Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هو دور قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان؟

الخلاف الأساسي في المهمة المنوطة إليها وإمكانية استخدامها القوة ضد حاملي السلاح "غير الشرعي"

دورية لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "ليونيفيل" على طول الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل (أ ف ب)

في شهر أغسطس (آب) الماضي، جدد مجلس الأمن الدولي لقوات اليونيفيل عاماً جديداً في جنوب لبنان، هذا التجديد كان سبق الإعلان عن إصابة ما يزيد على 90 من عناصرها بفيروس كورونا، ما طرح علامات استفهام حول علاقة هذه القوات بالسكان المحليين ودورها في جنوب نهر الليطاني.

40 سنة مضت

ومنذ عام 1978 وقوات "اليونيفيل" موجودة في جنوب لبنان بموجب قراري مجلس الأمن الدولي 425 و426 الصادرين في 19 مارس (آذار) 1978. يزداد عددها أحياناً وينخفض في أحيان أخرى، وفي بعض الأوقات تتسع مهماتها ومرات تضيق، وذلك بحسب حجم التوتر في جنوب لبنان.

مرت 40 سنة على وجود قوات اليونيفيل بجنوب لبنان. في البداية انتشرت شمال نهر الليطاني حتى "الشريط الحدودي". وبعد انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، انتشرت القوات في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني بأكملها حتى الحدود مع إسرائيل، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، والذي أذن فيه بزيادة حجم تلك القوات إلى 15 ألف جندياً يتوزعون على 40 جنسية.

الانسحاب الإسرائيلي ونتائجه

وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2000، تلقى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان إخطاراً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية يفيد بأنها ستسحب قواتها من الأراضي اللبنانية في شهر يوليو من العام ذاته. وسرعان ما بدأ فريق دولي منتدب من مجلس الأمن برسم الخرائط لتحديد "خط  حدودي"، سُمي "الخط الأزرق"، سيُعتمد لأغراض عملانية للتأكد من الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية.

وبعد الانسحاب، ظلت الحالة في منطقة عمل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان هادئة بشكل عام. وراقبت قوات "اليونيفيل" خط الانسحاب يومياً، عن طريق الدوريات البرية والجوية. وبحثت في الانتهاكات المحتملة للخط، خصوصاً أن مناطق عدة لم يكن ممكناً الوصول إليها إلا من الجانب الإسرائيلي، بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة الموجودة في الجانب اللبناني من الحدود، والتي خلفتها 20 سنة من الاحتلال.

الحرب ودور "اليونيفيل"

واصفاً البيئة السياسية والأمنية بالهشاشة، أشار كوفي أنان بشكل خاص إلى ما جرى من تبادل عنيف لإطلاق النار بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي عبر الخط الأزرق في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005. وكان من شأن حوادث إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان أن تؤدي إلى التصعيد العسكري، وكذلك الانتهاكات الجوية الإسرائيلية المتكررة للأجواء اللبنانية. ثم تجدد القتال على الحدود اللبنانية في 12 يوليو 2006. وأدت الأعمال القتالية التي اندلعت في ذلك العام إلى إحداث تغيير جذري في سياق عمل القوة الدولية، التي لم تتمكن من أداء عملها فيما تواجه قيوداً على قيامها بأنشطة أساسية، مثل إمداد مواقعها وإجراء عمليات بحث وإنقاذ لمصلحة أفرادها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونظراً لانتهاء ولاية القوة في 31 يوليو من ذلك العام، فقد أوصى أمين عام الأمم المتحدة بأن يمددها مجلس الأمن شهراً واحداً فقط لبحث الخيارات الممكنة كافة للترتيبات المستقبلية التي ستتخذ في جنوب لبنان.

حرب 2006 ومساعدة الجنوبيين

وفي أعقاب حرب يوليو (تموز) 2006 وبعد صدور القرار الدولي رقم 1701، أنيطت مهمة رئيسة باليونيفيل تتمثل في تقديم المساعدة للسكان المحليين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين والعودة الطوعية والآمنة للنازحين. فلم يعد تقديم المساعدات للجنوبيين مجرد مجاملات من قبل القوات الدولية، بل باتت من ضمن أعمالها المنوطة بها. فأخذت وحدات "اليونيفيل" تقدم المساعدات الطبية كطب الأسنان، والطب البيطري وغيرها مجاناً للسكان المحليين. وتقدم برامج تدريبية مختلفة للسكان في مجالات عدة. كما بات لدى "اليونيفيل" ميزانية محدودة للمشاريع الاجتماعية الصغيرة. وبرزت "المشاريع ذات الأثر السريع" التي تعنى بمعالجة الاحتياجات الأكثر إلحاحاً للسكان المحليين، مثل دعم السلطات المحلية وتعزيز الروابط بين "اليونيفيل" والمجتمعات المحلية، وهذه المشاريع صغيرة الحجم ويمكن تنفيذها بسرعة.

وبحسب القرارات المرافقة لنشر قوات "اليونيفيل"، فإن دعم سكان جنوب لبنان ضروري لنجاح تنفيذ مهمتها، بدءاً من احترام التقاليد والعادات المحلية، وصولاً إلى فرض قواعد سلوكية صارمة على جنودها، في التعامل مع السكان والمؤسسات المحلية.

هذه العلاقة الوطيدة التي سعت قوات "اليونيفيل" إلى إقامتها مع سكان جنوب نهر الليطاني أدى إلى حصول عدد من الزيجات بين بعض جنود "اليونيفيل" وجنوبيات، وازدهرت اقتصاديات بلدات كثيرة بسبب حاجة الجنود إلى البضائع المحلية أو إلى السياحة الداخلية في أوقات العطل.

"اليونيفيل" و"حزب الله"

الوجود العسكري المتزايد لتلك القوات، لم يمنع من أن تكون السيطرة الفعلية على "المنطقة المحررة" لـ"حزب الله". فعمل القوات الدولية مقيد نظراً لوجود عناصر "الحزب" في المنطقة، باعتبار أن تلك القوات لا يمكنها القيام بأي عمل داخل المناطق السكنية إلا بعد التشاور والتوافق مع مسؤولي الحزب المحليين، في غياب القوات الأمنية اللبنانية من جيش وقوات أمن في حينه، قبل انتشارها في جنوب لبنان إثر ضغط دولي وداخلي. فالصيغة المطروحة هي أنه ما دام ليس هناك سلام شامل مع إسرائيل، فإن الجيش لن يتصرف كحرس للحدود ولن يُنشر عليها.

تعكير أجواء الصفاء

ولكن الصفاء العام الذي حافظت عليه القوات الدولية مع الجنوبيين، تخللته في مرات محدودة حوادث ومشكلات، إذ تعرضت قوات اليونيفيل إلى اعتداءات طالت آليات تابعة لها وأودت بحياة بعض جنودها. وتعرضت أيضاً إلى هجوم سياسي وإعلامي من قبل الإسرائيليين تارةً، حين وصفوها بأنها قوات منتدبة إلى لبنان لحماية "حزب الله"، وتارة أخرى من قبل بعض الساسة اللبنانيين المقربين من "حزب الله"، الذين اعتبروها "قاصرة" عن ردع الاعتداءات الإسرائيلية بحراً وجواً ومنع خرق الأجواء اللبنانية من خلال تسيير طائرات "الدرون" والطائرات الحربية الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية. وكان كل فريق من الفرقاء يقوم بتفسير القرار 1701 على هواه.

علاقات متباينة

وبعد زيادة عديد القوات الدولية في جنوب لبنان وانتشارها على مساحة واسعة جنوب نهر الليطاني، راحت العلاقة بين أهالي جنوب لبنان وجلهم من "البيئة الحاضنة" لـ"حزب الله"، تتفاوت مع القوات الدولية. ففي القرى والبلدات التي كانت واقعة على "الشريط الحدودي" سابقاً، والتي كانت تتواجد فيها قوات "اليونيفيل" إبان الاحتلال الإسرائيلي، تبدو العلاقة جيدة. فأهالي هذه البلدات وسكانها يعرفون الأهمية الاقتصادية لهذه القوات وتأثيرها الإيجابي على مصادر رزقهم وعيشهم، فكثيرة هي البلدات التي كان يقوم اقتصادها على صرف هؤلاء الجنود رواتبهم في محالها التجارية ومطاعمها ومعاملها. وكُتِبت لافتات المحال والمطاعم والسوبر ماركات جميعها بالإنجليزية، وكانت هذه البلدات الأثرى من بين جاراتها، إذ انتشرت فيها البيوت الفاخرة والسيارات الفخمة.

أما سكان بلدات "الشريط الحدودي" السابق، الذين يستقبلون القوات الدولية في بلداتهم للمرة الأولى بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، فإن علاقتهم مع القوات الدولية كان يشوبها بعض القلق في البداية، أو كانت متفاوتة بين مَن يريد الاستفادة من وجود هذه القوات، ومَن لا يريد التعامل معها منعاً للشبهة، خصوصاً وأنه في بعض القرى والبلدات كانت تتم الدعوة "الضمنية" لعدم التعامل مع هذه القوات الآتية من أجل "حماية العدو الإسرائيلي"، بحسب ما أشاع إعلام "حزب الله" في بيئته الحاضنة. فقد كان الحزب يعتبر في بادئ الأمر، وقبل أن تتضح الصورة الفعلية لدور هذه القوات، أن وجود قوات دولية وتأمينها منطقة منزوعة السلاح على الحدود مع إسرائيل الهدف منها حماية تل أبيب من هجماته. ولكن الخلاف الأساسي في دور هذه القوات كان في إمكانية استخدامها القوة ضد حاملي السلاح "غير الشرعي"، أي غير سلاح الجيش اللبناني والقوات الدولية، أو حقها في استخدام القوة في حال مهاجمتها من أي طرف كان. وكانت هذه النقطة مدار نزاع منذ إصدار القرار 1701، إذ رفضت دول عدة إرسال جنودها في إطار القوات الدولية إلى جنوب لبنان ما لم تحصل على ضمانات أمنية وتحديداً من "حزب الله" المسيطر عسكرياً جنوباً، وإذا لم تحصل على تفويض باستخدام القوة لحماية منشآتها وجنودها وعتادها. ثم انتهى الأمر بتسوية شبه ضمنية، تضمن لهذه القوات الأمان وعدم مهاجمتها أثناء تنفيذها مهماتها التي لن تستخدم القوة فيها لتحقيقها. ولا يزال الوضع على حاله على الرغم من أن التوترات على الحدود بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي ما زالت قائمة، وترتفع وتيرتها أو تهدأ بحسب الضغوط السياسية الدولية التي تُمارس على الطرفين.