Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنقل السعودية "دبلوماسية النفط" إلى سوق الغاز؟

مع بداية 2020 أعلن عن اكتشافات ضخمة مما يسهم هذا الدخول الثقيل في تنظيم القطاع

وزارة الطاقة لديها طموح كبير بإحلال الغاز في إنتاج الكهرباء بالسعودية (واس)

تلعب السعودية تاريخياً دوراً مهماً في تنظيم سوق النفط، وقيادة جهود خفض الإنتاج، وتمثل ذلك في الاتفاق الأخير في "أوبك +" عندما أسهمت دبلوماسية في توقيع هذا الاتفاق بمشاركة دول لم يسبق لها المشاركة في جهود الخفض مثل الولايات المتحدة الأميركية.

مع بداية 2020 أعلنت السعودية عن اكتشافات ضخمة في قطاع الغاز، فهل يسهم هذا في الدخول إلى القطاع وتنظيمه، كما هي الحال في سوق النفط؟ يرى مختصون أن دخول السعودية لسوق الغاز سيغير الخريطة الجيوإستراتيجية المتعلقة بأسواق الغاز عالمياً، ويحمل ذلك بعداً سياسياً بالإضافة إلى البعد الاقتصادي في ظل المنافسة الشرسة في هذا المجال.

وقال المختص في مجال النفط والغاز المهندس عايض آل سويدان في حديثة لـ"اندبندنت عربية"، في حال دخلت المملكة سوق الغاز العالمي "تصدير" فسوف يكون ذلك داعماً للأسواق العالمية، وسوف يسهم في سد الطلب المتزايد على الغاز.

وأضاف "أن سياسة المملكة الخارجية في صناعة الطاقة بشكل عام هي الوصول لمنطقة تلاق بين المنتجين والمستوردين، والمحافظة على استقرار الأسواق، إلا أن المملكة وخصوصاً وزارة الطاقة لديها طموح كبير بإحلال الغاز في إنتاج الكهرباء، والابتعاد عن استخدام النفط، وتبلغ حالياً نسبة استخدام الغاز لتوليد الكهرباء 50 في المئة، وتضاف له مصادر الطاقة النظيفة. لذلك لن يكون بعيداً دخول المملكة العربية السعودية سوق الغاز وفرض كلمتها كما هي الحال في سوق النفط.

 وأضاف أن برامج  السعودية، في الاستغلال الأمثل للموارد الكربونية من زيت أو غاز سواء كانت هذه الموارد تقليدية، أو غير تقليدية. وجاء تصريح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بأن البلاد سوف تدخل مجال تصدير الغاز، ولم يأت من فراغ.

وأضاف "أن المملكة تمتلك سادس أكبر احتياطي عالمي من الغاز في العالم وتنتج نحو 13 مليار قدم مكعب يومياً، كما أنها تتربع على عرش أكبر مصدر للنفط في العالم. لذلك تعتبر من الدول القلائل حول العالم التي تملك أهم مصدرين للطاقة التقليدية بكميات تجارية، وتصلح للاستخدام المحلي والتصدير".

قيادة سوق النفط 

يحمل التاريخ كثيراً من الشواهد على دور المملكة في قطاع الطاقة، منذ تأسيس منظمة "أوبك" قبل أكثر من ستين عاماً، وإلى اليوم تسعى لاستقرار أسواق النفط، وتلعب دور المنتج المرجح، بمعنى أنها هي التي كانت تتحمل أعباء الحفاظ على استقرار هذا السوق.

 فبعد توقف الإنتاج الإيراني عام 1979، اختلت أسواق النفط العالمية، ورفعت إنتاجها من 8,5 ملايين برميل يومياً إلى 10,5 ملايين برميل، وتراجع الرقم تدريجياً بعد عودة الإنتاج الإيراني للأسواق العالمية.

وكان سوء إدارة "أوبك" من 1982-1985، وجشع الدول الأعضاء الذين عملوا على إبقاء أسعار النفط عالية، أدى إلى انخفاض أسعار النفط بشكل كبير، وسبب ذلك تدمير الطلب على النفط، واتجه العالم نحو الترشيد في الطاقة، وانخفضت أسعار النفط من 35 دولاراً في 1981 إلى 31 دولاراً، وفي 1982 واصلت الهبوط إلى 29 دولاراً حتى عام 1983، واستمرت لتصل إلى 28 دولاراً في 1984، وأخيراً إلى 26 دولاراً في 1985، قبل أن تنهار في عام 1986، وتصل إلى 14 دولاراً مجدداً، كما كانت عليه في عام 1978.
وخلال هذه الفترة حاولت السعودية إقناع أعضاء "أوبك" بضرورة خفض الأسعار، وأن هذا لن يفيد في المدى البعيد، ولكن من دون جدوى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حاولت "أوبك" خلال هذه الفترة فرض نظام الحصص على دولها، ولكن من دون فائدة، إذ لم يرغب أحد في التزام الإنتاج بأي حصة، ما تسبب في تدهور الوضع. ولعبت السعودية دور المنتج المرجح في محاولة يائسة لرفع الأسعار وجعلت كل دول "أوبك" تنتج كل ما تقدر عليه، للوصول إلى سقف الإنتاج حينها ثم تقوم هي بإكمال النقص. وبسبب دور المنتج المرجح الذي لعبته السعودية انخفض إنتاجها اليومي إلى مليوني برميل في منتصف عام 1986.

بعدها بدأت في الدفاع عن حصتها في السوق أمام باقي المنتجين في "أوبك" والتخلي عن دور المنتج المرجح، وبدأت الأمور تتغير، وقدمت تخفيضات كبرى على نفطها، ورفعت الإنتاج بصورة كبيرة لإغراق السوق واستعادة حصتها، وبدأت جميع دول أوبك بتقليدها وتقديم تخفيضات، أدى ذلك إلى هبوط أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات، بعدها عادت "أوبك" إلى طاولة الحوار والاتفاق على أنها يجب أن تحمي سعر 18 دولاراً، واتفق الجميع في ديسمبر عام 1986، على أنه يجب عليهم تقليص الإنتاج مجدداً للدفاع عن هذا السعر وخفضه من 17 مليون برميل يومياً إلى 15.8 مليون برميل.  وجددت السعودية مفاوضاتها الدبلوماسية حين تراجعت أسعار النفط لما دون   10 دولارات سنة 1997، و1998.

وفي 2019 مع حدة الهجمات على مرافق النفط في بقيق وخريص، تم الحفاظ على توازن السوق واستدامة الأسعار، فقد عملت السعودية على استمرار الإمدادات واستقرار الاقتصاد العالمي بعيداً عن تقلبات الأسعار.

وأثرت جائحة كورونا على أسعار النفط بسبب تقلص الحاجة العالمية للنفط، وهذا أدى بدوره إلى انخفاض الأسعار فأرادت المملكة مواجهة انخفاض الأسعار فكان اجتماع "أوبك +" لمناقشة خفض أكبر للإنتاج لإعادة توازن السوق، ومواجهة هذه الأزمة، فرفضت روسيا أي زيادة، وأعلنت عودة إنتاجها   ما أغضب السعودية التي رأت أنه تصرف غير مسؤول، وفاجأت السعودية الجميع برفع إنتاجها إلى 12.3 مليون برميل يومياً. وقدمت تخفيضات كبيرة بما يصل إلى 8 دولارات للبرميل.
وصرح وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان بقوله "نحن في سوق حرة وكل منتج للنفط يحتاج لاستعراض تنافسيته والحفاظ على حصته السوقية وتعزيزها"، فكان رده واثقاً قوياً لوزير الطاقة الروسي، الذي استوعب الصدمة وسارع بالدعوة لعقد اجتماع "أوبك+" في مايو (أيار) الماضي.

هذا وقد أكدت أوبك من طريق الأمين العام للمنظمة محمد باركيندو، الدور الكبير الذي تقوم به المملكة في دعم "أوبك" على مدى 60 عاماً هي عمر المنظمة، وقال الأمين العام للمنظمة "إن جهود التعاون بين دول "أوبك" ونظرائها غير الأعضاء في المنظمة على حد سواء تعززت على نحو كبير بفضل الدور الكبير الذي تقوم به السعودية في دعم "أوبك"". 

اكتشافات الغاز

بحسب بيانات منظمة "أوبك"، تمتلك البلاد سادس أكبر احتياطي عالمي من الغاز في العالم، يقدر بنحو 324.4 تريليون قدم مكعب، وتنتج نحو 13 مليار قدم يومياً، وتعتزم استغلال احتياطاتها من الغاز الصخري، وتوسيع إنتاجها الذي يتجاوز 10 مليارات قدم مكعب من الغاز يومياً.

يعد حقل الجافور الذي سيجعل المملكة في المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج الغاز عام 2030 من أكبر حقول الغاز غير المصاحب وغير التقليدي، ويبلغ طوله 170 كيلومتراً وعرضه 100 كليو متر، ويقدر حجم موارد الغاز في مكمنه 200 تريليون قدم مكعب، من الغاز الرطب الذي يحتوي على سوائل الغاز في الصناعات البتروكيماوية والمكثفات ذات القيمة العالية، وبسبب خاصية الحقل سيكون قادراً على إنتاج نحو 130 ألف برميل يومياً من الإيثان تمثل نحو 40 في المئة من الإنتاج الحالي، ونحو 500 ألف برميل يومياً من سوائل الغاز والمكثفات اللازمة للصناعات البتروكيماوية تمثل نحو 34 في المئة من الإنتاج الحالي. وسيحقق تطوير الحقل طوال 22 عاماً من بداية تطويره دخلاً صافياً للحكومة بنحو 8.6 مليار دولار سنوياً، أو 32 مليار ريال. يرفد الناتج المحلي الإجمالي بما يقدر بـ20 مليار دولار (75 مليار ريال) سنوياً.

واكتشفت السعودية حقلين جديدين للزيت والغاز في الأجزاء الشمالية من البلاد وهما، حقل "هضبة الحجرة" للغاز في منطقة الجوف، وحقل "أبرق التلول" للزيت والغاز في منطقة الحدود الشمالية، تمتد على مساحة 440 كيلومتراً مربعاً غرب مدينة طريف لتصبح مركز قطاع التعدين في المملكة.

وتأتي تلك الخطوة الإستراتيجية بعد أن اتخذت صناعة الغاز السعودية بنوعيها التقليدي وغير التقليدي، منحنى تطورياً متسارعاً في مسار صاعد من الاكتفاء الذاتي إلى التصدير المباشر، والاستثمار في مصادره الخارجية بشراكات عالمية.

وتمضي السعودية قدماً لتحقيق شراكات إستراتيجية، تمكنها من تلبية الطلب العالمي المتزايد على الغاز الطبيعي، وتهدف السعودية إلى تصدير ما يصل إلى 3 مليارات قدم مكعب من الغاز يومياً بحلول عام 2030، كجزء من إستراتيجيتها لتعزيز البصمة الدولية لأعمالها في مجال الغاز الطبيعي.

الدول المصدرة للغاز

رفعت السعودية إنتاجها من الغاز الطبيعي بنسبة 47 في المئة آخر عشرة أعوام. وجاءت في المركز التاسع عالمياً من حيث إنتاج الغاز الطبيعي بنحو 112. تمثل 2.9 في المئة من الإنتاج العالمي في العام ذاته البالغ نحو 3.87 تريليون متر مكعب، و4.1 في المئة من إنتاج أكبر عشر دول منتجة للغاز. 

وبحسب صحيفة الاقتصادية السعودية تصدرت القائمة الولايات المتحدة الأميركية بـ831.8 مليار متر مكعب بحصة 21.5 في المئة من الإنتاج العالمي في عام 2018، تلتها روسيا بإنتاج حجمه 669.5 مليار متر مكعب، يشكل 17.3 في المئة من الإنتاج العالمي.

ثالثاً إيران 239.5 مليار متر مكعب تمثل 6.2 في المئة من الإنتاج العالمي. رابعاً كندا 184.7 مليار متر مكعب تمثل 6.2 في المئة من الإنتاج العالمي.

في المرتبة الخامسة قطر بـ175.5 مليار متر مكعب، تشكل 4.5 في المئة  من الإنتاج العالمي، وسادساً الصين بـ161.5 مليار متر مكعب تمثل4.2 في المئة من الإنتاج العالمي.

سابعاً أستراليا بـ130.1 مليار متر مكعب تمثل 3.4 في المئة من الإنتاج    العالمي، ثم ثامناً النرويج بـ120.6 مليار متر مكعب تمثل 3.1 في المئة من الإنتاج العالمي.

في المركز التاسع السعودية، وعاشراً الجزائر بـ92.3 مليار متر مكعب تمثل 2.4 في المئة من الإنتاج العالمي.

 وقال عضو مجلس إدارة الجمعية المالية السعودية فضل بو العينين "إن الاكتشافات الجديدة على الرغم من ضخامتها إلا أنها لا تمثل إلا جزءاً مما تختزنه الأراضي السعودية وبحارها من حقول غاز متنوعة، وبالتالي فإن مكانة المملكة ستتعزز على خارطة الدول المنتجة للغاز، وأحسب أن تلك الخارطة ستتغير بشكل دراماتيكي خلال الخمس سنوات القادمة.

وأضاف "أعتقد أن هناك اكتشافات مهمة قادمة في قطاع الغاز، وأحسب أن السعودية لديها الإمكانات التي تؤهلها للعب دور أكبر في قطاع الغاز، قد لا يكون مماثلاً لدورها في قطاع النفط، غير أن الأكيد أنها ستكون من الدول المؤثرة في جانبي الإنتاج والاحتياطيات، وهذا يجعلها أكثر قدرة على الإسهام في تنظيم سوق الغاز مستقبلاً، وهناك جانب مهم وهو أن تركيز المملكة اليوم هو على تلبية الطلب المحلي وتنفيذ إستراتيجية تحويل محطات الطاقة إلى الغاز بدلاً من النفط، وهذا هدف إستراتيجي له الأولوية القصوى.

المزيد من البترول والغاز