Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوكاشينكو في مهب العاصفة وموسكو تنتفض لإنقاذه من براثن "الثورات الملونة"

رئيس بيلاروسيا يعترف بأن شعبه ملّ رؤيته ويكشف عن مخاوف بوتين من أن يخلفه في "رئاسة روسيا"

لوكاشينكو خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات الرئاسية في 9 أغسطس 2020 (أ ف ب)

عاد ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا لينشد دعم موسكو ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد فاصل من "الملاسنات" اللفظية التي سمح لنفسه بها قبيل الانتخابات الرئاسية الماضية، في إطار ما وُصِفَ آنذاك بمحاولة تنويع السياسات، ودحض مزاعم الارتماء في أحضان موسكو.

وكشف لوكاشينكو عن حاجته إلى دعم "الشقيقة الكبرى"، محذراً من أن "ضياع بيلاروسيا"، مقدمة لاحتمالات ضياع روسيا. ومن هنا تكون الزيارة المرتقبة التي يعتزم رئيس بيلاروسيا القيام بها إلى روسيا، ذات مغزى متعدد الدلالات، عميق المضامين، متباين التوجهات. وبعد تردّد طال لما يزيد عن الأسبوع تضاربت فيه التصريحات عن موعد الزيارة الأولى للوكاشينكو إلى الخارج منذ الإعلان عن "فوزه" في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، اليوم الجمعة، أن الزيارة ستتمّ الاثنين المقبل في 14 سبتمبر (أيلول) الحالي، قائلاً إن الرئيس الروسي سيبحث مع ضيفه البيلاروسي "مجمل قضايا العلاقات الثنائية وفي مقدّمتها قضايا التعاون التجاري الاقتصادي بما في ذلك الديون المستحقة على بيلاروسيا وأسعار الطاقة وقضايا التكامل بين البلدين".

وفيما يبدو أن الكرملين بحاجة إلى استيضاح أبعاد الموقف وما يمكن أن تنتهي عليه مظاهرات بيلاروسيا التي تتواصل للشهر الثاني على التوالي، منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في العاشر من أغسطس (آب) الماضي، عاد لوكاشينكو إلى محاولات خطب ود موسكو عبر ضيوفه من الصحافيين الروس من ممثلي قنوات التلفزيون المركزية ومعهم رئيسة تحرير شبكة "روسيا اليوم"، ممن أوفدهم الكرملين لاستيضاح أبعاد الأوضاع في بيلاروسيا ومدى حقيقة ما يبطنه رئيسها متقلب الأطوار، شديد الشكيمة، قوي العزيمة الذي تمرس في النسق الأعلى للسلطة لما يزيد عن 26 عاماً.

كانت الأوضاع تتزايد حدةً وتوتراً، على وقع تكثيف ضغط مواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات "تويتر"، و"تلغرام" و"نيختا" اللتين يديرهما من بولندا المجاورة شابان من بيلاروسيا، أحدهما حصل على الجنسية البولندية، والثاني في سبيله إلى الحصول عليها، في توقيت مواكب لحادث اختفاء مرشحة الرئاسة السابقة عازفة الفلوت ماريا كوليسنيكوفا، ثم ظهورها على مقربة من الحدود الأوكرانية بعد فشل محاولة هروبها إلى أوكرانيا في إطار عملية اتسمت بالكثير من الإثارة المفتعلة في بعض جوانبها.

يقول لوكاشينكو إن بولندا تدير حملاتها المعادية عبر ألفين من الطلبة الشباب الذين سبق وأوفدهم للدراسة في البلاد التي أعادتهم بدورها إلى بيلاروسيا بحجة فيروس كورونا، فيما تقف وراء تحركاتهم اليوم في منطقة جرودنو الحدودية مع بولندا، وتبارك رفعهم للأعلام البولندية في إشارة إلى رغبة اقتطاع هذه المحافظة وإعادتها إلى التبعية البولندية، كما كان عليه الحال قبل الحرب العالمية الثانية. 

ومن اللافت أن جماهير المعارضة عادت بدورها لتغير الكثير من شعاراتها، في إطار أقرب إلى التكتيك منه إلى الاستراتيجية، وإعلان أنها لم تكن تقصد "القطيعة" مع روسيا، وهي التي رفعت صراحة شعارات "التراجع عن دولة الاتحاد مع روسيا"، والخروج من معاهدة الأمن الجماعي" مع روسيا وعدد من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق والتوجه صوب الانضمام إلى كل من الناتو والاتحاد الأوروبي، والخروج من معاهدات التكامل الاقتصادي الأوروأسيوية، وغير ذلك من الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعها لوكاشينكو منذ نهاية تسعينات القرن الماضي مع روسيا وبلدان الفضاء الأوروأسيوي. 

ولم يكن غريباً أن يأتي ذلك أيضاً مواكباً لتراجع لوكاشينكو عن غزله مع الغرب خصماً من رصيد حساباته ومواقعه "الاتحادية" مع روسيا. ولم تكن موسكو بدورها لتغفل مثل هذا التحول. وذلك ما أكده قسطنطين سيمونوف مدير صندوق أمن الطاقة الوطني في تصريحاته إلى جريدة "فزجلياد" التي قال فيها "إذا فكرنا بشكل منطقي، فإن لوكاشينكو وصل إلى طريق مسدود. الآن، يمكن أن يطلب البعض منه ما بقي من أملاك الدولة، والإصرار على تكثيف عمليات التكامل، والعودة إلى موضوع مركز صك عملة موحد. 

من ناحية أخرى، من الواضح أن لوكاشينكو نفسه قد فاقم الوضع بشكل حاد، وإذا تم اتخاذ قرارات من هذا النوع، فسوف تصبح بمثابة قطعة قماش حمراء، لن تؤدي إلا إلى تنشيط الاحتجاجات والتسبب في إشاعة مشاعر العداء السافر في بيلاروسيا ضد روسيا. ولعل ذلك تحديداً يمكن أن يكون تفسيراً لسلسلة الاتصالات المكثفة التي شهدتها علاقات الجانبين، بداية من زيارة فلاديمير ماكيي وزير خارجية بيلاروسيا لموسكو ومباحثاته مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وزيارة ميخائيل ميشوستين رئيس الحكومة الروسية لمينسك ولقاءاته مع لوكاشينكو ورئيس حكومته. 

وعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي صدرت عن الجانبين حول مضمون واتجاهات هاتين الزيارتين، فضلاً عن الاتصالات الهاتفية الخمس التي جرت بين الرئيسين بوتين ولوكاشينكو، فان هناك من الشواهد ما يقول إن الجانبين يحاولان التوصل إلى الحلول المنشودة التي تكفل نزع فتيل التوتر، وإعادة الأوضاع إلى سابق مجاريها، عبر ما يصلان إليه من حلول وسط تراعي المتغيرات التي شهدتها بيلاروسيا خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب ما يتعلق بتواصل المباحثات حول استكمال إجراءات التكامل بين البلدين بموجب معاهدات "الدولة الاتحادية".

وفي هذا الصدد يتوقف المراقبون عند الكثير مما ذكره الصحافيون الروس الأربعة الذين أوفدتهم موسكو إلى مينسك لسبر أغوار لوكاشينكو من جانب، وقياس رد فعل أوساط المعارضة ومن يقف وراء دعمها وتمويلها في الخارج من جانب آخر. ولعل أبرز ما ذكره لوكاشينكو في هذا الصدد يتعلق باستعادة ما تضمنته معاهدات "الدولة الاتحادية" الموقعة في نهاية تسعينات القرن الماضي، إلى جانب تهديداته المبطنة وتحذيراته التي قال فيها إن الهدف النهائي لما تشهده بلاده من اضطرابات هو روسيا. وقال إن ما وصفه "بخط الوقاية والدفاع الذي تحاول الدوائر الغربية "إحكام حلقاته" بضم بيلاروسيا إلى بلدان البلطيق الثلاثة وبولندا وأوكرانيا، يستهدف حصار روسيا، بما يعني ضمناً تحفيز القيادة الروسية إلى تنشيط جهودها للذود عن حليفتها بيلاروسيا، وسرعة تنفيذ ما جرى توقيعه من معاهدات. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعاد إلى الأذهان ما قيل في تسعينات القرن الماضي إبان سنوات حكم الرئيس البيلاروسي السابق فياتشيسلاف شوشكيفيتش، أحد الزعماء الثلاثة مع كل من الرئيسين الروسي بوريس يلتسين، وليونيد كرافتشوك الذين وقعوا معاهدات "بيلوفجسكويه بوشا" في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1991 وكانت الأساس العملي الذي استندت إليه عملية انهيار الاتحاد السوفييتي، حول ضرورة إحكام حلقة الحصار حول روسيا.

وكان شوشكيفيتش قبل التعاون مع الرئيس الأمير كي الأسبق بيل كلينتون في عملية "بناء الخط الوقائي الراسي" الذي يشمل بلدان البلطيق وبيلاروسيا وبولندا وأوكرانيا الذي أشرنا اليه عاليه. وقال صراحة إن الكثير من بنود هذه المعاهدات قيد التطبيق، ولا معارضة لاستكمال ما بقي منها، لكن النقطة الأهم التي يبدو في حقيقة الأمر أن الغموض يكتنف الكثير من جوانبها، وتثير حفيظة الرئيس الروسي، هو ما يتعلق بتداول السلطة بين زعيمي البلدين في رئاسة الدولة الاتحادية. 

وكان لوكاشينكو سبق وأماط اللثام عن بعض ما دار في هذا الشأن ومنه ما يتعلق برفض بوتين تداول السلطة مع لوكاشينكو. وذلك ما قاله رئيس بيلاروسيا رداً على سؤال لأحد مضيفيه من الصحافيين بشأن رفض الجانب الروسي أن يسلمه " طاقية مونوماخ" - رمز السلطة في روسيا الكبرى منذ عهود القياصرة - المطرزة بالذهب والياقوت والأحجار الكريمة، والمحفوظة حتي اليوم في متحف القياصرة في الكرملين.

أضاف لوكاشينكو أن روسيا لم تلتزم باتفاقيات "الدولة الاتحادية وعقد اجتماعات المجلس الرئاسي". على أن ذلك لم يمنع لوكاشينكو من الاعتراف بأن بقاءه في السلطة لمثل هذه المدة الطويلة، أثار الكثير من مشاعر الملل لدى مواطنيه، ممن سئموا رؤيته كثيراً على شاشات التلفزيون، وفي صدارة ما يصدر من صحف ومطبوعات في بيلاروسيا على حد قوله. وأشار إلى استعداده لتنفيذ ما كشف عنه قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة عن جملة من الإصلاحات الدستورية التي يجرى بموجبها تغيير الدستور وتقليص ما يتضمنه من صلاحيات رئاسية، لصالح البرلمان والمحافظين المدعوين بدورهم للقيام بواجباتهم. 

أما عن الموعد المقترح لتنفيذ هذه الإصلاحات، قال لوكاشينكو إنه يتوقف على قرارات "مؤتمر شعب بيلاروسيا" الذي سوف يدعوه للانعقاد بعد تسوية الأزمات الراهنة. وحتى ذلك الحين فمن المرتقب أن يعمل لوكاشينكو بالتعاون مع أركان نظامه على محاولة احتواء المظاهرات التي لا تزال تموج بها شوارع مينسك وكبريات مدن بيلاروسيا، وإن كانت تراجعت حدتها قليلاً وما اتسمت به من زخم واضح، على وقع انحسار الدعم المالي، وما تسلل إلى نفوس المتظاهرين من ملل ووهن على مواصلة الخروج اليومي لساعات طويلة، في توقيت تغيب فيه عنهم قيادات المعارضة التي هرب معظمها إلى الخارج وصاروا أقرب إلى "نزلاء الفنادق الفاخرة" في البلدان المجاورة.

وذلك كله ليس بعيداً عن أذهان ومتابعة القيادات الروسية التي تستعد لعقد لقاء القمة بين رئيسي روسيا وبيلاروسيا، بحثاً ربما عن الخروج الهادئ التدريجي للوكاشينكو، والذي قد يتأجل إلى حين الإعلان عن مشروع الإصلاحات الدستورية والاستفتاء عليها، بما يحفظ له حياته ومصالحه الشخصية وأبنائه ممن يتقلدون مناصب رسمية في النسق الأعلي للسلطة في بيلاروسيا. 

لكن الثابت والمؤكد أن اتفاقاً بين موسكو ومينسك حول رفض أية وساطات غربية قد يعيد إلى الاذهان "السيناريو"الأوكراني" الذي أطاح بالرئيس الأسبق فيكتور يانوكوفيتش، رغم ضمانات وزراء خارجية كل من بولندا وفرنسا وألمانيا في فبراير (شباط) عام 2014.

ولعل ما قامت به السلطات الليتوانية وبرلمان ليتوانيا من الاعتراف بسفيتلانا تيخانوفسكايا "زعيمة" المعارضة البيلاروسية التي هربت إلى ليتوانيا بمباركة صريحة من جانب لوكاشينكو، رئيسة لبيلاروسيا، يعيد إلى الأذهان ما سبق وحدث في فنزويلا، وما يقول ضمناً إن بيلاروسيا تكاد تقترب من السيناريو الفنزويلي الذي حاولت الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترمب شخصياً بموجبه تنصيب خوان غوايدو رئيساً لفنزويلا بديلاً للرئيس نيكولاس مادورو. 

وبهذه المناسبة سارع وزير خارجية روسيا التي اعترف رئيسها بنتائج الانتخابات الرئاسية في بيلاروسيا، إلى إعلان أن ما فعلته ليتوانيا تجاوز كل الحدود، فضلاً عن تأكيد "أن السلطات الليتوانية وتيخانوفسكايا تنتهج الأساليب غير الديموقراطية"، بكل ما يعني ذلك من تبعات. وذلك ما أشار إليه رئيس حكومة تشيكيا اندريه بابيش بإعلانه عن رفض لقاء رؤساء حكومات مجموعة "فيشجراد" التي تضم تشيكيا وسلوفاكيا والمجر وبولندا، مع المعارضة البيلاروسية، نظراً لأن ذلك سيكون على النقيض من القيم الأوروبية، في الوقت الذي سوف يكون خير دعم للدعاية الرسمية في بيلاروسيا.

وكان الرئيس بوتين أضاف إلى اعترافه بلوكاشينكو رئيساً لبيلاروسيا بموجب نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إعلان "أن الجارة السلافية، تتعرض إلى محاولات من الخارج تهدد أمنها، وأن روسيا جاهزة لإسداء العون عند الضرورة وفقاً لاتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين موسكو ومينسك وفي ضوء معاهدة الأمن الجماعي لعدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة مع روسيا ومنها بيلاروسيا". وذلك يخدم في نهاية المطاف مواقع ومصالح الرئيس الروسي الذي لا أحد ينكر "أنه لن يفرط في بيلاروسيا"، رغم كل ما يواجه من مصاعب في الداخل. 

المزيد من تحلیل