Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يتلمس الحلول الجذرية لتجنب كارثة الفيضانات مستقبلا

تدابير لتحديد نطاق استخدامات الأراضي المجاورة للأنهار في البلاد

تشييد المزيد من السدود لامتصاص الزيادات التي تطرأ على مناسيب الأنهار في مواسم الفيضانات (حسن حامد-اندبندنت عربية)

يتجه السودان إلى اتخاذ تدابير وإجراءات عدة، بغرض إيجاد الضمانات اللازمة لعدم تكرار كارثة فيضان هذا العام، والاستفادة من نقاط الضعف ومكامن الخلل التي كشفت عنها التجربة المريرة والنكبة القاسية التي عاشتها البلاد، والخسائر والأضرار الكبيرة التي تكبدها المواطنون على وجه الخصوص في الممتلكات والأرواح، بصورة لم تشهدها البلاد طوال تاريخها، وتجاربها السابقة مع الفيضانات خلال المئة عام الماضية. وأبرز تلك التدابير تحديد نطاق استخدامات الأراضي المتشاطئة للأنهار، سواء للأغراض الزراعية أو السكنية، أو تلك التي يحظر استخدامها على الإطلاق، وذلك بتفعيل نصوص قانون الدفاع المدني في المرحلة المقبلة.

مشروعات الحلول الجذرية

وبدأ المجلس القومي للدفاع المدني، الذي يضم كل الوزارات والجهات ذات الاختصاص، إعداد دراسة شاملة حول الرؤى المستقبلية، والحلول الجذرية لمخاطر الفيضانات، تشمل مشروعات مفصلة في محاور عدة، في مجالات البنية التحتية، والتنبؤ، والرصد، والتدريب، والإيواء، ومعالجة نقاط الضعف الهندسية، والنظر في إعادة تخطيط كل المناطق التي تأثرت بفيضان هذا العام، ورفع كفاءة وقدرات الاستجابة لدى قوات الدفاع المدني.

وتضمنت الدراسة عدداً من المحاور، على رأسها تحديث وتحسين قدرات الإنذار المبكر وتوقعات وتنبؤات الطقس، وشبكات الرصد، وتحديث محطات الرصد وزيادة أعدادها، فضلاً عن تحوطات الإيواء، إلى جانب تدريب الكوادر المتخصصة في التعامل مع مثل تلك الحوادث والكوارث الطبيعية، بما يرفع كفاءة الاستجابة والتعامل السريع الفعال.

ترحيل سكان المناطق والجزر المتأثرة

وتركز الدراسة في محور الولايات، على إنشاء متنفسات طبيعية إضافية، وتشييد المزيد من السدود لامتصاص الزيادات التي تطرأ على مناسيب الأنهار في مواسم الفيضانات، إضافة إلى تنفيذ مزيد من الجسور الأرضية والأرصفة والعراضات الحجرية، لكسر حدة التيارات المائية في مجاري الأنهار.

ويشمل محور المعالجات المستقبلية الجذرية ضرورة ترحيل القرى وسكان الجزر، ومنع السكن داخل مجاري حرم الأنهار، باعتباره تجاوزاً ممنوعاً، بموجب قانون الدفاع المدني لسنة 2005، الذي يحظر أيضاً، تخطيط وتوزيع الأراضي لأغراض السكن من دون الرجوع إلى الخريطة الكنتورية المعتمدة من الجهات المختصة، ولا يسمح القانون بإعادة بناء المساكن في أي مناطق سبق وتضررت بسبب الفيضانات، مع جواز تعويض المتضررين تعويضاً مناسباً، باستثناء فئة قليلة من المنشآت الخدمية والمشروعات الزراعية، شرط خضوعها للضوابط وموافقة الوزير المختص (وزير الداخلية) رئيس المجلس.

وفي هذا الخصوص، أوضح المتحدث الرسمي باسم المجلس القومي للدفاع المدني العقيد عبد الجليل عبد الرحيم لـ"اندبندنت عربية" أن الأمانة العامة للمجلس، بوصفها الذراع الفنية للمجلس، تعمل على استكمال الرؤية المستقبلية للحلول الجذرية والحماية من خطر الفيضانات، لتُرفع المشروعات المتضمنة إلى الجهات المختصة، واتخاذ القرار بشأن كيفية ومواقيت تنفيذها، مشيراً إلى أن تلك المحاور، تشمل تفصيلاً، لكل مشروع على حدة، بكل محتوياته ومتطلباته ومراحله.

وأضاف عبد الرحيم، "على الرغم من قطعية نصوص قانون الدفاع المدني في منع إعادة تشييد المباني التي تأثرت بالفيضان، فإن المجلس في المرحلة الحالية يبذل جهوداً ودية، لإقناع المواطنين المتأثرين، بخطورة العودة إلى السكن في المناطق ذاتها التي تضررت، حفاظاً على ممتلكاتهم وأرواحهم، وتفادياً لتجديد المأساة نفسها في عام الفيضان المقبل"، مشيراً إلى أنه من الطبيعي أن تخضع كل المناطق التي تضررت بالفيضان، إلى إعادة النظر في تخطيطها، بما يتسق مع الأسس والشروط  الهندسية السليمة، حفاظاً على أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حالة تأهب وطوارئ مستمرة

على صعيد إدارة الأزمة الحالية، أوضح عبد الرحيم أن مجلس الدفاع المدني يواصل عمله الميداني في تخفيف وقع الكارثة الحالية، وتأمين وحماية معسكرات الإيواء، عبر 50 نقطة ارتكاز تنتشر في كل المناطق المتأثرة، ترصد وتراقب وتتابع وتشارك في عمليات الحماية والتأمين والإيواء مع الشركاء الآخرين بالجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني الوطنية، بالتنسيق مع غرفة الطوارئ التابعة للجنة العليا لدرء آثار الفيضانات والسيول، ولجانها الفرعية للإيواء والإعاشة والصحة، منوهاً في الوقت عينه بالجهود الشعبية من الأهالي والخيرين، وبتضامنها مع الجهود الرسمية، ودعا إلى ضرورة الإبقاء على اليقظة والتحسب، لا سيما أن فصل الخريف لم ينته بعد، ما جعل فرقهم في حالة تأهب مستمر، تحسباً لأى مستجدات بهطول أمطار جديدة، لافتاً إلى أن المجلس قادر على اتخاذ إجراءات استثنائية في حالة الطوارئ، بحكم السلطات التي تخول لرئيسه، لمواجهة متطلبات الكوارث.

المطالبة بمراجعات هندسية كبيرة

من جهته، دعا المتخصص في تخطيط المدن المهندس صلاح عثمان، عبر "اندبندنت عربية" إلى ضرورة إحداث مراجعات كبيرة لخريطة المصارف وإجراء معالجات هندسية أساسية، لكل المشروعات والمنشآت التي شيدت من دون مراعاة الاعتبارات الهندسية للحماية والتصريف، لأن تكلفة المراجعة ستكون أقل بكثير مما تسببت به الفيضانات من خسائر وأضرار. وحتى لا تتكرر المأساة، ينصح عثمان بضرورة تكوين آلية تخطيط مركزية، تضم كل الجهات المتخصصة، يناط بها حصرياً إصدار التصديقات والتصاريح، لقيام أو إنشاء المباني والمشروعات بأنواعها المختلفة، لضمان اتساقها مع المعايير العلمية والهندسية السليمة.

ووصف عثمان التكوين الحالي للجان التخطيط بكل ولايات السودان، بأنه لا يغطي كل التخصصات الهندسية والفنية المطلوبة وذات الصلة، بالتالي لا تحقق قراراتها النظرة المتكاملة والرؤية الشاملة، المرتبطة بمقتضيات التنمية الحضرية، ما تسبب في كثير من الإخفاقات الهندسية، التي كانت سبباً مباشراً في خلق عوائق حجبت البعد الهندسي، وتسببت في تدمير نظم التصريف الجيدة الموروثة منذ الاستعمار البريطاني.

فقدان نقطة الصفر المعيارية

وتابع المتخصص في تخطيط المدن، "من أفدح الأخطاء التي حدثت في العهود السابقة، فقدان جدوى نقطة الأساس الصفري المعيارية الهندسية، التي وضعها الجنرال الإنجليزي كتشنر المتخصص في هندسة المساحة، أسفل كبرى النيل الأزرق، كأحد أهم المعايير الهندسية التي كانت تحكم كل ولاية الخرطوم، وتُبنى على أساسها الخطط العمرانية والإنشاءات".

وأضاف، "بالرجوع إلى الدراسات السابقة والخطوط الحمراء التي وضعتها دراسة قاع النيلين الأزرق والأبيض المتعمقة للاستشاري في المجال الهيدرولوجي، ووزير الري الأسبق الخير حاج الأمين، التي حدد فيها كل منافذ الخطورة، إلا أنها أهملت شأن دراسات أخرى مشابهة لها".

ولتجاوز إخفاقات التخطيط الهندسي التاريخية، وإيجاد حلول جذرية، تمنع تكرار الكارثة، وتجنب الفواجع التي خلفتها فيضانات 2020، ينصح المهندس عثمان بالتفكير في حلول غير تقليدية، وتغليب نظرة هندسة المساحة، والاستفادة من تجارب الدول التي واجهت مخاطر مماثلة، في استخدام تقنية إعادة حقن مياه الأمطار والفيضانات التي يتعذر تصريفها، داخل آبار جوفية بعد تنقيتها، ما يؤمن الحماية، ويعزز من مخزون المياه الجوفية، لمواجهة الشح الجوفي المتوقع عن سد النهضة على السودان، ونادى بضرورة إجراء دراسات فنية للاستفادة من المنخفضات الصخرية بالنيلين الأزرق والأبيض بالولايات، لخلق مناطق للتخزين المؤقت، ما يمكن من الاستخدام الذكي للمياه.

وفي السياق نفسه، شدد نائب المدير العام لمصلحة المساحة السودانية صديق مكي لـ"اندبندنت عربية" على ضرورة تجاوز أخطاء التخطيط الماضية التي نجمت عن ضعف التخطيط، وتغييب دور هندسة المساحة عن القيام بعمل نموذج هندسي رقمي للتخطيط، وتعريف كل درجات الارتفاعات الهندسية للمنخفضات والمنحدرات.

المتضررون يتساءلون

وأوضح كبير المهندسين في مجال الري محمد مصطفى عباس أن "الحلول الجذرية تتطلب وضع الضمانات والتأمين الهندسي اللازم للوقاية من خطر الفيضانات في المستقبل، وضرورة تقوية وتعزيز البنى التحتية للتصريف والحماية، بإنشاء مشروعات تمتص مياه الفيضانات وتوظفها اقتصادياً، ما يستوجب إجراء دراسات علمية هندسية عاجلة لمعرفة وتحديد نقاط الضعف ومعالجتها جذرياً".

في هذه الأثناء، يطرح السودانيون أسئلة كثيرة حول الأسباب التي أدت إلى خسائر وأضرار هذا العام جراء الفيضانات، وما إذا كان بالإمكان تلافيها أو تخفيفها مستقبلاً، وعما ينتظرهم بعد انتهاء فترة الإيواء المؤقت، وما إذا كانوا سيعودون إلى تشييد منازلهم المهددة في مواقعها السابقة نفسها، وما إذا كانت البنية التحتية للبلاد ستشهد تطويراً، نتفادى معه مثل هذه الكارثة مستقبلاً.