Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ينقذ الفرقاء الليبيون اقتصاد البلاد من الهاوية؟

 250 مليار دولار خسائر النفط منذ 2011 وعجز الميزانية يرتفع إلى 11.4 مليار دولار

المصرف المركزي الليبي أرجع عجز ميزانية البلاد لإغلاق حقول النفط منذ بداية العام  (أ ف ب)

اقتصاد يندفع نحو الهاوية، كلمات مرعبة عبر بها المتخصصون في الاقتصاد الليبي، عن تخوفهم من تراجع الاقتصاد وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، كأحد أهم التداعيات السلبية الناتجة عن الاحتقان والصراع السياسي الليبي، فبعد أن استبشر الجميع خيراً، عقب إعلان رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج وقف إطلاق النار والاستعداد لاستئناف الحوار السياسي في وقت سابق من  أغسطس (آب) الماضي، انتفض الشعب الليبي تنديداً بالأوضاع المعيشية المتدهورة.

وظهرت بارقة أمل جديدة من الرباط ثم القاهرة، قد تحرك الماء الراكد ليتجه صوب الاستقرار السياسي، ومن ثم نظيره الاقتصادي، إذ دارت المباحثات بين  فرقاء ليبيا بالقاهرة لمدة 4 أيام، وسط أجواء من التفاؤل بالمضي قدماً في خطوات من شأنها تعزيز الثقة بين طرفي الصراع في الأزمة الليبية، وتثبيت وقف إطلاق النار المعلن منذ 22 أغسطس بين قوات حكومة الوفاق (غرباً) وقوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر (شرقاً)، وأكد وفد الغرب، مساء أمس الأحد، أن المباحثات في القاهرة أكدت ضرورة التمسك بالمبادئ الوطنية المتمثلة في وحدة التراب الليبي واستقلال البلاد وسيادتها، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار.

مباحثات تحدد المسار العام

وحول كواليس ما دار في المباحثات كشف النائب بلقاسم قريظ، عضو  المجلس الأعلى  للدولة الليبية في حكومة الوفاق غرب ليبيا لـ"اندبندنت عربية"، أنها جاءت في وقت حساس يحتاج الجميع إلى الجلوس معاً، مضيفاً أن أهم مخرجاتها وضع نهج وإطار يحدد المسار العام.

وتابع، أن الجميع اتفق على التمسك بالقيم والمبادئ الوطنية المتمثلة في وحدة التراب الليبي واستقلال ليبيا وسيادتها وعلى حرمة الدم الليبي"، و"ضرورة التوصل إلى اتفاق عاجل لوقف إطلاق النار والدفع بالعملية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة والالتزام بقرارات مجلس الأمن بالخصوص.

وحول المزاعم عن وجود خلافات أثناء المباحثات قال، لم تكن خلافات بل كان نقاشاً صريحاً بين إخوة هدفهم جميعاً استقرار ليبيا، وعبر عن رضاه التام عن المفاوضات سواء التي استضافتها المغرب أو القاهرة، واستدرك، أن النجاح نسبي دائماً.

وتابع عضو المجلس الأعلى للدولة الليبية بلقاسم قريظ، أنه لا يخفى على أحد أن الاقتصاد في ليبيا يعتمد بشكل رئيس على ريع النفط بنسبة 95 في المئة، وأضاف، أنه في ظل الصراعات المحلية وعدم تمتع  أطراف الصراع في ليبيا بالحس الوطني وفي ظل التهميش والفساد الكبير لا أمل في الإصلاح، وأشار إلى أن بعض الدول المنتجة للنفط استغلت الحالة في ليبيا، والاقتصاد هو الخاسر الوحيد في الحروب، وأن الحرب الأخيرة على طرابلس خلفت خسائر تفوق الـ20 مليار دينار (14.6 مليار دولار) يتكبدها المواطن الليبي بمفرده.

إعادة تشكيل إدارة مصرف ليبيا المركزي

وذكر عضو الدولة الليبية، أنه لا حل إلا بإيقاف الحروب وإعادة تشغيل النفط، أما دون ذلك فنحن مقدمون على كارثة. ورحّب ببيان مؤسسة النفط الليبية، ثم مفاوضات المغرب والقاهرة. واستدرك بالقول، جيد لكن نحن نرفض وضع إيرادات النفط المصدر الرئيس للدخل الوطني في حساب معلق حتى تتم عملية توافق سياسي شامل، الذي أثبتت التجربة أنه صعب ولا يخضع لإرادة الليبيين في كثير من الأحيان، ونرى أن الحل الأجدى والأسهل هو إعادة تشكيل إدارة مصرف ليبيا المركزي محل الخلاف بدلاً من رهن العائد الوطني الوحيد لتوافق وطني شامل قد يكون بعيد المنال.

وجاءت الانتفاضة الشعبية الليبية بعد اقتراب الاقتصاد من حافة الهاوية، مع تزايد فرص الانهيار الاقتصادي الشامل للنظام المصرفي الليبي، وبات على شفا الانهيار، جراء استمرار الهبوط الحاد للإيرادات الحكومية، إثر استمرار إغلاق منشآت النفط شرق وجنوب البلاد للشهر السابع على التوالي، بحسب المتخصصين في شؤون الاقتصاد الليبي.

11.4 مليار دولار عجزاً في ميزانية ليبيا

في 12 أغسطس الماضي، قال المصرف المركزي الليبي، إن عجز ميزانية البلاد بلغ 15.7 مليار دينار (11.4 مليار دولار) في الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي. وأرجع الأمر إلى تراجع حاد في إيرادات الحكومة من عائدات النفط بسبب إغلاق منشآت نفطية منذ بداية العام، وكذلك التراجع الحاد في الإيرادات غير النفطية بسبب تفشي جائحة كورونا.

وفقاً لبيانات المركزي الليبي، بلغ إجمالي الإيرادات حتى نهاية يوليو (تموز)، بما فيها الإيرادات النفطية  3.3 مليار دينار (2.43 مليار دولار) بانخفاض قدره 41 في المئة مقارنة بإجمالي الإيرادات المقدرة في الموازنة. في المقابل، قال المصرف المركزي إن إجمالي الإنفاق العام بلغ 19 مليار دينار (13.84 مليار دولار). موضحاً، أنه تمت تغطية العجز بقرض من المصرف المركزي بمقدار 15 مليار دينار (11 مليار دولار) إضافة إلى 1.2 مليار دينار (880 مليون دولار) من عائدات بيع النقد، حولها المصرف المركزي لتمويل مشروعات تنموية خصوصاً للمؤسسة الوطنية للنفط.

وأوضح أن خسائر البلاد جراء إغلاق المنشآت النفطية هذا العام بلغت 8 مليارات دولار، في حين بلغت إيرادات الضرائب والجمارك 392 مليون دينار (287 مليون دولار) بانخفاض 599 مليون دينار (438 مليون دولار) أو بنسبة 60 في المئة عن المقدر في الموازنة 991 مليون دينار (724 مليون دولار)، وتراجعت إيرادات النفط خلال الأشهر السبعة الماضية، حيث لم تتجاوز 2.2 مليار دينار (1.5 مليار دولار) واصفاً الرقم بالضئيل جداً مقارنة بالموازنة العامة للعام 2020، التي خصص لها قرابة الـ40 مليار دولار.

تراجع الإيرادات غير النفطية بنسبة 50 في المئة

وأشار المركزي إلى تدني الإيرادات السيادية غير النفطية (الضرائب وما في حكمها) 50 في المئة، كما بلغ العجز في إيرادات النقد الأجنبي 5.7 مليار دولار، تمت تغطيتها من احتياطي البنك.

ويشكل الإيراد النفطي نحو 95 في المئة من الموارد الليبية ويصل الإنتاج اليومي حالياً 90 ألف برميل يومياً مقارنة بـ1.2 مليون برميل يومياً قبل غلق الحقول والموانئ، وتدير الثروة النفطية الليبية مؤسستان حكوميتان، الأولى في طرابلس، ويعترف بها المجتمع الدولي وتذهب إليها إيرادات النفط حصراً، والثانية في شرق البلاد يصفها المجتمع الدولي بـ"الموازية"، وتجسيداً للانقسام السياسي يتبع المصرف المركزي البرلمان عام 2014 في مدينة البيضاء، ولكن احتياطيات ليبيا لا تزال في مركزي طرابلس والأخير هو المعترف به دولياً.

المؤسس السابق لسوق المال الليبية سليمان الشحومي، قال إن اقتصاد البلاد بات على حافة الهاوية مع تزايد فرص الانهيار الاقتصادي الشامل لكل من النظام المصرفي الليبي ومنظومة الحماية الاجتماعية الضعيفة، لافتاً إلى أن الجميع يتوقع قرب السقوط في الهاوية، بسبب ممارسة أطراف الصراع الليبي من حكومات ومصرف مركزي منقسم وشبه مشلول.

 

 

مفتاح  النفط هو الحل للأزمة الاقتصادية الليبية

وتابع الشحومي، أن مفتاح النفط هو الحل للازمة الاقتصادية الليبية، ولكنه متوقف أيضاً في ظل صراعات سياسية، مما يهدد الثروة النفطية أيضاً. مؤكداً أن الانهيار الأخير سيكون له آثار تدميرية على البنية الأساسية لمرافق الإنتاج والتصدير، مما ينعكس أيضاً على قدرة إنتاج وتوزيع الكهرباء التي هي بالأساس في أسوأ حالاتها رغم الإنفاق الضخم عليها، مما يهدد إنتاج الخبز والمياه والسلع الأساسية الليبية.

وأوضح، أن عودة النفط للإنتاج والتصدير يحتاج إلى تنازلات وتوافقات بين أطراف الصراع، لعل أهمها إرجاع عمليات المقاصة بين المصارف عبر المصرف المركزي في كافة أرجاء البلاد وحتى لا ينهار النظام المصرفي وتعجز البنوك أمام استفحال أزمة السيولة. وحول المصرف المركزي الليبي قال، إن طريقة عمل المركزي المنقسمة فشلت في الإصلاحات النقدية الحقيقية.

4 صدمات رئيسة سبب الأزمة الليبية

كان البنك الدولي أصدر تقريراً خاصاً عن ليبيا في أغسطس (آب) الماضي رصد فيه ما تعرض إليه الاقتصاد الليبي في الأشهر الأخيرة. وحصر الأزمة الليبية في 4 صدمات رئيسة متداخلة في المقدمة، منها صراع مكثف يخنق النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى إغلاق حقول النفط، ما أدى إلى توقف النشاط الرئيس المدر للدخل في البلاد، وانخفاض أسعار النفط، ما قلل الدخل في الحقول المنتجة المتبقية، إضافة إلى آثار وباء "كوفيد-19" الأمر الذي يهدد بمزيد من الأضرار. ووصف تقرير البنك الدولي الذي أعلن قبل قرار إعادة فتح حقول النفط  في 22 أغسطس الماضي ما تعرضت له ليبيا بأخطر أزمة سياسية واقتصادية وإنسانية منذ 2011، أثرت في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حتى تباطأ إلى 2.3 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وأضاف، أن ليبيا تعاني ركوداً عميقاً في العام الحالي، بعد سنوات من التضخم المرتفع،  بدأت الأسعار في التراجع في 2019، مشيراً إلى أن الدينار الليبي لا يزال يعاني في السوق الموازية بسبب حالة عدم اليقين السياسي وعدم استقرار الاقتصاد الكلي عندما خسر الدينار الليبي في النصف الأول من العام الحالي، فيها نحو 54 في المئة من قيمته، بعد قيود النقد الأجنبي التي نفذها مصرف ليبيا المركزي.

وعاد البنك ليتوقع أن يواصل مصرف ليبيا المركزي ترشيد الواردات، وخفض فوائض الحساب الجاري باطراد من 7.3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي خلال 2020 إلى 1.4 في المئة في 2022 لتستقر الاحتياطيات الأجنبية من العملات عند 91 مليار دولار خلال السنوات 2020-2022.

خسائر الإغلاق تخطت الـ8 مليارات دولار

وناشد مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، المسؤولين عن إغلاق الموانئ النفطية، التحلي بالمسؤولية والروح الوطنية والشعور بمعاناة المواطن، وإنهاء الإغلاقات غير القانونية لمنشآتها، لتتمكن المؤسسة من استئناف الإنتاج.

وأكد صنع الله، في بيان صحافي في أغسطس، أن قيمة خسائر النفط جراء الإغلاق تخطت الـ8 مليارات دولار، رافضاً تحويل المنشآت النفطية "للاستخدام العسكري"، ومهابط طيران في حقولها، حسب قوله.

عدم الاستقرار يحول دون الازدهار الاقتصادي

الرئيس الأسبق للمؤسسة الليبية للاستثمار محسن الدريجة قال، إن عدم الاستقرار الذي تشهده ليبيا يحول بينها وبين ازدهارها الاقتصادي، ذلك الحلم الذي كاد أن يصبح حقيقة بعد اكتشاف النفط نهاية الخمسينيات، وتحولت ليبيا إلى إحدى أكثر الدول نمواً في العالم خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

وأضاف، أن ليبيا التي كانت مكاناً لعمل مئات آلاف، بل ملايين المصريين الذين أسهموا في زراعة أرضها وبنائها وتعليمها لعقود غرقت في مستنقع الصراع المدعوم من خارجها، الذي لا يلقي بالاً لضياع هذه الفرص التنموية على شمال أفريقيا ككل،  فلا شك أن استقرار ليبيا ونموها سيوفر فرص عمل واستثماراً كبيراً في الصناعة والخدمات بمختلف أنواعها كبيرة، ستدفع بدورها عجلة التنمية في ليبيا مما سينعكس إيجاباً على دول الجوار.

 

 

مليونا موظف يحصلون على 60 في المئة من ميزانية الدولة

وأضاف أن الميزانية العامة أصبحت مثقلة برواتب موظفي الدولة، الذين تجاوز عددهم مليوني موظف تشكل رواتبهم 60 في المئة من ميزانية الدولة، وإذا أضفنا لها تكلفة دعم الوقود والكهرباء وصلت النسبة إلى 70 في المئة من ميزانية الدولة.

وأشار الدريجة إلى أن إغلاق النفط منذ نهاية 2013 وحتى 2016، ثم إعادة إغلاقه بداية هذا العام، أدى في مجمله إلى خسائر تقترب من ربع تريليون دولار، مصحوباً بإدارة موارد دون المستوى المطلوب أرهق المواطن الليبي. وأن الدين العام الليبي تجاوز 100 مليار دينار، وانخفضت احتياطيات العملات الأجنبية من 130 مليار عام 2012 (كانت 120 ملياراً عام 2011) إلى أقل من 60 مليار حالياً.

ولفت إلى أن الدينار الليبي كان يعادل 1.30 للدولار قبل 2011 وسقط ليصل إلى 9.70 للدولار نهاية عام 2017 ليستقر حالياً عند 6.30 للدولار، بينما انكمش الاقتصاد هذا العام بنحو 40 في المئة ولا يزال يتناقص مع نهاية هذا العام. وأكد أن الناتج القومي الليبي انخفض من 82 مليار دولار عام 2012 إلى 25 مليار دولار عام 2016 بينما سجل حالياً ما يقارب الـ40 مليار دولار.

53 مليار دولار ميزانية ليبيا في 2020

وفي مارس (آذار) الماضي، أعلن وزير الاقتصاد في حكومة الوفاق علي العيساوي، أن بلاده أُرغمت على تخفيض ميزانيتها بما يقارب الثلث بسبب الصدمة المزدوجة الناجمة عن وقف إنتاج النفط وخفض أسعاره. وقال في حديث سابق بعد إقرار الميزانية لوكالة الصحافة الفرنسية، "نواجه صدمة مزدوجة، تتمثل في وقف إنتاج النفط، وتراجع الأسعار، وسببها بشكل جزئي فيروس كورونا". وأوضح أن ميزانية عام 2020 طموحة وحُدّدت بنحو 55 مليار دينار (75 مليار دولار)،  مضيفاً، "لكننا أُرغمنا على تخفيضها إلى ما يقارب 38 مليار دينار (53 مليار دولار).

المزيد من اقتصاد