Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيتهوفن يبعث قبلة فرح للناس أجمعين في سيمفونيته التاسعة

أكانت صدفة أن تختار أوروبا الحركة الرابعة نشيداً لها؟

بيتهوفن: معجزة الموسيقى في تجديد أخير (غيتي)

قبل سنوات قليلة، حين اكتمل عقد الوحدة الأوروبية، وجدت أمم أوروبا أن من الطبيعي لها الآن أن تجعل لنفسها نشيداً تتبناه كل بلدانها ويعبر عن تطلع فكري وجمالي يمكن لكل تلك البلدان معاً أن تفخر به. ويومها وقع الاختيار بما يشبه الإجماع، على عمل فني يحمل توقيعين كبيرين.

لقد جعلت الصدفة من التوقيعين ألمانيين، لكنها كانت من الصدف التي يقول المثل عادة إنها تأتي من دون ميعاد: فأن يجتمع بيتهوفن وشيلّر في عمل فني واحد اجتماع لا شك أن كل أوروبي يمكنه أن يعتبره مفخرة شخصية له. بل يمكن لكل محب للشعر والموسيقى في العالم أجمع أن يقدم على تبنيه من دون تردد. فصاحبا التوقيعين الكبيرين خرجا منذ زمن بعيد من ضيق هويتهما القومية الى رحابة العالم والكون كله. وهكذا بتبنيها "نشيد إلى الفرح" الذي كتبه فردريخ شيلّر ولحنه لودفيغ فون بيتهوفن، نشيداً جامعاً لها، تكون أوروبا قد سارت خطوات على درب الحس الكوني، فكيف والنشيد دخل وجدان العالم كله منذ حوالى قرنين من الزمن من طريق "موسقة" بيتهوفن للنشيد؟

 

واختارت أوروبا نشيدها

تلك هي المسألة بكل اختصار: حين وجدت أوروبا أن عليها أن تختار نشيداً يعبر من ناحية عن وحدتها، ومن ناحية أخرى عن تطلعها الإنساني الكوني، وجدت أن من الطبيعي أن يكون النشيد ذلك الذي يحمل عنواناً هو في حد ذاته برنامج إنساني كوني: قصيدة شيلّر التي كان بيتهوفن قد سبق تلك الخطوة الأوروبية التاريخية حين اختارها كفعل تجديد منه في العالم السيمفوني. فنحن نعرف أن هذا النشيد الذي لحنه للكورال، يشكل الجزء الأساسي من الحركة الرابعة والأخيرة من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن. سيمفونيته الأخيرة التي دفع الطابع الإعجازي للحن الذي جعله لذلك النشيد الكورالي في خاتمتها، أصحاب الحكايات إلى القول إنه كان من الطبيعي للموسيقي الكبير ألا يكتب سيمفونية تالية لها انطلاقاً من خرافة "السيمفونية التاسعة" التي "يجب أن تكون الأخيرة" وانطبقت تاريخياً على عدد لا بأس به من موسيقيين، بينهم ماهلر نفسه، انتهى أمرهم ما إن أنجزوا تاسعتهم!

طبعاً حكايتنا ليست هنا، بل في ذلك النشيد الرائع الذي اشتغل عليه بيتهوفن وهو أصم، جاعلاً منه ذروة إبداعه الموسيقي ونوعاً من خاتمة لحياة كانت هي في حد ذاتها معجزة من المعجزات، فهنا خاض بيتهوفن، على الرغم من صممه أو ربما بفضله، أكثر التجارب الموسيقية إثارة للدهشة في تاريخ الموسيقى: مزج صوت الكورال البشري في الحركة الأخيرة في شكل لم يسبق له مثيل، ولن يتمكن من الوصول إلى عظمته أي موسيقي من بعده، وهو بهذا حوّل "النشيد إلى الفرح" إلى جزء من عمل سيمفوني من المدهش أن من يستمع إليه سيخيّل له أنه مركب في شكل شديد التعقيد مع أنه في حقيقته شديد البساطة، بل يكاد يكون خطياً في تركيبته اللحنية. وهنا، تحديداً، يكمن واحد من أدق أسرار عظمة بيتهوفن، وكأن الموسيقي آثر ألا يزحم الفعل الشعري نفسه بما يثقله.

لحن بسيط على الرغم من كل شيء

فإذا كانت الكلمات الافتتاحية في القصيدة تقول "أيها الأصدقاء، هذه اللهجات لا يوجد مثيل لها! فدعونا نغني المزيد منها، بل ما يزيد بهجة! دعونا ننشد الفرح كشرارة إلهية جميلة، ابنة لجماعة الآلهة حيث ندخل ثملين بالنار، أيتها القداسة السماوية، إلى حيث يتجمع سحرك، وحيث حين تزول التقسيمات الجغرافية، وحين يتكشف جناحك الناعم، يصبح البشر جميعاً إخوة..."، فإن بيتهوفن اكتفى بتزيينها بلحن بسيط لكنه أخّاذ أوصل السيمفونية إلى ذروة استثنائية، في اللحن والمعنى معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه السيمفونية التي تحمل بين أعمال بيتهوفن الرقم التسلسلي "أوبوس 125" وملحنة على مقام "ري صغير"، تلفت أولاً بكون بيتهوفن وضعها بعد غياب سنوات عدة عن كتابة السيمفونيات، إذ إن زمناً طويلاً يفصل بين كتابتها عام 1824، وكتابة سيمفونياته الثماني الأولى، ومعنى هذا أن بيتهوفن كتب هذا العمل في مرحلة لاحقة من حياته، مرحلة كان نضجه بلغ فيها درجة عالية من السمو، بالتوافق مع اشتداد آلامه وعقده النفسية الناتجة من صممه. وكأنه أراد منها، في عمقها، ويستغرق عزفها ساعة و10 دقائق تقريباً، وفي خوضها تجربة استثنائية، أن تكون، من ناحية، وصيته الموسيقية والفكرية، ومن ناحية ثانية، خلاصة جهوده الموسيقية كلها، تلك الجهود التي وضعته ولا تزال في الصف الأول بين موسيقيي العالم قاطبة وفي كل الأزمان.

والحال أن السيمفونية التاسعة نفسها لعبت دوراً كبيراً في تبوّؤ بيتهوفن ذلك المكان، وعلى الرغم من أنه مات بعد ثلاثة أعوام من كتابة السيمفونية التاسعة، فإن كثراً من الباحثين يرون أن هذا العمل الاستثنائي لم يكن يجدر به أن يتوّج أعمال المؤلف السابقة، بمقدار ما كان عليه أن يفتتح دورة جديدة في مسار بيتهوفن، من المؤلم أنها لم تكتمل. بل أكملها آخرون وصولاً إلى دفورجاك الذي وضع سيمفونيته "العالم الجديد" إلى حد ما، انطلاقاً من الأسس التي صاغها بيتهوفن في "تاسعته".

معجزة البساطة

ولكن حتى لو بقيت الأعجوبة الفنية في نهاية السيمفونية برباعي الأصوات، وكورس المنشدين الذي يختتمها، فإن ذلك يجب ألا ينسينا أن هذه السيمفونية تحمل، حتى من قبل الوصول إلى النشيد الختامي، تجديدات رائعة، وغنى أوركسترالياً ندر أن وصل إليه عمل، ومع هذا يسيطر عليها هدوء شديد، وتتم فيها عملية الانتقال من عالم إلى عالم، في شكل يبدو تلقائياً. ولعل خير مثال على هذا، تحول المقام من "ري صغير" إلى "ري كبير"، بين الحركتين الثالثة والرابعة، قبل أن "تنفجر براكين الفرح في كل مكان" بحسب تعبير الدكتور حسين فوزي الذي كرّس للسيمفونية واحداً من برامجه الإذاعية الشهيرة. ويصف الدكتور حسين فوزي عملية الوصول العجائبية إلى ذلك النشيد على النحو الآتي: "... ثم يظهر فجأة اللحن الذي سيحمل على كاهله أبيات شيلّر. ما أبسطه لحناً وأسهله: يكاد يكون مجرد سلّم "ري" برمته! أهذا هو اللحن الذي قضى بيتهوفن أعواماً يجبِّره في كراساته، يطوره يميناً ويطوره يساراً، ثم لا يجد غير هذا الكساء البسيط، كأنه القميص الإغريقي، تكفي الفنان منه ثنيات القماش هنا وهناك، تلبس الجسم، ويداعب الهواء أطرافه؟ إنه لحن فريد: لا هو من الفن الشعبي، ولا هو من الفن المعقد، إنه من بنات أفكار موسيقي عبقري فحسب".

جميع البشر إخوة

أوصل بيتهوفن، في الحركة الرابعة والأخيرة، عمله إلى ذروته، وعلى الأقل عبر إجبار مستمعه على خوض مقارنة مدهشة بين البساطة الموسيقية الطاغية على هذا اللحن، وبين التعقد الأولي الماثل في الحركتين الأولى والثانية، إذ من الواضح أن كل ذلك التعقد إنما كان الهدف منه تمهيد الأرضية لمفاجأة الحركة الأخيرة،  فتقوم الأصوات البشرية، في مزج للأوراتوريو بالفن السيمفوني على الرغم من هدوء اللحن وبساطته، مقام الكريشندو، لتطغى كالعادة على الحركة الأخيرة في كل سيمفونية قبل أن تحل كلمة النهاية.

عندما كتب بيتهوفن سيمفونيته التاسعة والأخيرة، كان في الـ 54 من عمره، ووصل إلى الفصل الأخير من حياته ومساره الموسيقي الاستثنائي. ولذا كان من المدهش لفنان أمضى عمره في الآلام وختمه غير قادر على الاستماع إلى أي شيء، أن يضع ذلك اللحن المنتمي إلى فرح وإيمان بالحياة. وكأنه أراد أن يقول إن الحياة، على الرغم من كل شيء، جديرة بأن نعيشها. وفنان من هذا الطراز، هل كان غريباً عليه أن يدمج في عمله الأكبر، أصواتاً بشرية تقول، مع شيلّر "يا أيها الفرح ضمّ شمل النازحين، ومن فرَّقتهم صروف الحدثان. فالناس جميعاً إخوان، تظللهم بجناحك أيها الفرح العلوي. ليحتضن البشر بعضهم بعضاً. وهذه قبلة أرسلها إلى الناس جميعاً"؟

المزيد من ثقافة