح الشمسية وتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية، وتُصَنع حوالي ثلثي الخلايا الشمسية التي تثبت في أنحاء العالم كله. وتعد أكبر جهة ممولة للبنية التحتية للطاقة على الصعيد العالمي.

وفي تعليق متصل بتلك المعطيات، صرح ريتشارد بلاك، مدير منظمة "وحدة معلومات الطاقة والمناخ" غير الربحية لـ"اندبندنت" أن الصين تستطيع أن تحقق تعهدات شي من خلال تسريع كثير مما تنهض به فعلياً، بمعنى زيادة إنتاج المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح والألواح الشمسية ومعدل بناء المفاعلات النووية (ومن المرجح أن تثير هذه الأخيرة نقاشاً دولياً حول السلامة). كذلك توقع بلاك بدء تشغيل محطات الشحن للمركبات الكهربائية وتوسيع شبكة القطارات في أنحاء البلاد كلها.

وأضاف، "أعتقدُ أننا سنشهد أيضاً استثمارات مثيرة للاهتمام في تصنيع الصلب. ثمة تطور في صنع الصلب باستخدام أساليب كربونية صفرية في أوروبا، لكن أن تفعل الصين ذلك فسيشكل الأمر تغييراً محورياً مطلقاً. ولا يصح الأمر على الصلب وحده، بل يشمل كذلك الألومنيوم والإسمنت والصناعات الثقيلة كلها".

وفي نفس مشابه، ذكر براون، الحاكم السابق لولاية كاليفورنيا، أن تحقيق أهداف شي المعلنة يتطلب خطوات "يأتي في طليعتها التخلص من الفحم في أقرب وقت ممكن".

وكذلك ردد براون الموقف المتعلق بزيادة إنتاج المركبات الكهربائية، مشيراً إلى أن الصين تنهض بإنتاج تلك المركبات، لذا "من الأفضل أن تستيقظ أوروبا، لاسيما ألمانيا، وكذلك الولايات المتحدة".

وأضاف، "بهدف فعل ما يحتاج إليه العالم، سيسرع شي إنتاج السيارات الكهربائية والهيدروجينية. وحالما يفعل ذلك، يجب على أوروبا وأميركا أن تستجيبا على مستوى مساو أو أكبر. وفي هذه اللحظة لا يبدو ذلك محتملاً".

وفي نفس مماثل، لاحظ أستاذ الإدارة في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" جون سترمان، الذي يضع نماذج عن خفض الانبعاثات والتعهدات ويتابعها بواسطة "التفاعلية المناخية"، في حديث أدلى به إلى وكالة "أسوشيتد برس"، أنه إذا حققت الصين الأهداف الطموحة حقاً، يضحي ممكناً منع زيادة الارتفاع في حرارة الكوكب بما يتراوح بين 0.4 و0.7 درجة فهرنهايت (= 0.2 و0.4 درجة مئوية)، وفق "تقديرات تقريبية جداً".

وكذلك أشار الأستاذ سترمان إلى أنه كان متحمساً في شكل خاص للجهود الرامية إلى بلوغ ذروة انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون قبل 2030، بدلاً من النهوض بذلك في 2030. وأفاد أيضاً أن هذا الغاز يبقى في الغلاف الجوي أكثر من قرن، ومن ثم يكون خفض الانبعاثات في وقت مبكر أشد فاعلية من الوعد بفعله في المستقبل.

وأضاف الأستاذ، "الانبعاثات التي لا تحدث من الآن حتى 2030 ستقلل من الاحترار أكثر بكثير من تخفيضات الانبعاثات نفسها بعد 2060".

ومن ناحية، تقدم هذه التعهدات بصيصاً من الأمل للمجتمع الدولي المعني بالمناخ، فيما تعمل الصين أيضاً على الاستفادة محلياً من خلال خفض الانبعاثات. إذ تخوض الصين معركة مستمرة مع سوء نوعية الهواء في عدد من المناطق الحضرية الكبيرة، بينما تتعرض المناطق الساحلية المكتظة بالسكان والهشة بيئياً في شكل خاص، إلى ارتفاع منسوب مياه البحر ودرجات الحرارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 في ذلك الإطار، تسببت فيضانات نهر "يانغتسي" هذا العام في مقتل مئات الأشخاص وتشريد الملايين في وسط الصين، وجنوب غربيها، مع عرقلة الجهود الرامية إلى تحريك الاقتصاد في أعقاب الإغلاق بسبب "كوفيد- 19".

وبصورة عامة، ثمة أمل في أن يولد خطاب شي زخماً قبل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعن، بعدما تأخر موعده بسبب هذه الجائحة. ويأتي ذلك أيضاً بعد عدد من الأعوام المليئة بالأهداف المناخية، التي لم تتحقق والآثار المدمرة المتزايدة المتأتية من تغير المناخ، بما في ذلك حرائق الغابات المتزايدة، وموجات الحر القائظ، والأعاصير المدارية الأكثر حدة، والرياح الموسمية، والأعاصير، وحالات الجفاف.

وفي منحىً متصل بتلك المعطيات، أشار السيد بلاك إلى أنه "إذا خرجت الصين باستراتيجية ملموسة وبعيدة الأجل أمام المجتمع الدولي، سيكون ذلك أمراً هائلاً يزيد الثقة في العملية الدولية، التي لم تكن في أعلى مستوياتها خلال السنوات القليلة الماضية.

وخلص إلى ملاحظة أن "الأهم من ذلك يتمثل ربما في أن مجرد القوة الاقتصادية للصين من شأنها أن تغير سلوك الأسواق الاقتصادية والمستثمرين. وإذا اقتنعت الأسواق والمستثمرين بأن الصين تسير في هذا الاتجاه، فسيغير ذلك عملية اتخاذ القرارات، فيحصل ابتعاد عن الوقود الأحفوري واتجاه نحو التكنولوجيا النظيفة".

وفي مسار موازٍ، أعرب براون، الحاكم الديمقراطي السابق لولاية كاليفورنيا  عن تفاؤله مضيفاً، أن تعهد شي يتحدى الدول الأخرى أن تجد طريقة لتعزيز معالجة أزمة المناخ.

ولخص الأمر في أنه يعتقد "بأنها خطوة إيجابية وإذا كانت مصحوبة بانتخاب جو بايدن، فإن أميركا ستعاود الانضمام إلى "اتفاق باريس" وستبدأ الدول تكتشف في شكل أسرع طريقة خفض (الانبعاثات) وفق أرقام دقيقة.

وكذلك يتمثل جمال هدف شي، في أنه يضع الأرقام على الطاولة، ويدعو الآخرين إلى التحرك بصورة أسرع بكثير وأبعد بكثير. وينبغي أن تأتي التحركات التالية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي".

تقارير إضافية من الوكالات

© The Independent

المزيد من بيئة وجيولوجيا