Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هزيمة خلافة داعش... كيف أُطيح مشروع "الدولة الإسلامية" العنيف وما قد يأتي بعده

باتريك كوبيرن توقع بروز التنظيم الإرهابي، وهو يكتب اليوم عن انكسار شوكته

المدينة القديمة في الموصل (رويترز)

إلى أيامها الأخيرة تمكنت الجماعة التي نصبت نفسها "دولة إسلامية" من البقاء في صدارة عناوين الأخبار، حتى مع خسارة مقاتليها معاركهم الأخيرة في سبيل السيطرة على القرى التي دمرتها القنابل في صحراء شرق سوريا. وعندما توعد متحدثهم الرسمي بالانتقام لمجزرة المسلمين في مسجدي كرايستشيرش، حُمل تهديده على محمل الجد.
ونظراً إلى سجل تنظيم داعش الحافل بالأعمال الوحشية، ليس مفاجئاً ألا يستخف أحد بقدرته على الانتقام بواسطة أتباعه الحاليين، ومعتنقي الإسلام حديثاً أو هؤلاء الذين يستغلون اسم التنظيم لبث الرعب في النفوس. وما تقدم ليس مجرد ارتياب غربي: ثمة من يتحدث في سوريا والعراق عن خلايا داعش النائمة التي تنتظر انبعاثها للانتقام.
وثمة جدل عقيم إلى حد كبير بشأن ما إذا كان أمر تنظيم داعش – وأراضيه امتدت من ضواحي بغداد إلى تلال مطلة على البحر المتوسط – انتهى إلى غير رجعة، كما يدعي دونالد ترمب. فهل يمكنه أن يولد من جديد إذا ما رُفع الضغط عنه؟ الجواب بسيط: قُضي على داعش بصفته جهاز دولة حكم ذات يوم ثمانية ملايين شخص، إلا أن الحياة قد تكتب له لكونه تنظيم عصابات إرهابياً.
زرتُ بغداد في يونيو (حزيران) 2014 عندما كان داعش يتقدم جنوباً نحو العاصمة، مستولياً على مدن وبلدات على غرار تكريت وبيجي من دون أن يتصدى له أحد. وبدا أن هزيمة الجيش العراقي شاملة، وطوال أيام لم تكن هنالك خطوط دفاعية تفصل بيننا وبين دوريات داعش المتقدمة. وأودت مجزرة بحياة 1700 متدرب شيعي في سلاح الجو على مقربة من أنقاض قصر من قصور صدام حسين على ضفاف نهر دجلة قرب تكريت.
أحرز  داعش مئة يوم من الانتصارات المذهلة في العراق وسوريا إلا أن امراءه لن يسعهم أبداً إحراز مثل هذا النصر من جديد. فعوض صبّ قواته كلها على احتلال بغداد، تحرك مقاتلوه شمالاً وهاجموا الإقليم العراقي الكردي الذاتي الحكم والشبه مستقل. وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها باستخدام قواتهم الجوية الكاسحة. وإذا كان لتنظيم داعش أية فرصة لتحقيق نصر ناجز، فهي سنحت وعبرت بسرعة كبيرة.
اعتمد نجاح تكتيكات داعش في المعارك الخاطفة عام 2014 بشكل كبير على قدرته على نشر الرعب في الانترنت من خلال بث أعماله الوحشية. كانت العائلات العراقية تشاهد تلك الفيديوهات وتطلب من أبنائها الجنود الهروب من الجيش وتجنب القتال. إن الاستيلاء المفاجئ على الموصل عام 2014 أوحى للكثير من السنّة العرب في العراق وسوريا بأن قوات الخلافة المزعومة تتمتع بمباركة إلهية. ولا شك في أن قادة داعش صدقوا ذلك.

لكن مع اقتلاع داعش الآن من ميدان المعارك، لم يبقَ في إمكانه أن يزعم تلقيه مباركة أو سنداً إلهياً. فواحدة من أكثر مزايا داعش الجاذبة – أي حيازته قوى شبه سحرية تضمن له النصر – قد تبددت. وحكم داعش لم يجلب على ثمانية ملايين عراقي وسوري حكمهم التنظيم ذات يوم، سوى الموت والدمار. أما معظم مناطق الرقة، وهي كانت بحكم الواقع عاصمة داعش السورية، وشطر كبير من الموصل، نظيرتها في العراق، فصارا ركاماً. وقضى عشرات الآلاف من العرب السنّة في البلدين جراء القصف الجوي والمدفعي بقيادة أميركا والذي سحق دفاعات داعش.
لكن هل في مقدور آلاف مقاتلي داعش المبعثرين، وتقول وزارة الدفاع الأميركية إنهم يختبئون في الصحارى الواسعة والمناطق شبه الصحراوية بين سوريا والعراق، إعادة تنظيم صفوفهم وشن هجوم مضاد يعتد به؟ فعلى الرغم من كل شيء، تبجحت الولايات المتحدة بإلحاقها ضربة قاصمة بـ"القاعدة" بعد تعزيز قواتها في العراق بين عامي 2007 و2009، و"القاعدة" لم تكن غير "داعش" تحت مسمى آخر. وتشير تقارير إلى أن قادة داعش يستلهمون خطابهم من تلك المرحلة قائلين إنهم عادوا في السابق وسيعودون مرة أخرى.

وليس مرجحاً أن تجتمع ظروف مؤاتية مرة أخرى على منوال يسمح لداعش بالانبعاث. فالتنظيم خسر عنصر المفاجأة ولديه عدد كبير من الأعداء الذين قد لا يحب بعضهم بعضاً، إلا أنهم يدركون ما يستطيع داعش فعله لو سنحت له أي فرصة. ففي 2014، تمتع داعش بقدر من التسامح والدعم، إلى حد ما، من دول سنّية مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر. لكن الأمور لم تعد على ما كانت عليه حينذاك.
لكن هذا لا يعني أن داعش انتهى أمره. فصحارى سوريا والعراق شاسعة ومن المتعذر مراقبتها كلها. قوات الاحتلال، أكانت قوات كردية في الرقة أم الجنود العراقيين الشيعة في المناطق السنّية من العراق، يمقتها ويكرهها السنّة العرب ويستطيع داعش الاستفادة من هذا السخط. وإن لم يكسب داعش من جديد الشعبية التي حظي بها يوماً في تلك المناطق، فإن صيت غضبه القاتل ذائع وقادر على نشر الرعب من دون أدنى جهد.

ولت أيام تنظيم داعش على الوجه الذي كان عليه. لكن هل يستطيع أن يتحول إلى شيء آخر؟ هزيمة داعش لا تعني هزيمة "القاعدة"، وكان تنظيم داعش نسخة عنها أو قريناً لها. هيئة تحرير الشام في شمال غربي سوريا، على الرغم من تغيير اسمها أكثر من مرة، كانت أكبر حركة جهادية أو حركة تحاكي "القاعدة" في البلاد. وفي غرب إدلب، في محافظات شمال حماه وغرب حلب، تمكنت الحركة هذه من طرد جماعات المعارضة المسلحة الأخرى. واليوم، لديها حوالي 50 ألف مقاتل وتسيطر على 3 ملايين شخص. وقد تنصّب "هيئة تحرير الشام" نفسها حليفةً لتركيا في الشمال السوري، وهذا ما يُتيح للحركة هذه، وهي على طراز "القاعدة"، البقاء.

لكن علينا ألا نطلق العنان لمثل تلك الاحتمالات وندعي أن معادلة "القاعدة" القديمة لشن الحروب – أي شن هجمات انتحارية باعتبارها فعل إيمان– تمتلك القوة التدميرية التي حازتها في السابق. الرئيس ترمب محق إلى حد كبير في اعلانه أن "الدولة الإسلامية" دُمرت، ولو راح يُكبّر دوره بشكل سخيف في أفولها.

© The Independent

المزيد من آراء