Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تلوح بـ"معركة" قانونية تتعلق باتفاقيات التجارة الخارجية

تتجه لإثارة قضية "بلد المنشأ" في سياق تحقيقات محلية

الوزير كمال رزيق يدشن تجارة "المقايضة" مع دولتي مالي والنيجر (صفحة وزارة التجارة الجزائرية)

تقف الحكومة الجزائرية في مفترق طرق وهي تعيد التفكير حول أي من الاتفاقات التجارية الدولية تتمسك بها. فعلى أثر تقييم حديث لاتفاق الشراكة الأوروبي، تلوح الجزائر بـ"معركة" قانونية على أمل تمديد الفترة الانتقالية، أو الدخول في لعبة "كواليس" لتعطيل جوانب فيه بسبب فشل جميع أهداف الاتفاق، وفي المقابل تتعالى أصوات محلية لبحث خيارات بديلة باتجاه الشرق أو الجنوب مع تصحيح اختلالات في اتفاق منطقة التبادل الحر العربية.

ومع حلول شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، كان تاريخ آخر تمديد للفترة الانتقالية لتفكيك التعريفات الجمركية للسلع الواردة من الاتحاد الأوروبي قد بلغ منتهاه من دون أن يصدر عن السلطات الجزائرية أي إعلان بطلب تمديد جديد في سياق انتقادات حادة لهذا الاتفاق غير المتوازن في نظر محللين.

تجارب التبادل الحر

وتزامنت نهاية فترة التمديد التي بدأت في 2017، مع مصادقة الجزائر على الاتفاقية المؤسسة لـ"المنطقة الأفريقية للتبادل التجاري الحر"، على أن تدخل حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) المقبل. وتمت المصادقة في اجتماع لمجلس الوزراء نقل فيه عن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تكليفه الوزير الأول عبد العزيز جراد وأعضاء الحكومة إلى الاستفادة من تجارب التبادل الحر التي عرفتها الجزائر مع المجموعات الإقليمية الأخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد تبون على ضرورة التأكد من المنشأ الأصلي للسلع والبضائع المتداولة في "المنطقة الأفريقية للتبادل التجاري الحر"، بحيث لا تقل نسبتها عن 50 في المئة، حتى لا تتسرب إلى السوق المحلية مواد مصنوعة خارج القارة، وقصد تبون "اختلالات" في اتفاق "منطقة التبادل الحر العربية"، لا تريد بلاده السقوط فيها من جديد.

وحل اليوم الاثنين وزير التجارة الجزائري في محافظتين في الجنوب لبدء تطبيق سماح الجزائر باستئناف تجارة "المقايضة" الحدودية في محافظاتها الجنوبية المتاخمة لدولتي مالي والنيجر بعد توقفها لسنوات لـ"دواعٍ أمنية"، وعلى الرغم من إسهام هذه التجارة بقسط صغير جداً في المعادلة التجارية العامة للبلاد، فإن خطوات الحكومة تحمل "رمزية" ضمن شعار العودة إلى حضن القارة الأفريقية.

غموض في الخيارات التجارية

يرى الأستاذ الجامعي في الاقتصاد النقدي، عبد الرحمن عية، لـ"اندبندنت عربية"، أن "الغموض لا يزال السيد في خيارات الجزائر التجارية إقليمياً، وهناك اتفاق أوروبي بدأ في عام 2005، واتفاق عربي سنة 2009، واتفاق شراكة أفريقي مطلع العام الداخل، والاتفاق الأوروبي هو أهم تلك الاتفاقيات من حيث كتلة المبادلات ولو أنها في اتجاه واحد تقريباً".

ويذكر عية أن "الجزائر تورطت في هذا الاتفاق في فترة كان اقتصاد البلاد هشاً، لقد تم إيهام الجزائر حينها بأنه لا بد من فتح أسواقها أمام الشراكة الأجنبية. اقتصادياً فتح الأسواق أمر مستحب، لكن خصوصية الاقتصاد الجزائري مناقضة لروح مثل هذه المبادرات لأنه يتميز بالتبعية للنفط، ولا يوفر مناخاً جاذباً للاستثمار، والنتيجة كانت واضحة حيث وجدت الجزائر نفسها أمام عملية استيراد فقط، لذلك كانت أمام خيار متجدد لطلب تمديد آجال بدء تفكيك التعريفة الجمركية لغياب معالم قاعدة (رابح رابح)".

لكن اللافت بحسب عبد الرحمن عية، أن "الجزائر لم تطلب هذه المرة أجالاً جديدة لتفكيك النظام التعريفي للسلع، قد يكون خطأ من وزارة التجارة أم أمراً مقصوداً إثر تلقي وزارة التجارة الضوء الأخضر من السلطات العليا، وفي كل الحالات الأمر مخيف جداً لأن معنى ذلك أن أي سلعة أوروبية تدخل الجزائر بداية سبتمبر الحالي هي معفية من أي رسم، وهو ما سيؤثر سلباً على الخزينة العمومية".

القمة العربية

ليس اتفاق الشراكة الأوروبي فحسب ما يثير الريبة والخوف لدى مسؤولي القطاع في الجزائر، فحتى اتفاق المنطقة العربية للتبادل الحر ينظر إليه كـ"تجربة مريرة" مر بها قطاع التجارة على مدار عقد من الزمن. ويقول عية في هذا الشأن "وقعت الجزائر اتفاق منطقة التجارة الحرة العربية بناء على مؤشر ارتفاع سعر البترول عام 2008، وفي 2009 أصيب الاقتصاد الجزائري بأزمة عنيفة نتاج تراجع سعر النفط ما دفعها لتجميد استيراد مواد عربية على دفعتين، كل دفعة تشمل نحو 1000 منتوج قبل أن تكتشف اختلالات في بلد المنشأ".

وفي مشاركته الخميس الماضي في اجتماع المجلس الوزاري للدورة (106) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية، برئاسة دولة الكويت، تحدث وزير التجارة الجزائري، كمال رزيق، عن وثائق قمة الجامعة العربية التي ستحتضنها بلاده بتاريخ لاحق، حيث يعتقد أن الجزائر تتجه لإثارة قضية "بلد المنشأ" في سياق تحقيقات محلية كشفت عن صناعات غير عربية مسجلة باسم بلدان من الجامعة العربية وتستفيد من اتفاق التبادل الحر مع بلاده.

ومع ذلك، فإن إحصاءات مؤسسات اقتصادية جزائرية تشير إلى تحسن طفيف في التبادلات العربية مع الجزائر خلال العام الماضي، ففي معطيات نشرتها مديرية الدراسات والاستشراف التابعة للجمارك احتلت المبادلات مع المنطقة العربية للتبادل الحر المرتبة الثانية بعد اتفاق الشراكة الأوروبي بحصص قدرت بـ21 في المئة من الصادرات و15 في المئة من الواردات الجزائرية، حيث صدرت الجزائر صوب هذه المنطقة، ما قيمته 343 مليون دولار، واستوردت ما قيمته 1.33 مليار دولار.

تقييم موضوعي

كان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قد كلف الحكومة في أحد مجالس الوزراء السابقة القيام بـ"تقييم دقيق وموضوعي لآثار الاتفاقات التجارية المبرمة، أو تلك التي هي في مرحلة التفاوض على الاقتصاد الوطني"، مؤكداً ضرورة تعزيز آليات تشاور قطاعي بالنسبة لسياسة التجارة الخارجية.

ويشرح أستاذ الاقتصاد والمستشار المالي عبد الفتاح بوروبة لـ"اندبندنت عربية"، أن "ملامح التجارة الخارجية الجزائرية لم تتضح بعد، حديث تبون عن تقييم دقيق وموضوعي يحيل إلى رغبة في الوصول إلى خيارات أوضح، لدى الرئيس الجزائري ميول حمائية للاقتصاد والتجارة، ومعلوم أن توليه وزارة التجارة بالنيابة لفترة محدودة سنة 2017 (إثر وفاة وزير التجارة السابق بختي بلعياب)، أرفق بقرارات تجميد استيراد آلاف المنتجات الأوروبية والعربية وغيرها".

وبالتالي يتوقع بوروبة أن "تختار الجزائر الاتفاقيات التي تسهم في تقليص فاتورة الواردات، أو قد تلجأ إلى مفاوضات لتعديل بعضها أو إدخال قيود ما، المرحلة الحالية تشهد عجزاً كبيراً في الميزانية على الرغم من كل ما تم اتخاذه بالنسبة للتجارة الخارجية، لذلك أتوقع قرارات جريئة بنهاية العام الحالي".

وفرض تبون نظام منع "مؤقت" لاستيراد عدد كبير من المنتجات، لا سيما الفلاحية منها، وتم إقرار نظام للمنع في فترة ذروة الإنتاج المحلي، وهي قرارات تم الطعن فيها من قبل شركاء اقتصاديين أوروبيين، ومعلوم حجم الخلاف مع غرفة التجارة الفلاحية في فرنسا بخصوص توقيف صادرات هذا البلد من "التفاح" إلى الجزائر، كما منعت استيراد "الخزف" من إسبانيا، والأمثلة كثيرة في هذا السياق، حيث لجأت تنظيمات تجارية أوروبية إلى بنود اتفاق الشراكة الأوروبي على أمل إلغاء هذه القرارات، ليتنامى الأمر إلى خلافات بالجملة مع القارة العجوز من دون أن تجد طريقاً للحل إلى اليوم.

المزيد من اقتصاد