Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاولة ترمب كتابة تاريخ "أبيض" لبلاده

يصف الرئيس التفسير الدقيق لمجريات الماضي بـ "الدعاية السامة،" لأنه لا يعتقد أن الغاية من تسجيله ودراسته هي قول الحقيقة

كتابة تاريخ البيض والسود صار مدار نزاع في الحملة الانتخابية الأميركية (غيتي)

سجل ابني هذا العام في دورة دراسية متقدمة على الإنترنت في التاريخ الأميركي، ويستخدم أحدث إصدار من ذلك الكتاب المدرسي القديم The American Pageant. ويفترض أنه تم تحديث الدورة الدراسية إلى هذه اللحظة. لكن حتماً، يقول ابني، لا تزال تهيمن عليها بصورة يائسة نزعة المركزية الأوروبية والدفاع عن أوروبا، ولا تقدم سوى تغطية هزيلة لتاريخ السكان الأصليين، تشمل إضافة حول قبائل "الإيراكوي" Iroquois، والتي من الواضح أنها جاءتهم فقط كفكرة متأخرة. ويلقي الكتاب باللوم على المرض في الوفيات الجماعية للسكان الأصليين. ولا يشرح أن كولومبوس أطلق كلابه على الأطفال وقطع أيدي السكان الأصليين الذين لم يزودوه بالذهب، واستعبد واغتصب السكان العزل، أي أن الكتاب يتجاهل كل المعلومات التي تثير التساؤل حول ادعائه بأن "هذا التراجع السكاني لم يكن بالتأكيد هو قصد الإسبان".

ليس مفاجئاً مثل هذا التبييض للعنف الأوروبي، والتهميش لتاريخ السكان الأصليين. فعندما كنت في المدرسة، لم نُزود بمعلومات حول فظائع كولومبوس، ولقد قرأت عنها للمرة لأول في كتاب جيمس لوين الصادر عام 1995 بعنوان "أكاذيب أخبرني بها معلمي"، وهي عبارة عن دراسة لكتب التاريخ الأميركية، وتوضح كيف تتبنى هذه الكتب بشكل منهجي منظور البيض وتدافع عن أولئك الذين في السلطة.

واعتقد لوين، كما قد نتوقع، أن إخفاء عنف البيض والإبادة الجماعية كان سيئاً. ومع ذلك، يبدو أن دونالد ترمب يعتقد أن هذا هو ما على التاريخ الأميركي التزامه، ففي خطاب ألقاه (قبل أيام)، شن هجوماً آخر على مشروع 1619، وهو عبارة عن مجموعة مقالات في نيويورك تايمز قامت بتحريرها نيكول هانا جونز، وتضع تجربة السود مع العبودية والعنف في صلب تاريخ الولايات المتحدة.

في ملاحظاته التي أعدّها سلفاً، أعلن ترمب أن "النظرية العرقية النقدية ومشروع 1619 والحملة ضد التاريخ الأميركي هي دعاية سامة، وسمّ أيديولوجي إذا لم يُعالج فسيفكك الروابط المدنية التي تربطنا ببعضنا بعض". وقال في خطابه إن "هناك حركة متطرفة تحاول هدم هذا الإرث الثمين والقيم، ولا يمكننا السماح بحدوث ذلك." وهدد بقطع التمويل الفيدرالي عن المدارس التي تدرس مشروع 1619، أو التي تفشل في تطعيم مناهجها بقدر كاف من الوطنية.

تحمل كلمات ترمب معاني بليغة، وتجدر الإشارة إلى أن بعض النقاد شككوا بنية صادقة في أجزاء من التحليل الذي قدمه مشروع 1619. ولا شك في أن الدستور الأميركي كان وثيقة عنصرية تهدف لإدامة اضطهاد السود، لكن إلى أي حد يمكن القول إن الهدف من خوض الثورة الأميركية هو بالتحديد الحفاظ على العبودية؟ ترتبط تلك المسألة بالتفسير، ويمكن أن يختلف حولها العقلاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع ذلك، لا يختلف ترمب حول الحقائق أو حتى التفسيرات، بل يجادل بأن مشروع 1619 يشكل خطراً لأنه "دعاية سامة"، ولأنه "سيفكك أواصر المواطنة التي تربطنا ببعضنا". وبالنسبة لترمب، نحن لا ندرس التاريخ لقول الحقيقة، أو مساعدة الطلاب على فهم البلد بشكل أفضل، ولكن ندرس التاريخ لتحقيق غاية القوميين في الوحدة [رص الصفوف] والترابط [اللحمة الاجتماعية].

وهذه الوحدة هي نوع خاص جداً، وهي بالتحديد وحدة مبنية على الإقصاء، وفي نهاية المطاف على الانقسام. لذا فإنه بالنسبة لترمب، يمثل مشروع 1619 تهديداً لأنه يُصور السود كأبطال في التاريخ الأميركي.

وإذا كانت أميركا تمثل جميع من فيها من البشر، يجب أن تكون قصة مقاومة السود ونضالهم وانتصارهم أحياناً مورداً للجميع، ويجب أن يستلهم الجميع في الولايات المتحدة من التعطش الشديد للحرية الذي كان لدى هارييت توبمان أو جون براون أو مارتن لوثر كينغ.

لكن بالنسبة لترمب وأنصاره، يبدو أحياناً أن السود ليسوا أميركيين حقيقيين، وهذا ما أوضحه ترمب عندما دعا عدداً من النائبات الملونات في الكونغرس بـ "العودة" إلى البلدان "التي أتين منها،" على الرغم أنهن جميعاً بالطبع مواطنات أميركيات. لقد بدا وكأنه يقول ضمنياً إن أميركا ليست سوى للأشخاص البيض، المؤسسين وأصحاب العبيد وترمب نفسه، وأن الهدف من التاريخ ليس قول حقيقة المسائل، بل لطمأنة البيض بشأن فضائلهم وتبرير تفوقهم.

لقد فعلت كتب التاريخ الأميركية ذلك بشكل مخجل، وبحماسة تافهة في كثير من الأحيان. وبينما كان محو جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها كولومبوس ضد الإنسانية أمراً بشعاً، كان أمراً معهوداً أيضاً. في هذا الصدد، يشير لوين في كتابه "أكاذيب أخبرني بها معلمي" إلى أن معظم الكتب المدرسية والدورات التعليمية لا تشرح كيف أن العنف الإرهابي الأبيض وضع حداً للحركة التي كانت تطالب بالمساواة العرقية بعد الحرب الأهلية، ولم يتعلم معظم الطلاب أبداً أن مشكلة العنصرية في أميركا قد انحسرت بعض الشيء في ستينيات وسبعينيات القرن الـ 19 مع حصول السود على حقوق التصويت، ثم بعد ذلك ساءت الأمور كثيراً بعد أن سحبت منهم تلك الحقوق في معظم أنحاء البلاد. لذا فإن التركيز على البيض والتضامن معهم جعلنا غير مستعدين لظهور العنصرية من جديد، وتراجع خطوات التقدم في عهد ترمب. لم تتم إفادتنا بأن هذا قد حدث من قبل.

إن تدريس التاريخ من منظور السود أو السكان الأصليين أو غيرهم من المهمشين قد يثير غضب الطلاب إزاء الظلم، ويجعلهم يرغبون في تغيير العالم، وهذا بالضبط هو ما لا يريده ترمب.

وفي تاريخ البيض، يموت السكان الأصليون من دون أن يتحمل المسؤولية أي شخص، وتقدم العبودية على أنها مجرد عثرة في وجه تقدمنا ​​الحقيقي نحو الحرية. إنه تاريخ بلا صراع ومن دون إمكان للتغيير، ولأننا ندرس هذا النوع من التاريخ، يشعر كثير من الطلاب بالملل من كتبهم المدرسية التي لا يرون فيها أنفسهم ولا أي قضايا ذات صلة بهم اليوم. نحن بحاجة إلى مشروع 1619 في مدارسنا تحديداً لتفكيك روابط المواطنة تلك التي تعني بالنسبة لترمب الطاعة الكاملة لسلطة البيض.

© The Independent

المزيد من آراء