Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منتدى الإعلام العربي الـ18... بين الرقمنة والأخبار المفبركة وتصحيح المسار

المواطن وجد نفسه في بعض جلسات المنتدى في قفص الاتهام

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في صورة جماعية مع الإعلاميين المشاركين في ‬منتدى الإعلام العربي. (الحساب الرسمي للمنتدى على فيسبوك)

يلقي عام 2019 بظلاله الرقمية وأوضاعه الإقليمية، حلوها ومرها، واهتزازاته الأممية على الدورة الـ18 لمنتدى الإعلام العربي في دبي. فالأمر لم يعد قراءة في أوضاع الإعلام العربي في ضوء رياح يقال إنها ربيعية هبّت على دول في المنطقة. كما توقف عن كونه انكشافا لوجه ربيعي وقلب خريفي يستخدم معاول إعلامية وأذرع بروباغاندا. وتحول من استشراف لمستقبل بدا بالأمس القريب بعيداً، لكن أثبت بحجة غرف الأخبار وبرهان مراسلي الميادين أنه أقرب إلينا مما نتخيل.

خرجت الدورة الـ18 من منتدى الإعلام العربي– التي انعقدت في دبي يومي 27 و28 مارس (آذار) الحالي تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، كاشفة عن الواقع ومعبرة الحاصل ومستشرفة تحديات باتت ملامحها واضحة ومقدمة شكلاً جديداً من أشكال التحالفات لم يكن ظاهراً من قبل. وقبل بداية الفعاليات، استشعر الجميع أن هذه الدورة ليست كغيرها.

فحتى العام الماضي 2018، وفي دورة المنتدى الـ17، كان القائمون على أمر الإعلام العربي ما زالوا في مرحلة الانبهار الأوليّ بدور الروبوت في المهنة وحجم التدخل الرقمي في عمل الإعلام البشري. اليوم، زال الانبهار وحل محله الاعتياد وبدء التأقلم وتهدئة الروع. الإعلامي مصطفى الأغا شارك في التهدئة بصعود زميله الروبوت على المسرح بديلاً عنه في جلسة "إعلامي المستقبل". لكن صوت الأغا ظل الحاكم. وبعد انضمام الأغا إلى الروبوت على المسرح أخبر الحضور أن المهنة تغيرت، والرقمنة حلت محل الكثير من الأعمال البشرية، لكن يظل البشر الحاكم المتحكم ولو من خلف ستار الروبوت. وما "سيري" إلا مثال على ذلك، حيث يظل الإنسان هو المبرمج والمتحكم فيما يقوله ويفعله الروبوت.

لكن تحميل الروبوت فوق ما يحتمل لم يعد ممكنا. فواقع الإعلام العربي يعاني معاناة مريرة. جلسات عدة تطرقت إلى "واقع الإعلام العربي". وبين محاولات تخفيف حدة الأزمة، وأخرى لتوزيع الاتهامات وتقسيم المسؤوليات، وثالثة لوضع روشتات للخروج من الأزمات، تناثرت الرؤى.

وللمرة الأولى منذ بزوغ عصر الفضائيات وتكاثر أعداد القنوات التلفزيونية العربية حتى فاق الـ1300 قناة، يطرح المنتدى فكرة الفجوة القائمة بين الإعلام الحكومي أو الرسمي وبين الإعلام الخاص. فبعد سنوات الترحاب العربي بالإعلام الخاص باعتباره طوق نجاة المتلقي الباحث عن الخبر المنزه عن التوجه الحكومي، وفتح منصات جديدة من التحليل والعمق السياسي والاجتماعي، اسيتقظ العرب على قنوات اعتقدوا أنها تقدم الخبر والحقيقة لكن اتضح أنها تقدم جانباً من الخبر والحقيقة بوجهة نظر.

كل من رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في مصر السيد حسين زين، ووزير شؤون الإعلام في البحرين السيد علي بن محمد الرميحي، دق على أوتار المصداقية النابعة من الإعلام الحكومي والتي ظلت تعاني لعقود طويلة. الرميحي تحدث عن تخوف تاريخي من قبل المسؤولين الحكوميين من التواصل مع الإعلام. زين نبه إلى الصخب الصادر عن مواقع التواصل الاجتماعي، والذي اتهمه بـ"زعزعة الثقة لدى المتلقي فيما يصدر عن الإعلام الحكومي على الرغم من تحلي المحتوى (الحكومي) بالشفافية والمصداقية والمسؤولين تجاه المواطن".

المواطن المسكين الحائر بين العام والخاص، وبين التقليدي والحديث، وبين الصحافي المهني والصحافي الهاوي وجد نفسه في بعض جلسات المنتدى في قفص الاتهام. الكاتبة البحرينية سوسن الشاعر حملت الجميع مسؤولية الوضع "بالغ السوء الحالي للإعلام العربي"، بدءا بالإعلامي المهني الذي تخلى عن مهنيته، مروراً بمواقع التواصل الاجتماعي التي تبث الأخبار والأخبار المفبركة والكاذبة، مروراً بالمتلقي الذي اختار أن يذهب طواعية إلى هذه المفبركات، وانتهاء بالحكومات التي تخنق حرية الإعلام أحياناً.

حرية الإعلام المخنوقة "أحياناً" صنعت فارقاً زمنياً بين الإعلام العربي والغربي مدته قرن ونصف، على حد قول مدير معهد لندن للدراسات الاستراتيجية الدكتور مأمون فندي. يقول إن الإعلام قائم على العلم والمعلومة، وحين يتضاءل كلاهما، يواجه الإعلام أزمة كتلك التي تواجه الإعلام العربي. "أين معايير الانتقاء؟ ما هي القيم الحاكمة للإعلام العربي؟ ليست هناك منظومة مهنية حاكمة. أصبح الإعلام مهنة من لا مهنة له". هذا السيل من الطلقات التي صوبها فندي للإعلام العربي تكللت باتهام صريح بأن العلاقة الملتبسة بين الإعلام والسياسة في البلاد العربية أزّمت الوضع أكثر، وباعدت بين الإعلام المهني في الغرب وغير المهني لدى العرب.

"صحافة غربية بصورة عربية" ربما تكون أحد أطواق النجاة المتاحة. تجربة "إندبندنت عربية" الوليدة حازت اهتمام المنتدى من خلال عرض رئيس التحرير السيد عضوان الأحمري للجسر الجديد المشيد بين المحتوى الرصين في صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية الأم والكوادر البشرية الصحافية العربية. معايير مهنية ملزمة مع محتوى ثري قائم على الخبر والمعلومة والتحليل تشكل هذه التجربة الوليدة والفريدة عربياً.

لكن جنباً إلى جنب مع ثراء التجربة والتزاوج بين المهنية الغربية والمهارات العربية، هناك جسر للتواصل بين العالمين العربي والغربي عبر الإعلام.

دور الإعلام في العام الـ19 من الألفية الثالثة لم يعد مقتصراً على اللهث وراء الأخبار العاجلة، وهو ما يلحق الضرر أحياناً بالمصداقية والدقة لصالح السرعة والسبق. الأحمري يرى أن الركض وراء الأخبار العاجلة أصبح آفة خطيرة ألحقت الكثير من الضرر بالعمل الإعلامي والمواقع الإلكترونية الخبرية، والتي يؤخذ على بعضها الترويج للمعلومات المغلوطة والأخبار الناقصة والحقيقة المجتزأة.

لم يكن غريباً أو مفاجئاً أن يخصص منتدى الإعلام العربي جلسات وتعرج نقاشات إلى الأخبار المفبركة والكاذبة والمجتزأة والتي أصبحت واقعاً لا ينكره أحد. مدير الأخبار العالمية في وكالة الصحافة الفرنسية السيد فيليب شيتوند نبه إلى خطورة عدم معرفة الصحافيين المهنيين التقليديين بحجم ما يدور حولهم من أخبار كاذبة في العالم، فيما أسماه بـ"عالم الإعلام الكاذب". يقول "المعلومات المغلوطة لا حدود لها. الأخبار المغلوطة تنتشر انتشاراً فيروسياً. وهنا يحتاج الإعلام التقليدي إلى الإعلام الحديث وتقنياته الحديثة للتنقيح والتأكيد والتصويب".

ويطرح شيتوند حلاً فريداً ورؤية غير مأهولة. فهو لا يتحدث عن حجب أو يتطرق إلى منع، لكنه يتحدث عن تكامل وتعاون. "مواقع التواصل الاجتماعي وتقنياتها يحتاجها الإعلام التقليدي. ومهنية الإعلام التقليدي والتيقن من الأخبار مهارات تحتاجها مواقع التواصل الاجتماعي. كلاهما يكمل الآخر. نحتاج في هذا العالم إلى التأسيس لثقافة التيقن من الأخبار في خضم هذا اليم من الأخبار الزائفة".

هذا اليم هو أحد الاتجاهات الثمانية التي يرسمها الكاتب الصحافي والمدرب الإعلامي السيد ياسر عبد العزيز. الاتجاهات الثمانية في مشهد الإعلام في عام 2019 كما يرسمها عبد العزيز هي: ازدهار آليات التزييف العميق على شبكة الإنترنت وهو ما يهدد ثقة المتلقي في الإعلام ويضع فكرة الديموقراطية في مأزق، والتوجه نحو فرض رقابة على وسائط التواصل الاجتماعي، وظهور بوادر رفض الحرية المطلقة التي وفرتها شركات منصات التواصل الاجتماعي، وهروب العائدات الإعلانية من الإعلام التقليدي إلى منصات التواصل الاجتماعي، والتمركز في مقابل تحقيق الأرباح، والتأرجح بين المحتوى الحصري ومنصات التوزيع، وطغيان المحتوى المصنوع بواسطة المستخدم على حساب المحتوى المهني المصنوع من قبل الصحافي التقليدي، وأخيراً بزوغ عصر منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها أداة للاتصال التجاري والحكومي والسياسي.

الاتصال السياسي أو الإعلام والسياسة في العالم العربي وجدا نفسيهما في علاقة من نوع غريب. تساءل البعض إن كانت علاقة تكامل أم تنافس. ورغم طرح السؤال في جلسة نقاشية أدارها الإعلامي عماد الدين أديب، إلا أن الحضور خرجوا بمزيد من الأسئلة، لا سيما فيما يختص بالإعلام العربي ودوره في السياسة.

المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسة الخارجية الدكتور وليد فارس قال إنه على الرغم من ضلوع بعض دول المنطقة في حرب "اللوبيهات" (اللوبي) في العالم الغربي، حيث البعض منها ممول عربياً، وتحديداً- كما أشار أديب من قبل قطر- إلا أن التضارب بين الإعلام والسياسة أميركياً موجود كما هو الحال في العالم العربي، ضارباً المثال بالشكلين الخبريين المقدمين من قبل "سي إن إن" و"فوكس نيوز"، وهو ما ينجم عنه صخب خبري شديد.

هذا الصخب هو ما وصفه الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد بقوله إن العالم يمر بمرحلة انتقالية هذه الآونة، وهو ما يفسر ما تفعله بعض الدول حالياً في الإعلام من إحداث صخب بديلاً عن القصة الأصلية. ويتمسك سعيد بوجهة نظر متفائلة فيما يختص بالإعلام العربي، حيث يرى أن صخب المرحلة الحالية مصيره الهدوء، بعدها ننضج ونصبح قادرين على الخروج بإعلام أكثر مهنية.

وتحدث سعيد عما أسماه بـ"الإرهاب التكفيري" والذي يستخدم الإعلام استخداماً مذهلاً. "راحت القاعدة وجاء داعش، وتظل الفكرة موجودة: أسهل طريقة لنقل هذا الفكر التكفيري هو التحريض عبر وسائل الإعلام".

الإعلام– الذي وصفته رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت ثاتشر ذات يوم- بأنه "أكسجين الإرهاب"- يجد نفسه مرتبطا هذه الآونة بكلمات مثل "خطاب الكراهية" و"التحريض". الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عايد المانع تحدث عن خطاب التحريض في الإعلام. فلم يجد العديد من الفروق بين خطاب الكراهية الذي يبث في بعض المساجد، حيث الدعاء على غير المسلمين وبين اليمين المتطرف الذي يقتل أحياناً تحت مسمى فكري مثلما حدث في مسجدين في نيوزيلندا قبل أسابيع. فكلاهما وجهان لتحريض واحد.

المؤكد أن المشهد الإعلامي العربي يمر بمرحلة بالغة الصعوبة. إعلام تقليدي يعاني الأمرّين، تارة من ميل لانعدام التوازن وفقدان الموضوعية، وأخرى لهجوم من مواقع التواصل الاجتماعي ومقاسمته عمله وجمهوره وتخصصه وأرباحه، وثالثة لضربات تحت الحزام حيث إعلام حكومي يحاول استعادة ثقة المتلقي، وخاص انكشفت بعض أوجهه الانتفاعية، وثالث دولي اتضح أن أياديه ليست بيضاء تماماً فيما يختص بالفوضى الخلاقة وخارطة الشرق الأوسط الجديد غير الخلاقة.

رئيسة نادي دبي للصحافة ورئيسة اللجنة التنظيمية لـ"منتدى الإعلام العربي" السيدة منى المري تقول إن الإعلام بكل أنواعه وأشكاله، سواء الذي واكب التقنيات الحديثة أو لم يفعل، مقبل- برغبته أو دونها- على تغيير شامل وبسرعة قصوى. تقول المري إن الثورة الصناعية الرابعة آتية بكل قوة على الجميع وكل القطاعات ولن تستثني أحدا، بما في ذلك الإعلام. وترى المري أن الإعلام العربي تمكن من مجاراة جانب من التغيير، وحدّث من نفسه، لكنه في الوقت نفسه ما زال يحتاج الكثير، لا سيما فيما يختص بموقفه من التحديات التي تطرحها الثورة المعلوماتية واختلاف تقنيات العمل مع الاعتراف بأن جانباً من الإعلام العربي ما زال يقف "محلك سر".

العالم العربي وإعلامه في مرحلة حرجة. تغيرات كثيرة، بعضها يتعلق بالصناعة نفسها، والبعض الآخر له علاقة وثيقة بالمتغيرات السياسية الحادثة في العالم. تقنيات تتطرأ، وأدوات تُبتكر وأخرى تندثر، منصات يبزغ نجمها وأخرى تتعرض لخطر الانقراض، محتوى لم يعد قاصراً على جهة بعينها أو مؤسسة وحدها، لكن صار الجميع قادراً على تغذيته، معاول تلوح بالحجب والمنع وأخرى تؤكد على ضرورة الدمج، ودورة جديدة من دورات الحدث الإعلامي الأهم في العالم العربي: منتدى الإعلام العربي.

المزيد من فعاليات