Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اليوم العالمي لـ"ألزهايمر" تذكرة للعالم بأن الخرف ليس وصمة

ملايين المرضى يعيشون حاملين عبئه بحاجة إلى الدعم والمعرفة لا سيما حين تكون المزحة والتجهيل والتهوين رفيقة الرحلة

بعض الثقافات لا تزال تصم مرضى "ألزهايمر" بالفضيحة والعار (أ ف ب)

"ألزهايمر" من أكثر الكلمات استخداماً على سبيل التفكه تارة، ووصف مصاعب الحياة تارة أخرى، والتعبير عن صعوبات التركيز والتذكر لدى الجميع دائماً. "ألزهايمر" يحمل عبء الوصمة في ثقافات تعتبره عاراً أو فضيحة، وينوء بالتجاهل بين ملايين أخرى معتبرة إياه والعدم سواء. فهو سمة لا بد منها في التقدم بالعمر ولا مجال لاعتباره مرضاً وكفانا تهويلاً، أو لأنه، حتى في حال وجوده، فالتعامل معه رفاهية وتخصيص الموارد له رغد لا قِبل للغالبية به.

ليس مزحة

 "ألزهايمر" ليس مزحة أو وصمة أو خرافة. لكن يبدو أن كلمة "خرف" العلمية طبياً، والمبهمة شعبياً، سببت الكثير من التعقيدات وأدت إلى كمّ معتبر من التداخلات والتشابكات التي تسهم في إلحاق الضرر بما لا يقل عن 50 مليون شخص يعيشون معنا وبيننا مصابين بألزهايمر. هذا الرقم المليوني مرشح ليصل إلى 152 مليون شخص مع حلول عام 2050، بحسب المسح العالمي السنوي لعام 2019، الذي تشرف عليه "منظمة مرض ألزهايمر العالمية".

وحيث إن 21 سبتمبر (أيلول) من كل عام هو اليوم العالمي لألزهايمر، فإنه يجدر التوضيح بأن الخرف ليس بالضرورة ألزهايمر، وأن الخرف ليس "النطق بكلمات وجمل وأفكار خربة"، وأن الخرف ليس سبة، لكنه متلازمة تصيب شخصاً من الأحباب والأهل والأقارب والأصدقاء كل ثلاث ثوانٍ في كل بقعة من المعمورة، بغض النظر عن اللون والجنس والدين والعرق.

متلازمة مزمنة

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الخرف متلازمة تتخذ عادة طابعاً مزمناً أو تدريجياً يتسم بتدهور في الوظيفة المعرفية أي القدرة على التفكير، بوتيرة تتجاوز وتيرة التدهور المتوقّعة في مرحلة الشيخوخة العادية. هذا التدهور ينال من الذاكرة والتفكير والقدرة على التوجّه والفهم والحساب والتعلّم والحديث وتقدير الأمور، ورغم ذلك، فهو لا يطال الوعي. وكثيراً ما يكون تدهور الوظيفة المعرفية مصحوباً أو مسبوقاً بتدهور في القدرة على ضبط العاطفة أو السلوك الاجتماعي. ويحدث الخرف بسبب أمراض وإصابات مختلفة تلحق بالدماغ مثل مرض ألزهايمر.

مرض ألزهامير هو أكثر أشكال الخرف شيوعاً مشكلاً بين 60 إلى 70 في المئة من كل الحالات. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أعراض الخرف تختلف بناء على السبب، لكن يمكن تجميع العلامات والأعراض الشائعة في تغيرات تحدث في الذاكرة والقدرات العقلية والتغيرات النفسية أو الانفعالية للشخص. فمثلاً هناك فقدان الذاكرة والنسيان، وتذكر الأحداث القديمة بسهولة أكثر من الحديثة، ومواجهة صعوبات في حل المشكلات البسيطة أو التفكير المنطقي أو متابعة المحادثات والبرامج التلفزيونية والتواصل أو إيجاد الكلمات المناسبة والتخطيط والتنظيم أو إنجاز المهام المحددة.

أما التغيرات النفسية فتشمل الشعور بالقلق أو الاكتئاب أو الغضب بسبب فقدان الذاكرة أو الشعور بالارتباك حتى في حال الوجود في بيئة مألوفة، والإتيان بسلوك غير لائق، والشعور بعدم المبالاة أو عدم الاهتمام بمشاعر الآخرين.

 

 

العلاج غير وارد

وإذا كان الحديث عن معالجة الخرف أمراً غير وارد نظراً لعدم توافر علاجات ناجعة له، فإن الحلول البديلة كثيرة ومعروفة، وإن ظلت حكراً على دول دون أخرى لأسباب اقتصادية وثقافية. ويتلخص الحديث في هذا الصدد عن تقديم الدعم والمساندة لكل من المريض ومقدمي الرعاية له، سواء كانوا من الأسرة أو غيرها.  كما أن العيادات والأقسام المتخصصة في علاج المسنين تتوافر فيها علاجات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى علاجات أخرى لتحسين الذاكرة والحفاظ على الأنشطة العقلية لفترات أطول.

وفي يومه العالمي تدور الأنشطة الاحتفائية حول تأكيد معلومة أن ألزهامير هو شكل من أشكال عدة للخرف، وأنه يمكن أن يصاب الشخص الواحد بعدد من أشكال الخرف. وتجدر الإشارة إلى أن نصف مرضى الأخير يعيشون في دول منخفضة ومتوسطة الدخل حيث الرعاية الصحية عموماً والموجهة لأمراض كبار السن خصوصاً ليست على ما يرام.

معلومات شائعة

وحتى تكون الأمور المعلوماتية على ما يرام، فإن المسح العالمي الذي أجرته "منظمة مرض ألزهايمر العالمية" (2019)، الذي اعتمد على استطلاع آراء ومعلومات 70 ألف مبحوث في 155 دولة حول العالم، فإن اثنين بين كل ثلاثة أشخاص يعتقدون أن الخرف تطور طبيعي يحدث مع التقدم في العمر؛ وواحد بين كل أربعة أشخاص يعتقد أنه ليس في الإمكان عمل أي شيء للوقاية من الخرف أو تقليل آثاره؛ كما أن 95 في المئة من الأشخاص قالوا إن أعراض الخرف قد تظهر عليهم في مرحلة ما من حياتهم. ورغم أن 91 في المئة قالوا إنه ليس هناك سبب يجعل من يصاب بالخرف ينكر إصابته، إلا أن واقع الحال يشير إلى العكس.

وصمة وعار

في دار خاصة لرعاية المسنين في حي مصر الجديدة (شرق القاهرة) عدد من المقيمين والمقيمات مصابون بأشكال مختلفة من الخرف، أغلبها ألزهايمر. تقول مديرة الدار نرمين الفوال، إن غالبية أبناء وبنات مرضى ألزهايمر من المقيمين في الدار يشعرون بدرجات متفاوتة من الخزي لطبيعة مرض آبائهم وأمهاتهم. أضافت، "هم لا يعبرون عن ذلك صراحة، لكنه يبدو واضحاً في مواقف عدة. فمثلاً منهم من يستنكر زيارة الأهل لأبيه في العيد لأنه (الأب) سيجعل من نفسه أضحوكة. ومنهم من يعتقد أن معرفة أهل زوجته بطبيعة مرض والده ستكون ذلة يعايرونه بها، وهكذا. قليلون جداً هم من يدركون أن إصابة ذويهم بألزهايمر ليست مدعاة للخجل أو العار. صحيح أن هذه النوعية من الأمراض تصيب أهل المريض بالقلق والحسرة، لكن هذه المشاعر طبيعية وتكون نابعة من حبهم لذويهم الذين عاصروهم في سنوات قوتهم وصحتهم".

وإذا كان هذا هو الحال في دار رعاية مسنين تتقاضى عن المقيم الواحد نحو ثمانية آلاف جنيه (500 دولار) في الشهر غير شاملة الرعاية الطبية الخاصة، فإن المسنين الذين يقيمون وحدهم أو مع أبنائهم وبناتهم وينتمون لفئات اقتصادية متواضعة يعانون عدم الاعتراف من الأصل بطيبعة مرضهم.

غياب الأعداد

"ليس هناك تقدير واضح لأعداد المصابين بألزهايمر في منطقة الشرق الأوسط، لكننا نرجح أن تكون الأعداد والنسب مقاربة لتلك السائدة في الدول المتقدمة. فغالبية دول المنطقة لا تجري إحصاء لأعداد المصابين بأمراض الشيخوخة، ولا توجد مجموعات عمل تعني بهذه الفئة وتدرج مهمة الإحصاء ضمن عملها" حسبما يؤكد متخصص طب المسنين في لبنان عبد الرزاق أبياد في ورقته المنشورة في "جورنال ساينس ميد سنترال"، المتخصصة في البحوث الطبية تحت عنوان "ألزهايمر في الشرق الأوسط" (2014).

ويشير أبياد إلى الارتفاع الحادث في أعداد المسنين في الشرق الأوسط، وأن تقارير منظمة الصحة العالمية عن أمراض الخرف ترجح أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة تقدر نسبتها بـ125 في المئة مع قدوم عام 2050 لمن بلغوا سن الـ60 ويعانون ألزهايمر.

ظالم ومظلوم

وبينما العالم يتذكر في هذا اليوم مرضى ألزهايمر ويحاول المهتمون والمتخصصون جاهدين مصرين على لفت أنظار الكوكب إلى هذا المرض الظالم والمظلوم. ظالم لأنه يضع من يصيبه في خانة مطموسة المعالم تعتريها الوصمة ويكتنفها الغموض، ومظلوم لأنه مرض لا يحظى بما تحظى به الأمراض به اهتمام ورعاية سواء من قبل الأنظمة الصحية للدول أو العيادات أو مقدمي الرعاية بوجه عام. منظمة الصحة العالمية أعلنت "الخرف" في عام 2008 "أولوية صحية عمومية" عبر "برنامج العمل لرأب الفجوة في الصحة العقلية".

ويحذر أبياد في بحثه العلمي من مغبة غياب المعلومات والمعرفة حول مرض ألزهايمر في منطقة الشرق الأوسط، هذه المنطقة الفتية إلى حد كبير، لا سيما أنه مرض منهك ويتوقع له الزيادة والانتشار بمرور السنوات.

وينبه أبياد إلى أن مقولة، ألزهايمر يطرق الباب دون سابق إنذار أو مؤشرات ليست صحيحة. ربما يعتقد البعض ذلك في الدول العربية بسبب نقص الدراسات والإحصاءات، لكن الأمارات المنذرة بالإصابة بألزهايمر تتمثل على سبيل المثال في ارتفاع نسب الإصابة بالسكتات القلبية وأمراض القلب في دولة كمصر حيث تتوافر مثل هذه الإحصاءات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شرق المتوسط وقبول الخرف

أحد أهم الإحصاءات الإيجابية التي يخبرنا به التقرير الدولي الذي أجرته "منظمة مرض ألزهايمر الدولية" العام الماضي يشير إلى أن أعلى نسبة قبول بين الناس لأن ينتقل للعيش معهم أحد أفراد الأسرة المسنين ممن أصيبوا بالخرف هي منطقة شرق المتوسط.

النسبة التي تخطت 70 في المئة من المبحوثين تسلط الضوء على الجوانب الثقافية والاجتماعية التي ما زالت مهيمنة عربياً، حيث رعاية الأكبر سناً ما زالت مسؤولية الأسرة، وهي  سلاح ذو حدين، أحدهما رحيم عطوف حيث التلاحم الأسري وبر الصغار بالكبار، والآخر يلغي أو يقلل من شأن الرعاية الصحية لمرض ومريض وليس لمسن يعيش وسط الأهل. وإذا أضيف إلى ذلك اعتبار الغالبية العظمى من حكومات المنطقة العربية "رعاية كبار السن مسؤولية أسرهم" تكون الأزمة مضاعفة في حالات الإصابة بألزهايمر.

المعضلات لا تأتي فرادى

ولأن المعضلات لا تأتي فرادى، فإن مرضى ألزهايمر ومن يقدمون لهم الرعاية يواجهون معاناة أعمق ومشكلات أكبر في كنف كورونا. "منظمة مرض ألزهايمر الدولية" دقت ناقوس الفزع قبل أسابيع حين أعلنت أن وباء كوفيد-19 يؤدي إلى ارتفاع نسب الوفيات بشكل مفزع بين الأشخاص المصابين بالخرف حول العالم. وبلغة الأرقام، فإن 85 في المئة من وفيات كورونا في كندا كانوا من المقيمين في دور رعاية المسنين، وأن ثلثي هذه النسبة كانت مصابة بالخرف. وفي بريطانيا، فإن 26 في المئة من وفيات كورونا هي لأشخاص يعانون الخرف. وفي إيطاليا تصل النسبة ذاتها إلى 20 في المئة من وفيات كوفيد-19.

وتحذر رئيس مجلس إدارة المنظمة باولا باربارينو من أن الأثر غير المتكافئ من حيث النسبة لوفيات كورونا بين المصابين بالخرف يدعو إلى القلق، لا سيما أن هؤلاء المرضى معرضون للوقوع في خانة النسيان في خضم الأزمات الكثيرة التي تسبب فيها الوباء. وترى باربارينو أنه قد حان الوقت للحديث عن الخرف، داعية حكومات العالم إلى نشر كل ما يتوافر لديها من معلومات بشفافية شديدة مع تقديم كل أنواع الدعم والحماية لمرضى الخرف في هذه الظروف الصعبة، مع عدم القبول بفكرة أن نسبة الوفيات بكورونا أعلى بين مرضى الخرف.

النقطة صفر

وعودة إلى النقطة صفر حيث أسئلة حول مدى توافر المعلومات حول مرضى الخرف وألزهايمر عربياً في يومهم العالمي، وأسئلة أخرى يشوبها الكثير من القلق حول دول عربية واقعة تحت وطأة اقتتالات داخلية وصراعات إقليمية، وأخرى تعيش قطاعات عريضة من شعوبها في مخيمات للاجئين والنازحين تتوافر فيها بديهيات الحياة بالكاد، فما بالك ببديهيات العناية بمرضى ألزهايمر.

بديهيات العناية بمريض ألزهايمر والخرف عموماً تبدأ بخطوات يتخذها المريض نفسه. تنصح منظمة الصحة العالمية من تم تشخيصه بالخرف بأن يبدأ في أن يثقف نفسه عن فقدان الذاكرة والخرف وألزهايمر، مع الاحتفاظ بدفتر لليوميات حيث تدوين المواعيد والمهام اليومية الحيوية. وعلى المريض أن يشجع نفسه على القراءة وأداء التمارين العقلية مثل حل الكلمات المتقاطعة و"سودوكو"، مع استمرار القيام بالنشاط البدني قدر الإمكان. مطلوب كذلك أن يخطط مريض الخرف لحياته في وقت مبكر، فربما يرغب في اتخاذ بعض القرارات المالية المهمة أو تفويض شخص يثق فيه للقيام بذلك واتخاذ قرارات مهمة لاحقاً. وينصح مريض الخرف بوضع بطاقة هوية في جيبه قبل أن يبرح البيت. وقد يكون من المفيد الانضمام لإحدى جماعات الدعم المحلية ولو عن طريق الإنترنت.

أما مقدم الرعاية لمريض الخرف فتنصحه منظمة الصحة العالمية بالتواصل مع المريض بلغة سهلة وجمل قصيرة وصبر كثير. التواصل بالعيون مهم جنباً إلى جنب مع الكلام والإيماءات. ويساعد قيامهما معاً بنشاط ترفيهي على التغلب على التوتر والقلق الناجمين عن التعامل مع مريض الخرف، لا سيما إن كان الأب أو الأم أو شخصاً عزيزاً. تعديل البيئة المحيطة بمريض الخرف مهمة حيث تقليل ازدحام الأثاث والفوضى والعشوائية في أرجاء البيت. وعلى مقدم الرعاية أن يراجع نفسه دائماً حتى يسيطر على مشاعر غضبه التي قد تظهر في صورة توبيخ أو ازدراء للمريض. وهنا ينبغي الإشارة إلى ضرورة أن يعتني مقدم الرعية بصحته النفسية كذلك والمعرضة للإنهاك جراء رعاية مريض الخرف.

اليوم 21 سبتمبر 2020  يخرج التقرير السنوي عن "منظمة مرض ألزهايمر الدولية" حاملاً عنوان "التصميم، الكرامة، الخرف: التصميم المتصل بالخرف وبيئة البناء". ينظر التقرير في تطور التصميم المرتبط بالبيئات المعيشية لمرضى الخرف، سواء في البيوت أو دور الرعاية أو المستشفيات أو المباني والفضاءات العامة. ويتلفت التقرير إلى الفروق الثقافية والاقتصادية وحتى في الفروق بين الدول منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الدخل علاقة ذلك بالتصميم المتصل بمرضى الخرف.

هو يوم واحد في العام يتذكر فيه العالم متلازمة الخرف ومرض ألزهايمر لكن هناك الملايين يعيشون طيلة أيام العام حاملين عبء هذا المرض سواء مرضى أو مقدمي رعاية لهم. كلا الطرفين في حاجة إلى المساندة والدعم والمعرفة، لا سيما لو كان المريض يعاني الوصمة والمرض يرزح تحت كمّ هائل من التجهيل والتهوين.

يذكر أن المرض اسمه ألزهايمر نسبة إلى مكتشفه عالم النفس والباثولوجيا العصبية الألماني ألويس ألزهايمر الذي اكتشف ووثق الحالة الأولى لمريضة بألزهايمر. لذا حمل المرض اسم مكتشفه ألزهايمر.