Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إرث تشادويك بوزمان في سجل حركة الحقوق المدنية الأميركية

ما هو الرابط بين حياة ممثل هوليوودي ونضالات أجيال السود من أجل حقوقهم؟

تشادويك بوزمان (غيتي)

المحطات المهمة في تاريخ النضال الأسود من أجل الحقوق المدنية والمساواة في الولايات المتحدة عديدة وتكفي مادة لمجلّد ضخم. والأسبوع الماضي فقط شهدنا إحداها في خبر حمل الينا وفاة الممثل تشادويك بوزمان Chadwick Boseman عن 43 عاما، بعد معركة استغرقت أربع سنوات مع سرطان القولون. ولو إن هذا الخبر أتى قبل سنتين لما التفتت إليه غير قلة ضئيلة ربما. فحتى ذلك الوقت لم يكن هذا الممثل في قامة الكواكب الساطعة مثل، قل، صمويل إل جاكسون ودينزل واشنطن وويل سميث. لكن فيلما معيّنا في 1918 أفرد له جناحا في أعلى مراتب الشهرة والمجد السينمائي الهوليوودي.

الفيلم هو Black Panther (الكوغر الأسود) من إخراج رايان كوغلر وإنتاج ستوديوهات مارفيل وتوزيع استديوهات والت ديزني. وهو يقع في سلسلة مغامرات الأبطال الخارقين (الـsuperhero من طراز سوبرمان وسبايدرمان). ويحكي هذا العمل السينمائي قصة الأمير تشالا (يؤدي دوره بوزمان) الذي يرث عرش أبيه في مملكة إفريقية "تحت أرضية" عمرها آلاف السنين وتتمتع اليوم بتفوق تكنولوجي لم ير العالم مثله، ومعركة الملك الجديد (الكوغر الأسود) ضد خصمه اللدود كيلمونغر (يؤدي دوره النجم الساطع أيضا مايكل ب. جوردان) الذي يريد لنفسه العرش وللمملكة أن تطفو إلى السطح وأن تخضع بقية الدنيا لحكمها.

حرّية بدون مساواة

يستلزم الحديث عن الرابط بين حركة الحقوق المدنية ووفاة بوزمان بعد حياة فنّية قصيرة العودة إلى يوم الثلاثاء 20 يناير (كانون الثاني) 2009، حين أدى باراك اوباما اليمين الدستورية في الفناء الغربي لمبنى الكونغرس الأميركي ليصبح الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة. واكتسب هذا اليوم التاريخي أهمية أكبر من مجرد تنصيب رئيس أميركي جديد لأن اوباما صار فيه أول أسود يمسك بمفاتيح البيت الأبيض منذ مولد الدولة.

كان بين الحضور داعية الحقوق المدنية الأسود القس جيسي جاكسون الذي انهمرت دموعه غزيرة وهو يشهد حدثا ما كان يظن أنه سيأتي في حياته منذ أن اغتيل معلّمه مارتن لوثر كينغ على بعد أقل من ياردة منه في 1968. وعندما التفّت وسائل الإعلام حوله وسألته عما إن كان "الحلم" الذي تحدث عنه كينغ قد تحقق، أجاب بالنفي وشرح بقوله: "نال السود الحرية لكنهم لم ينالوا المساواة".

عندما ألقى القس جاكسون بمقولته هذه لم يقصد أن يوم جلوس أوباما على كرسي الرئاسة وتسلمه أيضا منصب القائد العام للقوات المسلحة الأميركية هو اليوم الفاصل بين اللامساواة والمساواة، وإنما كان يلقي علينا بحلمه هو أيضا: أن يكون ذلك اليوم هو بداية المسيرة، ولو طالت، نحو محو التمييز العنصري بين البيض والسود. والحق يقال: إن ثمانية أعوام من حكم أوباما لم تأت بالعصا السحرية القادرة على تغيير العقول والقلوب الرافضة لكون الأسود نِدّاً للأبيض حتى وإن كان على مستوى القاعدة المشتركة وهي الإنسانية. ذلك أن التمييز ظل يلاحق السود منذ استعباد الفوج الأول المختطف من افريقيا في القرن السابع عشر وإلى وقتنا هذا. ويكفيك أن تنظر إلى حركة Black Lives Matter (المترجمة "حياة السود مهمّة") التي قفزت إلى الوجود كردة فعل إزاء معاملة الشرطة الوحشية للسود وتصيّدهم كالكلاب الضالة.

مفاجأة مزدوجة

جاء فيلم "الكوغر الأسود" بمثابة مفاجأة هائلة مزدوجة. فهو الأول الذي تُقدم هوليوود على إنتاجه رغم أن مادته "سوداء" والأغلبية الكاسحة من شخصياته من الممثلين السود. بل أن صناعته نفسها أوكلت إلى المخرج الأسود رايان كوغلر. بعبارة أخرى فقد سجلت ماكينة السينما الأميركية الجبّارة سبقا بإنتاجها فيلما بهذه المواصفات التي لم تخطر على بال المتابعين لتاريخها وكيفية عملها.

وتمثل الشق الآخر من المفاجأة في أن هذا الفيلم "الأسود"، الذي بلغت تكاليف إنتاجه 200 مليون دولار، كان من الجودة القصصية والتقنية العالية والتنفيذ – بفضل مهارات طاقم ممثليه ومخرجه - بحيث أنه كسر سائر الحواجز العرقية بعدما كان موجها أساسياً للجمهور الأسود. فوجد استقبالا مدهشا لدى المشاهدين الأميركيين – ثم العالميين – بيضا كانوا أو سودا وبغض النظر عن اللون والمعتقد والقوالب الاجتماعية. وهكذا صار يصنّف "فيلما ممتازا" بدلا عن "فيلم أسود ممتاز"، على الأقل بدليل عائداته التي بلغت - في شباك التذاكر وحده - 1.35 مليار دولار.

إلى ما بعد النجومية

تشادويك بوزمان، صاحب البطولة في هذا الفيلم، ليس حديث العهد بالوقوف أمام الكاميرا إذ استطاع ، قبل "الكوغر الأسود"، أن يحظى بأدوار بعض أبرز الشخصيات صانعة التاريخ في الولايات المتحدة. فقد أدى في 2013 دور جاكي روبنسون، أول لاعب أسود يظهر في مباريات دوري البيسبول الرئيسي الأميركي في فيلم "42" (رقم قميصه) عن سيرة حياته. وفي 2014 أدى دور المغني الأسود الأشهر جيمس براون، في فيلم Get On Up عن سيرة حياة "عرّاف موسيقى السول" هذا. وفي 2017 أدى دور ثيرغود مارشال – أول قاض أسود ينال عضوية المحكمة الأميركية العليا - في فيلم Marshall.

وقد تمكن بوزمان من الحصول على تلك الأدوار المهمة لأنه من صفوة قليلة من الممثلين، تميّز أعضاؤها على البقية بفضل أن كلا منهم كان يضفي بهالة من الهيبة والكرامة على الشخصية التي يؤدي دورها فتدخل في قلب المشاهد بلا استئذان. وأمثلة هؤلاء من البيض جيمس ستيوارت وغريغوري بيك وميريل ستريب، ومن السود سيدني بواتييه ومورغان فريمان وفيولا ديفيز. على أن أيا من هؤلاء لم ينل نوع الحظوة التي قدمتها الشاشة لبوزمان بنيله دور الملك تشالا في "الكوغر الأسود" في ظرف تاريخي معين هو تبلور Black Lives Matter كقوة جديدة ضاربة استطاعت أخيراً إيقاظ المجتمع الأميركي والعالم وصارت أحد أكبر المنعطفات في تاريخ حركة الحقوق المدنية السوداء.

جنّي المصباح

تصور أقلية منبوذة محرومة من حقوقها المدنية، تنظر إلى ثمار ما شاركت في غرسه لكنها عاجزة عن قطفها لأنها مغلقة داخل سجن منيع... سجن ليس حوائط عالية مروّسة بالأسلاك الشائكة وإنما وهم برْمَجَه المجتمع وماكينته الإعلامية وزرعه في وجدان هذه الأقلية ومفاده إنها ليست في مقامه... إن ليست جزءا عضويا منه لأن أفرادها لا يجيدون غير النهب والقتل والاغتصاب والتجارة في المخدرات. ثم تصوّر أنه بدلا من السكوت على هذه الحال، ترتفع أصوات تقول إن هذا غير صحيح... إن هذه الأقلية – كبقية البشر – تعرف الشقاء والسعادة، والدمعة والضحكة، والضيق والرخاء، والقبض والبسط، والتقوقع والإبداع...

فيلم "الكوغر الأسود" هو أحد تلك الأصوات التي ضربت على وتر جميل النغم على مسامع السود، خاصة الشباب... وجاء وكأنه جنّي المصباح يأخذهم في رحلة لساعتين مليئتين بالسحر ويبلسم قلوبهم من جراح التمييز العنصري على تعددها ويطمئنهم إلى مستقبل أفضل.

وجنّي المصباح هذا ليس فقط رفيق علاء الدين في مغامراته بين دفتي "ألف ليلة وليلة"، وإنما صار كيانا ملموسا اتخذ لنفسه لبوسات جديدة نالها من التقدم التكنولوجي الهائل في عصرنا هذا، ومن بينها الفيلم السينمائي – هذا الواقع البديل – وثماره الحلوة على شاكلة "الكوغر الأسود". ويحدث بهذا الصدد أن تجد ممثلين يُلصِق المشاهدون بهم صفات الشخصيات التي يؤدنها... مثل كريستوفر ريف، الذي اشتهر عالميا في دور "سوبرمان" ورفض البعض بعيد إعلان وفاته تصديق الخبر لأنه "الرجل الخارق"، أو عمر الشريف الذي يصر عدد من الناس على أنه روسي بسبب أدائه دوره الأشهر الدكتور زيفاغو. وبهذا القدر نفسه صار تشادويك بوزمان "الكوغر الأسود" الرامز أبدا إلى عظمة أفريقيا ونبل العرق الأسود. ولهذا لم يكن هذا الممثل بحاجة إلى أن يقود تظاهرات الاحتجاج المطالبة بالحق في الحياة الكريمة... لأن السينما كفلت له أن يصبح أكثر فعالية من أصحاب الحناجر القوية والواقفين على أعلي المنابر السياسية. ولهذا كله جاء خبر وفاته بمثابة نقص لا يستهان به في المكاسب التي حققتها حركة الحقوق منذ أن أعلن مارتن لوثر كينغ حلمه بأن يرى قومه في الأرض الموعودة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بطاقة شخصية

ولد تشاودويك آرون بوزمان في آندرسون بولاية كارولاينا الجنوبية في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1976 لأمّه الممرضة كارولين وأبيه عامل النسيج ليروي اللذين تعود جذورهما العرقية إلى قبائل الليمبا واليوروبا في سيراليون ونيجيريا على التوالي. وتدرج الابن في التعليم حتى تخرج العام 2000 في جامعة هوارد، واشنطن دي سي. وبفضل وساطة إحدى معلّماته لدى النجم السينمائي دينزل واشنطن، تمكن بوزمان من الحصول على المال اللازم للالتحاق بدورة تدريبية في أوكسفورد (انجلترا) نظمتها أكاديمية الدراما البريطانية - الأميركية ومقرها لندن. ولدى عودته إلى بلاده التحق بأكاديمية الفيلم الرقمي بنيويورك، ثم انتقل في 2008 إلى لوس انجليس بحثا عن مستقبل ما على الشاشة.

حالف بوزمان التوفيق في بداية مشواره المهني هنا عندما حصل على دور لا بأس به في مسلسل تلفزيوني شهير باسم "كل أبنائي". لكنه فقده بعد حين بعدما اشتكى إلى طاقم المنتجين من "خيوط عنصرية واضحة تتخلل نسيج الأحداث" في هذا المسلسل. على ان موهبته كفلت له الظهور المنتظم في عدد آخر من الأعمال التلفزيونية، بل أنه رُشح أكثر من مرة لجوائز تشمل "جوزيف جيفرسون الدرامية" عن أدائه في مسلسل شهير آخر باسم "شيكاغو". وفي 2013 نفذ إلى عالم النجومية بنيله دور البطولة في الفيلم السينمائي "42" عن حياة لاعب البيسبول الأسود جاكي روبنسون. ومنذ ذلك التاريخ وهو يتنقّل من دور رئيسي إلى آخر حتى "الكوغر الأسود" الذي يظهر أيضا في سلسلة أفلام أبطال مارفيل الخارقين، جنبا إلى جنب شخصيات مثل رجل الحديد وكابتن أميركا وثور.

بعد إعلان وفاة بوزمان الفجائي، اتضح أنه كان يعاني من سرطان القولون منذ 2016، وأنه كان يؤدي أدواره السينمائية التي قذفت به إلى أعالي الشهرة وهو يخضع في الخفاء للعلاج بما فيه "عدد كبير من العمليات الجراحية وجلسات العلاج الكيمائي".

المزيد من فنون