Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صور انفجار بيروت تبعثر مسافات الوقت وتوثق لحظات الموت والحياة

حين طغى الجانب الإنساني على الواجب المهني

يمحو الزمن عادةً الذكريات الأليمة المرتبطة بأحداث صعبة نمر بها أو على الأقل يخفف من أثرها، كما تزول أجمل الذكريات مع مرور الوقت. أما الصورة، فتأتي لتوثق أجمل اللحظات وأبشعها، فتنقل الواقع وتحفظه إلى ما لا نهاية. في انفجار مرفأ بيروت، عاش اللبنانيون أصعب اللحظات التي بدت أشبه بالأفلام، بما فيها من دمار ومشاهد دموية. وبقدر ما تعتبر هذه المشاهد موجعة، من الطبيعي أن يخف أثرها مع مرور الزمن. أما الصور التي رأيناها في هذه الفترة والتي التقطتها عدسات المصورين من قلب الحدث وما بعده، فستبقى موجودة وستبقى راسخة في الأذهان.

وعلى الرغم من المشاهد الدموية الطاغية وصور الدمار الطاغية طوال هذه الفترة، فإن صوراً استطاعت أن تجمع ما بين الأمل والألم. هي الصور التي جمعت بين قسوة الكارثة والمنحى الإنساني الذي لا يمكن أن يغيب في عين المصور، فكانت أشد تأثيراً وجرى تداولها بكثرة. صور كثيرة تُنوقلت بشكل لافت، فبقيت محفورة في الذاكرة، لا لأنها نقلت الواقع المؤلم فحسب، بل لما حملته من منحى إنساني ومن رسالة مؤثرة هادفة.

صور حفرت في الأذهان

صورة السيدة التي تعزف على البيانو وسط الدمار، وصورة الوالد الذي يحمل طفله المولود حديثاً وملابسه ملطخة بالدماء، وصورة الممرضة التي حملت الثلاثة أطفال المولودين حديثاً وسط الركام في المستشفى، وغيرها من الصور، تعيدنا بالذاكرة إلى لحظات الانفجار وما حملتها من وجع، لكن في الوقت نفسه تحمل معها كل معاني الأمل والحياة الجديدة.

خلف هذه الصور وصور كثيرة أخرى قصص مؤثرة. نقل المصورون من خلالها الواقع بطريقة معبرة وحقيقية تحاكي كل إنسان. وإذا كان الجانب الإنساني يجمع بين المصورين كافة في نقلهم للواقع بعدسات كاميراتهم، تبقى لكل مصور "العين" التي تميز عمله حتى ينقل الواقع بإحساسه الخاص، فتمسنا في الصميم.

مصورون في قلب الحدث

صورة الممرضة باميلا في مستشفى القديس جاورجيوس -الروم في بيروت تناقلتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية ووسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، وإن لم يتوقع المصور بلال جاويش الذي التقطها وسط الدمار التام في المستشفى، هذا الانتشار. في اللحظة التي التقطها فيها، كانت مشاهد الدم القاسية تحيط به، إلا أن الممرضة لفتت انتباهه بشكل خاص. حملت الصورة كل معاني الإنسانية ووثقت اللحظة التي أنقذت فيها الممرضة الثلاثة أرواح للمولودين حديثاً (توأم وطفلة أخرى) بطريقة بطولية. تفاصيل القصة تبدو أقل أهمية أمام الرسالة التي نقلتها صورة الممرضة وسط الركام، وقد غطى شعرها الغبار وهي تحمل بيد واحدة الأطفال وتحاول إجراء اتصال لإنقاذهم. عنوان الصورة بحسب جاويش في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "العناية الإلهية"، فهي التي أنقذت الممرضة حتى تنقذ الأطفال، وإلا لما نجت حتى تنقذهم فيما قضى العديدون. "عندما التقطت هذه الصورة من دون علم الممرضة، فكرت بتفاصيل عدة محاولاً تفسير وجودها من دون أذى، وهي تتصل على الرغم من الضياع الذي يتخبط به الجميع. لكني لم أخطط لما اتخذته من أبعاد ولم أتوقع لها هذا الانتشار العالمي. لها أبعاد إنسانية بعيداً عن مشاهد الدم الطاغية". عندما نشر المصور الصورة على صفحته على "فيسبوك" ليلة الانفجار، انتشرت بشكل واسع وقوتها بالبعد الإنساني وبكونها ترمز بشكل أمثل إلى الحياة وليس فيها دم. هي تنقل معجزة وكأنها، على حد قوله، توصل رسالة إلى الأيادي الشريرة التي تسببت بهذا الدمار في بيروت وحصدت هذا الكم من الأرواح، أن الإنسانية لك بالمرصاد. "لا يمكن الاستهانة بدور الصورة هنا في توثيق اللحظة، فلولاها لما ظهر للعالم العمل البطولي الذي قامت به باميلا. كثر غيرها من الأبطال قاموا بخطوات ممثالة وترفع لهم القبعة لكن بقوا مجهولين".

الجانب الإنساني يطغى

على الرغم من الانتشار الواسع الذي حققته الصورة، فإنها ليست في الواقع الأقرب إلى قلب المصور، وإن كانت تعني له الكثير. فقد التقط صوراً كثيرة في تلك الليلة لا تقل أهمية وتحمل معاني كثيرة، ونقل من خلالها الواقع كما هو، وعلى رأسها صورة سيدة رأها تجلس على كرسيها بملابسها الملطخة بالدم وسط محلها المدمر في منطقة الجميزة وهي تبكي. "هذه الصورة تعني لي كثيراً بشكل خاص، وبالنسبة إلي الصور كلها التي تنقل ألم إنسان وسط الدمار ترمز أيضاً إلى الاستمرارية والحياة".

كأي مصور سمع دوي الانفجار في بيروت توجه عدنان الحج علي مباشرةً إلى موقع الحدث. كان واجبه المهني يقوده في تلك اللحظات. لكن في مثل هذه اللحظات طغى الجانب الإنساني على الواجب المهني. كان قد عاش حروباً سابقة وأحداثاً قاسية في لبنان، ورأى مشاهد دموية نقلها بعدسته. لكن المشهد بدا مختلفاً في هذه المرة، فيصفه وكأنه فيلم سينمائي طغت عليه مشاهد الدم والقتلى في كل مكان. "وصلت إلى المرفأ ودخلت مباشرة إلى موقع الحريق حيث كان الخطر كبيراً. اضطررت حينها إلى أن أضع الكاميرا جانباً لأركز على مساعدة المصابين مع المسعفين". يصف المصور تلك اللحظات التي انقطع فيها عن العالم بـ"المرعبة"، وكان الكل يشارك في إسعاف المصابين. لم يكن دوره عندها مصوراً، بل دفعته الإنسانية لأن يساعد في إنقاذ الأرواح، مشيراً إلى أن الوصف يختلف عما شاهده على الأرض.

 في الوقت نفسه شكل ذلك حافزاً له لينقل المشهد بواقعية مع حفاظه على الجانب الإنساني. ومنذ ذلك اليوم، بات يتوجه كل صباح إلى الأماكن المتضررة لالتقاط صور تنقل الواقع وتحمل كل منها في زواياها حكاية مختلفة. لأن "كل مصور إنسان أولاً وآخراً وهدفه التركيز على الجانب الإنساني، فينقله بعين المصور المحترفة". إحدى الصور المعبرة التي التقطها المصور من أيام قليلة تحمل رسالة أمل واضحة وبدت الأقرب إلى قلبه لأطفال كانوا يلعبون في منطقة الجميزة بكرة القدم بين الردم. كذلك بالنسبة إلى صورة أشخاص يتناولون الطعام في مطعم مدمر. هذه صورة تنقل رسالة وتبعث الأمل في النفوس وإن كان الألم موجوداً فيها والمعاناة حاضرة. "عندما ألتقط صورة أحاول أن أنقل المعاناة وأوصل رسالة. أي مشهد قد يكون مؤثراً أكثر اليوم من صورة الفقراء الذين رفضوا مغادرة منازلهم المتضررة، فيمضون أيامهم بين الركام معرضين حياتهم للخطر؟".

أمل بغد أفضل

لكل مصور عين تنقل الواقع على طريقته، ولكل أسلوبه في نقل رسالة. اعتادت المصورة جانيس صراف أن تصور حديثي الولادة في جلسات تصوير باتت تحمل توقيعها. وتؤكد في حديثها أن تصوير الحروب ومشاهد الدم لم تستهوها، على الرغم من أنها خاضت التجربة منذ سنوات عدة، فإن جلسات التصوير الأخيرة لها بعد الانفجار كانت مختلفة، وإن كان حديثو الولادة أيضاً محورها. فبعد أيام من انفجار مرفأ بيروت تواصل معها أهل الطفل جورج الذي اجتاحت صوره وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام لولادته في لحظات الانفجار، فكانت ولادته مصدر أمل لكثيرين. أراد أهل جورج تصويره في جلسة تعكس الواقع الحالي والظروف التي ولد بها. "خلال يومين حضرت للجلسة في منزل جورج لأن منزلي والمكان الذي أصور فيه دمرا تماماً. أردت فكرةً مختلفة أقدم فيها صوراً تظهر القليل مع الحزن مع الأمل بولادة جورج في هذه الظروف". انطلاقاً من ذلك، كانت فكرة استخدام كلمة بيروت وقد سقط منها حرف الواو لأن المدينة خسرت جزءاً منها في الانفجار. أما جورج فأتى يملأ هذا الفراغ فيحل محل الواو ليكون رسالة أمل وحياة جديدة. "وكأن جورج بولادته أتى ليزرع في قلب كل فرد الأمل في ظل الحزن المسيطر. ولأن الطفل مصدر فرح وأمل دائماً ارتدى جورج في صوره الأبيض في مقابل بيروت بالأحمر كونها دمرت".

اعتادت صراف على جلسات التصوير المفعمة بالإيجابية والأمل وتميل إليها بشكل خاص، خصوصاً أن الأطفال هم دوماً مصدر إيجابية وانتعاش. إنما هذه المرة بدا الوضع مختلفاً، فالانكسار الذي في قلبها كما في قلب كل مواطن طغى على إيجابيتها. لم تستطع إلا أن تضع لمسة حزينة تعكس الواقع بوجه أمثل في صورها هذه المرة. علماً أنها أقامت أيضاً جلسة تصوير أخرى له حل فيها مكان الأرزة وسط علم لبنان، وأخرى أتى في قلب قنبلة ترمز إلى الرحم والولادة في هذه الظروف، فيما يرمز جورج في داخلها إلى حياة جديدة.

"ولد جورج في المستشفى حيث الدمار والدم فصورته في موقع مختلف تماماً، وكانت مسؤوليتي في خلق مزاج مختلف تماماً للصور حتى تكون أجمل، وإن كان الهدف هو نقل ولادته في هذه الظروف. حافظت على الرسالة نفسها في محيط مختلف يسوده السلام والهدوء".

وكانت صراف قد صورت أيضاً الطفل نبيل الذي ولد قبل ساعة من الانفجار وانتشرت صورته بين ذراعي والده بشكل واسع، وأيضاً الطفل جون الذي ولد بعد ساعة من الانفجار.