Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إخراج حكومة لبنان من عنق الزجاجة أمام ساعات حاسمة

باريس تصر على التزام الاتفاق معها والثنائي الشيعي يتمسك بوزارة المال بعد العقوبات

باتت مهلة الـ15 يوماً المتفق عليها بين القيادات السياسية اللبنانية والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتأليف الحكومة اللبنانية الجديدة، تضيق أكثر فأكثر، بينما يلف الغموض الجهود من أجل حلحلة العُقد التي تعترض إخراج التشكيلة الحكومية إلى النور قبل الثلاثاء في الـ15 من سبتمبر (أيلول)، إذا احتُسبت المهلة منذ زيارة ماكرون في الأول من الشهر الحالي، أي بعد يوم واحد على تكليف السفير مصطفى أديب هندسة التشكيلة الحكومية وترؤسها.

ويخضع إخراج الحكومة العتيدة من عنق الزجاجة للعبة عض الأصابع وحافة الهاوية، بين الجانب الفرنسي والثنائي الشيعي (المؤلف من رئيس البرلمان نبيه بري وحزب الله)، الذي يصر على مطلبه بالاحتفاظ بحقيبة وزارة المال، خلافاً لإصرار أديب على اعتماد مبدأ المداورة في توزيع الحقائب بين الطوائف، بينما ترخي العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء الماضي الثامن من سبتمبر، على الوزير السابق للمال النائب علي حسن خليل (اليد اليمنى لبري) ووزير الأشغال والنقل السابق يوسف فنيانوس المقرب من رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، والحليف لحزب الله، بثقلها على المشهد السياسي في ظل تسريبات أميركية بقرب إصدار دفعة جديدة من العقوبات خلال الأسبوعين المقبلين على شخصيات لبنانية حليفة للحزب. وجاءت هذه العقوبات حسب وصف مساعد وزير الخارجية الأميركي للشرق الأدنى ديفيد شينكر "لتعاونهما وتآمرهما مع حزب الله لمنافع شخصية على حساب المؤسسات اللبنانية، وبسبب الفساد".

تكتم أديب ورصيد ماكرون

وفي وقت يستعين الرئيس المكلف بالصمت والتكتم على جهوده لاستيلاد الحكومة، ويتجنب التسريبات والتصريحات والإفصاح عن الاتصالات التي يجريها، فإن قنوات التواصل بين بيروت وباريس، المعنية على الأقل بتسريع إنجاز الحكومة العتيدة، أخذت تتكثف منذ دخول تكليف أديب أسبوعه الثاني، نظراً إلى أن ماكرون وضع رصيده السياسي على المحك كما قال في مقابلة له مع مجلة "بوليتيكو" قبل أسبوعين، بمراهنته على أن يتجاوب أركان الطبقة السياسية مع جهوده لإنقاذ لبنان من الانهيار الاقتصادي الكامل بعد الانفجار الكارثي الذي وقع بمرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) الماضي، الذي زاد التوقعات حول المالية العامة في لبنان تشاؤماً.

فالخلافات السياسية بين الأفرقاء اللبنانيين، المعطوفة على الصراعات الإقليمية وحاجة حزب الله إلى ضمان الأرجحية في السلطة التنفيذية مع حلفائه، لتغطية انخراطه المسلح في عدد من حروب إيران في المنطقة، كانت تفرض تأخيراً في تأليف الحكومة، وجرت العادة خلال العقد الأخير أن تستغرق سبعة أو ثمانية أشهر، حتى بلغت 11 شهراً عام 2013 (حكومة الرئيس تمام سلام) نتيجة التنافس على المواقع والحقائب وإدارة حزب الله التناقضات لمصلحة حليفه رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الطامح على الدوام للاستفراد بالتمثيل المسيحي من أجل توظيف النفوذ في رغبته بخلافة عمه في الرئاسة الأولى في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022.

وكان تأخير وتعطيل تأليف الحكومات سبباً رئيساً من أسباب ترهل الوضع الاقتصادي واهتراء المؤسسات اللبنانية واضمحلال الرقابة على أدائها، في وقت لم يعد المأزق الحالي الذي بلغته الأزمة السياسية الاقتصادية يسمح بترف إضاعة الوقت. فمصرف لبنان أبلغ كبار المسؤولين قبل ثلاثة أسابيع أن الاحتياطي النقدي المتبقي لديه لمواصلة دعم استيراد المواد الأساسية، أي المحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية والطحين، يكفي ثلاثة أشهر فقط، ما ينذر بكارثة معيشية وصحية، في ظل انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية زهاء خمسة أضعاف، وشح العملة الأجنبية في السوق المالية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وضع روزنامة تحرك دولي، لتأمين مساعدات مالية عاجلة للبنان تحول دون هذا التدهور، في مؤتمر دولي يدعو إليه في النصف الثاني من الشهر المقبل، بالاتكال على الوفاء بتشكيل الحكومة خلال مهلة الـ15 يوماً، كي تتخذ مع البرلمان مجموعة قرارات بالإصلاحات السريعة المطلوبة خلال ستة أسابيع. ما يسمح بإقناع الدول الغربية والعربية المانحة التي كانت تشترط الإصلاحات، بتقديم جرعة دعم مالي للبنان، كي يصمد ريثما يتابع تنفيذ خطة التعافي المالي والاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، فشلت الحكومة السابقة في إطلاقها.

مبادئ تكرست خلافاً لرغبات عون وباسيل

وأنجزت الاتصالات التي يقودها الرئيس المكلف أديب جملة من المبادئ التي كانت موضوع تباينات:

حُسِم مبدأ الحكومة المصغرة من 14 وزيراً التي أصر عليها أديب بعدما كان الرئيس عون طالب مع الثنائي الشيعي بأن تكون موسعة من 20 - 24 وزيراً. وقطع ذلك الطريق على مطالبة عون وباسيل بتوزير من يقترحان من أجل الحصول على حصة في الحكومة، بحجة أن رئيس الجمهورية يحتاج إلى فريق وزاري يعمل معه.

تثبيت عدم تولي من يسميه "التيار الوطني الحر" حقيبة الطاقة التي تسلمها "التيار" خلال العقد الماضي، وفشل في إحداث أي تقدم في معالجة أزمة الكهرباء، إذ يعول المجتمع الدولي على أن يكون هذا القطاع أولوية الأولويات في الإصلاحات. ويساند أديب في استبعاد "التيار" من حقيبة الطاقة الجانب الفرنسي قبل تسمية أديب لتأليف الحكومة. كما أن الإصرار على رفض تسمية عون وباسيل وزراء في حقائب الخارجية والدفاع والعدل دفع بـ"التيار الحر" إلى تأكيد أنه لن يشارك في الحكومة، بعدما كان باسيل قد سرب انتقادات لعدم اتصال أديب به. فالأخير يعتمد أسلوباً جديداً في التأليف لا يقوم على استرضاء القوى السياسية، بل على ممارسة صلاحياته في عملية التأليف وفق الدستور، على الرغم من طلب الرئيس عون منه أن يتواصل مع باسيل، كما جرت العادة عند تأليف كل حكومة.

 تكرس الاتفاق على أن تكون الحكومة من الاختصاصيين ذوي الكفاءة غير الحزبيين، لتتمكن من العمل بانسجام بين أعضائها، على أن لا تكون مستفزة للأحزاب. ومع تثبيت حق الرئيس المكلف بتعيين من تتوافق سيرتهم مع هذه المعايير فإنه سيأخذ برأي الرئيس عون بهم، رداً على تسريبات تنتقد اقتصار التشاور معه كشريك في تأليف الحكومة كونه سيوقع مرسوم إصدارها، على اجتماع واحد عقده الأسبوع الماضي.

كما أن تسمية وزراء من الطوائف الأخرى ستخضع إلى نوع من التشاور، للتأكد من أن الأسماء التي ستطرح لتوزيرها لا تشكل حساسية لأي من الزعامات. ويعاون أديب في الاتصالات الجارية في الكواليس في هذا الصدد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي.

وفي وقت تقول مصادر "التيار الحر" إن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري يتدخل أيضاً في تأليف الحكومة مع أديب كونه من سماه، فإن أوساط الحريري تلتزم الصمت إزاء تسريبات كهذه بهدف قطع الطريق على اتهام زعيم "المستقبل" بخرق الاتفاق على اختيار وزراء مستقلين. وجل ما تسرب عن الأسماء التي أخضعها أديب للغربلة في الأيام الماضية أن الخيار سيقع على مجموعة من الأشخاص الناجحين، عدد منهم يعمل في الخارج، وسيشكل الإعلان عنهم مفاجأة إيجابية للرأي العام.

إصرار شيعي على وزارة المال يخرق "المداورة"

إلا أن الاتفاق على مبدأ المداورة في توزيع الحقائب على الطوائف لم يتحقق على الرغم من أن بعض القوى السياسية التي اجتمعت مع ماكرون خلال زيارته بيروت تحدثت عن التوافق عليه، لم يصل إلى خواتيمه، وبقيت العقدة المتعلقة بمطلب الثنائي الشيعي الاحتفاظ بحقيبة المال لوزير من الطائفة من دون حل. فالمفاوضان عن الثنائي النائب خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل عقدا اجتماعاً وحيداً مع الرئيس أديب في الخامس من سبتمبر، وقالا لا اعتراض على مبدأ المداورة في توزيع الحقائب، لكن مع استثناء حقيبة المال التي يجب أن تؤول إلى وزير من الطائفة الشيعية، لكنهما لم يحصلا على جواب إيجابي منه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع أن بري يعتبر الاحتفاظ بالمال عرفاً تكرس بالممارسة بعد اتفاق الطائف (لم يرد في الدستور)، لأنها مسألة ميثاقية تعطي الطائفة الشيعية حق التوقيع الثالث في السلطة التنفيذية، إضافة إلى توقيعي رئيس الجمهورية الماروني، ورئيس الحكومة السني، لأن غالبية المراسيم التي تصدر في الدولة اللبنانية تتطلب توقيع وزير المال ومعظمها يرتب أعباءً مالية.

لكن رؤساء الحكومة السابقين شددوا على أن تكريس حقيبة وزارية لطائفة مخالف للدستور، وأن التوزيع الطائفي للمناصب في المؤسسات الدستورية يقتصر عرفاً على الرئاسات الثلاث وللطائفة الشيعية رئاسة البرلمان، بينما توزيع الحصص الطائفية داخل الحكومة ليس مرتبطاً بالحقائب الوزارية، بل بحجم الحكومة.

وكان الرئيس الحريري وكذلك الرئيس فؤاد السنيورة قد أكدا أن تولي حقيبة المال من قبل وزير شيعي هو اتفاق سياسي وليس عرفاً ميثاقياً. وأشارت مصادر قيادية في تيار "المستقبل" إلى تولي حقيبة المال بعد الطائف من وزراء غير شيعة، مثل جورج قرم وجهاد أزعور (مارونيان) وإلياس سابا (روم أرثوذكس)، وفؤاد السنيورة وريا الحسن (السنة) منذ أواخر التسعينيات، وأن إيكال الحقيبة إلى الطائفة الشيعية بعدها جرى بحكم الأمر الواقع السياسي وليس تكريساً لعرف.

واقتضت عقدة إصرار الثنائي الشيعي على بقاء حقيبة المال في عهدة وزير شيعي تدخلاً من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اتصل ليل السبت في 12 سبتمبر بالرئيس بري للتوسط لديه كي يقبل بأن تشملها المداورة في توزيع الحقائب على الطوائف، إلا أن المعلومات الأولية التي رشحت عن الاتصال أفادت أن بري لم يبدل موقفه حيال مطلبه استثناء المال من المداورة. ما يعني ترجيح بقاء المراوحة في تأليف الحكومة.

تشدد بري والعقوبات ومن يسمي الوزراء؟

زاد تمسك الرئيس بري بحقيبة المال بعد العقوبات الأميركية التي طالت الوزير السابق خليل (والوزير الحليف القريب من حزب الله فنيانوس)، معتبراً أن وضع وزير المال السابق على لائحة "أوفاك" يستهدفه شخصياً، وهو موجه ضد المبادرة الفرنسية، وللضغط على موقف لبنان من ترسيم الحدود البرية والبحرية، التي سيزور السفير شينكر بيروت أواخر الشهر من أجل تثبيت الاتفاق على آليتها. وذهب رئيس البرلمان إلى حد القول لزواره إنه مستعد لتسمية وزير شيعي للمال غير حزبي، فإذا رفضه الرئيس المكلف يسمي غيره، إلى أن يقبل بالمرشح الذي يقتنع به، مصراً على أن يكون شيعياً، "وإلا فليشكلوا الحكومة من دون الشيعة".

وبينما اعتبر مراقبون أنه يفترض بالثنائي الشيعي أن يسهل أمر تأليف الحكومة تجاوباً مع مبادرة ماكرون طالما يرى أن العقوبات موجهة ضدها لتبيان موقف الرئيس الفرنسي مع الموقف الأميركي التصعيدي حيال حزب الله ومن يتعاون معه، شارك حزب الله على لسان نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في التشدد بالقول "إننا لا نقبل بصيغة حكومة المستقلين، لأن لا أحد في لبنان ليس له انتماء سياسي، أو محايد". وعكس هذا التصريح رفضاً لأن يسمي الرئيس المكلف الوزراء الشيعة من الاختصاصيين، وتمسكاً بأن يسمي الحزب وبري هؤلاء حتى لو كانوا غير حزبيين.

باريس راقبت العراقيل و3 احتمالات

رافقت باريس كل ما كان يدور عبر اتصالات رئيس المخابرات الخارجية السفير السابق في بيروت برنار إيمييه، والمستشار الأول لماكرون السفير السابق في بيروت أيضاً إيمانويل بون. وسعى المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، الذي له صلة دائمة مع إيمييه، في زيارة لساعات إلى باريس في التاسع من سبتمبر، من أجل معالجة تلك العقبات. ومع التكتم الشديد على مهمته، قالت مصادر سياسية لبنانية على صلة مع الجانب الفرنسي إنه نقل مطلباً بتمديد مهلة التأليف، إذ كان ماكرون قد قال إنه سيكشف من عرقل ولادة الحكومة إذا لم يتم التزام الاتفاق حولها، لكن باريس رفضت، مع أنها قد تتساهل إذا أخذ التأليف يوماً أو يومين إضافيين. وإزاء طلب استثناء حقيبة وزارة المال من مبدأ المداورة دعت باريس إلى عدم إقحامها في التفاصيل، وأن ما يهمها الاتفاق مع الرئيس المكلف، شرط أن لا يؤثر ذلك في المداورة في سائر الحقائب الوزارية. كما أن اللواء إبراهيم استفسر عن العقوبات المقبلة التي يمكن أن تطول شخصيات أخرى في ظل تردد معطيات عن أنها قد تشمل مقربين من الرئيس عون، لكن المسؤولين الفرنسيين أوضحوا أنهم لا يعرفون من ستستهدف. لكنهم أكدوا أن إفشال تأليف الحكومة وخريطة الطريق ستكون تكلفته عالية جداً على لبنان واللبنانيين اقتصادياً ومالياً وسياسياً.

وعليه، تبدو الساعات الـ72 المقبلة حاسمة بالنسبة إلى إنجاز الحكومة، وسط تأرجح الاحتمالات بين ثلاثة اتجاهات:

أن يقبل الرئيس أديب بإبقاء حقيبة المال للطائفة الشيعية، لكن على أن يسمي هو الوزير الذي سيتولاها، ويجري التفتيش عن اسم لا يرفضه بري.

أن يواصل أديب رفض مطلب الثنائي الشيعي منعاً لتكريس حقيبة وزارية لطائفة، وأن يقدم تشكيلة وزارية لرئيس الجمهورية فإذا رفض توقيعها يعتذر عن تكليفه بدعم من رؤساء الحكومات السابقين، الذين كانوا اتفقوا معه على هذا الاحتمال عند تسميته.

أن يقدم الثنائي الشيعي تنازلاً للجانب الفرنسي، من أجل الاحتفاظ بعلاقة إيجابية معه، نظراً إلى تمايزه عن موقف الإدارة الأميركية من حزب الله.

المزيد من تقارير