Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسماء مواليد الجزائر الجدد بين الموروث الشعبي والمسلسلات الدرامية

عادات وتقاليد المجتمع تغيرت ولم تعد هذه المهمة سهلة في ظل التداخل الحضاري والثقافي

بلدية سيدي موسى بالجزائر العاصمة (مواقع التواصل الاجتماعي)

قبل حوالى خمسة عقود أو ما يزيد، لم تكن عائلات جزائرية تجتهد كثيراً في تسميات لمواليدها الجدد، ففي معظم الأحيان تتيمّن بـ"السلف الصالح" أو تخلد ذكرى أحد المتوفين في العائلة، إلا أنه في السنوات الأخيرة، أصبحت التسمية تعكس واقع يتسم بصراع طبقات وتيارا

تقول "القايمة" المنحدرة من مدينة باتنة شرق الجزائر، إن اسمها يحمل من الغرابة ما يجعل سائليها كثيرين عن دلالته، إلا أن ارتباطه باسم جدتها الراحلة التي اشتهرت وسط أقاربها وأبناء منطقتها بـ"الطيبة والحكمة" يجعلها تفتخر به وهي تردده.

في حين تذكر هدى لـ"اندبندنت عربية" أن اسمها كان وليد "نزاع عائلي"، فتزامن يوم ولادتها مع شهر رمضان، حفّز عمها على تسميتها تبركاً بآية من القرآن الكريم رتلها الإمام في ذلك اليوم أثناء أداء صلاة التراويح، إلا أن والدها فضل اسم "نورة"، قبل أن تكون الغلبة للعم في النهاية.

خلفيات ومرجعية

في السياق، يسرد الكاتب والباحث الجزائري في الثقافة الشعبية مهدي براشد أنه "في القديم، كانت الأسماء الأكثر تداولاً لها علاقة بالمرجعية الدينية على اعتبار أنها المرجعية الوحيدة التي كانت لدى الجزائريين في فترة الاحتلال الفرنسي، فشاع اسم محمد وأحمد ومحمود وسيد أحمد وحميد وتصغيره حميده، أو ما يدل عليه مثل مختار والهاشمي نسبة إلى الرسول الكريم، مثلما شاع عبدالله، وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد الجليل، انطلاقاً من مقولة خير الأسماء ما حمد أو عبد التي شاعت أنها حديث للرسول الكريم".

يضيف "إلا أن جمهور المحدثين قال إن الحديث لا يصح عن الرسول ولا أصل له. أو بأسماء بعض الأنبياء مثل إسماعيل وإبراهيم ويوسف وعيسى وموسى" ويعقوب وداود، وإن كانت أسماء الأنبياء من بني إسرائيل قليلة بالنظر إلى موقف الجزائري من اليهودي".

وما يثير الانتباه، يتابع براشد لـ"اندبندنت عربية" أن في الجزائر شيوعاً لأسماء الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولكن أكثرها شيوعاً كانت علي، وقد قرنه الجزائريون بكلمة سيد، فسموا أبناءهم سيد علي"، ولعل الجزائريين، وحدهم، من سموا "سيد علي"، ومردّ ذلك إلى ما ترسب من المذهب الشيعي الذي كانت عليه الجزائر في القرن الثالث للهجرة (الإسماعيلية ثم الفاطمية)، لذلك لا يكاد يخلو بيت في الجزائر من اسم "فاطمة الزهراء" أو "فاطمة" أو "فطيمة" أو "فطوم" أو بصيغة التصغير "طيطمة" أو "زهرة" وتصغيرها "زهيرة" أو بتفخيمها "الزهور".

 تفاؤل وتطير

ليس هذا فقط، فبحسب مهدي براشد، فإن العائلة الجزائرية دأبت إذا رزقت بتوأم ذكر أن تسميهما "الحسن والحسين" كما سمى الجزائريون بأسماء أخرى للتفاؤل أو التطير، فسموا ناصر ومبروك والهادي وكمال وجميلة أو لإبعاد الحسد مثل "أمزيان" (الصغير) و"آكلي" (الأسود). هذه الأسماء اشترك فيها الجزائريون في كل مناطق البلاد، سواء كانوا بربراً أو عرباً، لكن كانت هناك أسماء خاصة بمناطق معينة، فشاعت في منطقة القبائل أسماء "جوهر" و"ويزة" و"ججيغه" (الزهرة) و"وردة" و"وردية" و"تسعديت" (سعدية بالأمازيغية)، مثلما شاع اسم "مقران" (الكبير) و"أمزيان" و"آكلي". وفي نهاية السبعينيات، ومع تصاعد الحركات المطلبية والثقافية (الحركة الأمازيغية)، بدأ سكان منطقة القبائل يسمون أسماءهم بأسماء الشخصيات الأمازيغية التاريخية "يوغرطة" و"ماسينيسا" و"كسيلة" و"كاهينا"، وكانت هذه الأسماء ممنوعة في الجزائر إلى غاية الثمانينيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ظهور المد الديني الأصولي، لجأت عائلات إلى تسمية أبنائها بأسماء شخصيات إسلامية من صحابة وقادة جيوش، فسموا "بلال" و"صهيب" و"أيوب" و"ياسر" وغيرهم، كما شاع اسم "إسلام" و"سيف الإسلام". وسائل الإعلام، خصوصاً التلفزة أثرت في ثقافة الجزائريين الذين كانوا يتابعون المسلسلات المصرية والسورية والتركية، فسمى الجزائريون بأسماء شائعة في مصر ولبنان وسوريا وحتى في إيران مثل "شهرزاد" و"شيراز" و"شريهان" و"شناز" و"شهيناز".

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت بكثرة الأسماء المركبة من اسم قديم واسم جديد، مثل "فطوم مريا" و"محمد يانيس" وغيرهما من التركيبات، التي تعكس أن هناك رغبة في إرضاء الأولياء، الأب أو الأم أو الجد أو الجدة أو تخليد ذكراهم مع إعطاء اسم جديد يناسب عصر الطفل. وعادة ما يدوّن هذا الاسم في الأوراق الرسمية لكنه لا يستعمل في الحياة اليومية وفي المناداة، يضيف مهدي براشد.

جدل في مصالح الحالة المدنية

وبناء على هذه المعطيات وفي ظل التطور المجتمعي المتسارع بحكم التقارب الجغرافي والتداخل الحضاري والثقافي، لم تعد تسمية المولود الجديد بالمهمة السهلة على الإطلاق، فباتت عائلات جزائرية كثيرة تبحث عن اسم مميز لأولادها، يدرجه البعض في خانة "التباهي والتفاخر"، ومن باب أن الاسم سيبقى لصيقاً بهذا الفرد إلى غاية وفاته، وحتى لا يسبب له الإحراج عندما يكبر، مثل أسماء "الطاووس" و"خوخة" و"العارم" و"علجية"، التي يبحث حاملوها عن استبدالها، أو يتخفّون وراء أسماء ثانية يضعونها لأنفسهم، ويبقى اسمهم الحقيقي حبيس الوثائق الإدارية.

وبحسب معلومات استقتها "اندبندنت عربية"، فإن مصالح الحالة المدنية باتت تشهد من فترة إلى أخرى، شجارات بين الأولياء وأعوان الإدارة الذين يجبرون العائلات على التقيّد بنص مواد قانون الحالة المدنية في الجزائر، والرجوع إلى المعجم الوطني لأسماء المواليد الجدد الذي يعود تاريخ صدوره إلى عام 1981 في تسمية الأطفال حديثي الولادة.

تأثيرات العولمة

ويقول محمد، أحد الأعوان في مصلحة الحالة المدنية بالعاصمة، لـ"اندبندنت عربية"، "القانون يشترط أن يكون الاسم جزائرياً مدوناً في المعجم الوطني للمواليد الجدد، إلا أن الأولياء يفضلون أسماء مستجدة كـ"دانيا" و"ميليندا" و"جوزيف" و"رستم" وغيرها من الأسماء الحديثة المستوحاة من الثقافات الغربية، وهو ما يضعنا في حرج. ويتدخل القضاء أحيانا للفصل في بعض الأسماء في حال حصول نزاع".

في السياق، يؤكد علال بوثلجة، رئيس بلدية سيدي موسى بالجزائر العاصمة، أن "عادات وتقاليد المجتمع الجزائري تغيرت في كل شيء وهو ما يسري على الأسماء، إذ باتت شهية العائلات مفتوحة على أسماء مختلفة من ثقافات متعددة".

ويضيف "هذا التطور الحاصل في العالم لا مناص منه، وهو من التأثيرات الطبيعية للعولمة، بينما كان من الأجدر على الدول العربية أن تعزّز حضورها في الجانب الثقافي، بدل الاكتفاء بلعب دور المتأثر بالثقافات الأخرى".

ويلفت بوثلجة إلى أنه من الضروري إعادة تحيين كل القوانين والمراسيم التي تجاوزها الزمن، قائلاً "نحن كإدارة، نبقى عاجزين في مرات كثيرة على تطبيق نصوص تشريعية تم سنّها قبل ربع قرن، في حين أن المجتمعات تتغير كل يوم".