Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيضان اقتصادي يعيق الإعمار وتوطين المنكوبين في السودان

أزمة انهيار الجنيه مقابل الدولار دفعت الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ

على الرغم من سرعة مفاجئة فيضان النيل وما ألحقه من خسائر فادحة على صعيد الأفراد والمرافق والخدمات، التي تقدر بمليارات الجنيهات السودانية، وهي أرقام تفوق إمكانات ومقدرات الحكومة الانتقالية، لكن تسارع وتيرة انهيار العملة المحلية (الجنيه السوداني) مقابل الدولار والذي قفز بمعدلات قياسية ببلوغه 260 جنيهاً سودانياً للدولار الواحد، في حين يبلغ سعره في المصارف الرسمية 55 جنيهاً، هو ما أجبر الحكومة السودانية على اتخاذ إجراءات طوارئ اقتصادية متشددة لوقف هذا الانهيار المتواصل للاقتصاد. وبدأت التساؤلات تكثر حول كيفية إيفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه هؤلاء المتضررين من كارثة السيول والفيضانات.

يقول أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية حسن بشير محمد نور، لـ "اندبندنت عربية"، "أسباب كثيرة أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد حتى بلغ هذا المستوى المتدني، من أهمها تأخر الحكومة الانتقالية في حسم الكثير من الملفات المهمة والمؤثرة من الناحية الاقتصادية، كما أضاعت الدولة ممثلة في وزارة المالية وقتاً ثميناً في اتخاذ القرار المناسب، ما مكن جهات معادية للثورة من ترتيب صفوفها من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم. عدا أن حالة الخذلان التي تعرضت لها الحكومة من الولايات المتحدة الأميركية أضرت كثيراً على صعيد أصدقاء السودان، وجعلتهم يحجمون عن دعم الحكومة بالصورة المطلوبة، وبالحماسة ذاتها التي أظهروها عقب الثورة وخلال اجتماعاتهم الأولى نتيجة ضبابية الموقف الأميركي، فضلاً عن أن السياسات الاقتصادية التي وضعتها الحكومة منذ البداية بنيت على توقعات خاطئة، واعتمدت على المنح الخارجية، ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والدعم والمساعدات التي وعد بها الاتحاد الأوروبي، أدت إلى موازنة عامة غير منطقية".

وتابع "كذلك من أسباب التراجع الاقتصادي ما حدث من خلاف بين وزارة المالية وقوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة حول البرنامج الاقتصادي الإسعافي للفترة المقبلة، إضافة إلى أن تنمية الموارد لم تكن بصورة جيدة، كما أن هناك كثيراً من القوانين ذات العلاقة لم تعدل بشكل صحيح، ناهيك عن البطء الذي صاحبها، ثم جاءت جائحة كورونا لتتسبب بضرر في موارد ميزانية الدولة".

وأشار إلى أنه من غير المجدي مطاردة سعر الصرف، وأن أي تعديل لسعر الصرف التأشيري سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية مقابل الجنيه السوداني، وهذا ما حدث بالفعل بصعود الدولار يومياً نظراً لقلة الموارد والنقد الأجنبي. كما أسهم في ذلك أيضاً عدم ضبط حصائل الذهب بالشكل المطلوب، وعدم السيطرة على عمليات التهريب في الحدود والمطارات والموانئ، وهو ما يتطلب إعادة النظر في السياسات المتبعة.

رؤية معمارية

وحول ما اتخذ من إجراءات بموجب الطوارئ الاقتصادية للحد من التدهور وما سمّته الحكومة السودانية بالحرب على الاقتصاد من قبل جهات معادية، أجاب نور "أنا غير مؤمن بالإجراءات الأمنية لوقف التدهور الاقتصادي، فهي إجراءات قد تساعد لفترة محدودة، ولكن غير كافية لتحسين عجلة الاقتصاد، وبشكل عام علينا أن ننتظر البيان بالعمل وليس بالأقوال، فإذا كانت فعلاً إجراءات مجدية فإن نتائجها يجب أن تظهر خلال الأسبوع المقبل، فهو موضوع اختبار ونتمنى أن تنجح هذه الإجراءات، لكن في رأيي لا بد أن تكون مصحوبة بجملة من الإجراءات الاقتصادية في جوانبها المالية والاقتصادية".

وفي ما يتعلق بأثر الأوضاع الاقتصادية في مسألة إعمار وتوطين وتعويض المتضررين من السيول والفيضانات، أوضح أستاذ الاقتصاد السياسي، "بلا شك أن السيول والفيضانات شكلت ضغطاً على الحكومة الانتقالية كونها ملزمة بتقديم التعويضات اللازمة للمواطنين المتضررين. فقد كانت أثارها بالغة وربما أضرّت بموسم الصيف، إذ تأثرت بعض المحاصيل الزراعية بخاصة السمسم، لكن الحلول يجب أن تكون بالتنمية المستدامة، ومحاربة الفقر والتنمية العمرانية، لأن معظم المتضررين يقطنون على ضفاف النيل ومجاري الأودية، فضلاً عن أن غالبية مساكنهم هشة مبنية من الطين، فلا بد من رؤية معمارية، وإيجاد تنمية في مجال البنى التحتية والخدمات الاجتماعية والصحة والتعليم، من خلال رفع قدرات القطاع الخاص واستقطاب المجتمع الدولي".

المتاجرة والمضاربة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، علق الباحث الاقتصادي السوداني الدكتور هيثم محمد فتحي في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، بالقول "من أهم أسباب تراجع قيمة الجنيه مواصلة الدولة الاستدانة من البنك المركزي، وطبعها بشكل متواصل أوراقاً مالية من دون تغطية نقدية، وعدم استقرار سعر الصرف الذي يؤدي بدوره إلى استقرار عملة الجنيه، إلى جانب اعتماد ميزانية البلاد بشكل أساسي في إيراداتها من الضرائب والجمارك، فضلاً عن عدم وجود إنتاج حقيقي متنوع". وأوضح أن الحكومة لم تسعَ في اتجاه تحسين الميزان التجاري.

وأضاف "في تقديري أن الحديث المتداول، بخاصة من قبل المسؤولين في الدولة، بأن ما يحدث من ارتفاع لسعر الدولار مقابل انخفاض قيمة الجنية السوداني هذه الأيام بسبب المتاجرة والمضاربة في العملة، قد يكون صحيحاً في جزئية محدودة، لكن هلعاً أصاب عامة الناس ودفعهم لاستبدال أموالهم بالدولار حتى تحفظ قيمتها، فضلاً عن أثار جائحة كورونا التي تسببت في الكساد، وغيرها من العوامل. لكن هذا الوضع يفرض على الحكومة السودانية اتخاذ إجراءات واقعية وحقيقية من أهمها القضاء على العجز في الموازنة، وزيادة الإنتاج في الأنشطة والقطاعات، بخاصة المجال الزراعي، وتقنين الصرف الحكومي واستقطاب استثمارات خارجية ومدخرات وتحويلات المغتربين".

العرض والطلب

وأشار فتحي في تعليقه على إجراءات الطوارئ الاقتصادية إلى أن التجارب المختلفة، سواء في السودان وغيره، أثبتت أن كل المعالجات الأمنية غير مجدية في حل مشكلة انهيار الجنيه أمام الدولار. فمن المعروف أن تحديد سعر الصرف للدولار يبنى على سياسة الطلب والعرض، وهي آلية لا علاقة لها بالمعالجات الأمنية.

وبشأن تأثير تدني الوضع الاقتصادي في الدعم المتوقع أن تقدمه الحكومة الانتقالية لمنكوبي الفيضانات، يقول فتحي "ما خلفه الفيضان من خسائر كان كبيراً، نظراً إلى أن منسوب مياه النيل كان عالياً، بالتالي الكوارث المترتبة على ذلك أكبر من طاقة الدولة السودانية، وفي نظري لولا جائحة كورونا لكان المجتمع الدولي أرسل مساعدات كبيرة"، مشيراً إلى أن هذه الفيضانات أثرت في الموارد الزراعية والتعدينية والصناعية والبنى التحتية، وسيظل مستمراً حتى نهاية موسم الخريف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وبالإمكان أن تواصل الحكومة جهودها مع المنظمات والمجتمع الدولي للمساعدة في دعم متضرري هذه الفيضانات.

المزيد من تقارير