Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاصصة داخلية أو تدخل خارجي لتشكيل حكومات لبنان

تعقيدات التأليف وتوزيع الحقائب قد تمدد الفراغ إلى أشهر

التوافق اللبناني قد يقصر ويطول بحسب الظروف السياسية الدولية والإقليمية (غيتي)

تمكّن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارتيه إلى لبنان خلال شهر واحد، من دفع الطبقة السياسية اللبنانية إلى تسمية رئيس حكومة جديد، ليشكل حكومة جديدة مكان الحكومة المستقيلة برئاسة حسان دياب.

ولولا هذا التدخل من قبل دولة عظمى كانت سبباً لقيام لبنان الكبير، لمرت أشهر عدة قبل اتفاق الطبقة السياسية اللبنانية على اسم معين لرئيس الحكومة، فتعقيدات التشكيل بدءاً من تسمية رئيسها ووزرائها وعددهم، وتوزيع الحقائب على الأطياف السياسية المختلفة والمتحاصصة في آن، يكاد يصبح من متن تشكيل الحكومات في لبنان في المرحلة اللاحقة على انسحاب الجيش السوري من لبنان، وانفكاك نظام الوصاية عنه في العام 2005.

ففي الفترة التي تلت اتفاق الطائف، كان السوريون قد حصلوا على "ضوء أخضر" دولي لإدارة الشأن اللبناني، وكانوا يفرضون أسماء رؤساء الحكومات والوزراء من دون أدنى مشكلة.

لكن بعد انسحابهم وكف يدهم، عاد اللبنانيون إلى ما يسمى "نظام التوافق" في ما بينهم في كل ما يتعلق بتعيينات الإدارة اللبنانية، ولم تعد تشكّل أي حكومة إلا بموافقة جميع الأطراف عليها أو أكثرهم، وباتت الاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الجمهورية مجرد دعوات بروتوكولية للقائه في قصره، إذ لا تجرى الاستشارات إلا بعد توافق الجميع على اسم رئيس الحكومة وتوزيع الحقائب فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن هذا التوافق قد يقصر ويطول بحسب الظروف السياسية الدولية والإقليمية التي تتحكم بالمسار السياسي اللبناني الداخلي، فتمدد السلسلة الزمنية التي تتشكل وفقها الحكومة اللبنانية، أي تسمية الرئيس، وتكليفه ثم تشكيله الحكومة ومنحها الثقة في مجلس النواب الذي تتمثل جميع قواه وكتله داخل الحكومة العتيدة، فنظام التوافق المستجد منع نهائياً إقامة حكومة لفريق سياسي يسمى الموالاة، يراقبه ويحاسبه فريق سياسي يسمى المعارضة. وباتت الحكومات تضم بين جنباتها الموالاة والمعارضة جنباً إلى جنب، وتداخلت صفاتها في ما بينها، فلم يعد من السهل التمييز بين الفريق الموالي والفريق المعارض، وقد يكون هذا الفريق موالياً في أمر سياسي معين ومعارضاً في آخر.

على سبيل المثال، فإن حكومة حسان دياب الأخيرة التي كان يفترض أنها تضم "مستقلين" و"تكنوقراط"، كانت فعلياً تمثل فرقاء سياسيين محددين، والوزير "المستقل" فيها يأخذ أوامره من فريق سياسي من المفترض أنه خارجها، والأمر نفسه سينطبق على الحكومة العتيدة، التي يريدها الرئيس الفرنسي من اختصاصيين مستقلين يمكنهم القيام بالإصلاحات ووضع البلاد على سكة الخروج من الهاوية التي وقعت فيها منذ سنوات.

إلا أن "التشكيلة" لا يمكن أن تتم إلا برضى كل الفرقاء السياسيين الذين سيمنحونها الثقة في المجلس النيابي، والذين سيدعمونها أو يحاربونها حين تخرج إلى الحياة وتبدأ العمل.

إذاً، يتم تشكيل الحكومات في لبنان منذ العام 2005 على مراحل عدة، الأولى إجراء الاستشارات النيابية لاختيار رئيس الوزراء، وانتظار اختياره للوزراء في حكومته، وقبول الفرقاء السياسيين للتشكيلة، ثم حصولها على الثقة في البرلمان.

ومن ثم يأتي الزمن الذي تمضيه الحكومة في الحكم قبل استقالتها أو نزع الثقة عنها، ولكل مرحلة من هذا المراحل زمنها الذي تحتاجه لتصل إلى خواتيمها بعد توافق الفرقاء اللاعبين في السياسة اللبنانية والذين يشكلون عديد البرلمان اللبناني.                                                                                                                                     

عمر الحكومات اللبنانية

الأطول عمراً بين الحكومات اللبنانية، كانت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي استمرت من 19-7-2005 حتى 13-7-2009 أي نحو أربع سنوات ونصف السنة، بالرغم من استقالة عدد من الوزراء منها، في حين أن الأقصر عمراً كانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي شكّلها في العام 2005 وأشرفت على الانتخابات النيابية، واستمرت ثلاثة أشهر فقط.

وفي حين شكّل الرئيس الراحل رفيق الحريري ظاهرة استثنائية في صفوف رؤساء الحكومات ما بعد اتفاق الطائف (1990)، كانت باكورة حكوماته الأطول عمراً مقارنة بالتي تلتها، واستمرت نحو 31 شهراً، بدءاً من 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1992 وحتى 25 مايو (أيار) 1995.

يعتبر الحريري رئيس الحكومة الذي شغل هذا المنصب لأطول فترة متتالية، وذلك بين أكتوبر (تشرين الأول) 1992 وديسمبر (كانون الأول) 1998، وشكّل في هذه الفترة ثلاث حكومات خلال عهد الرئيس الياس الهراوي.

بعد الخروج السوري

بعد الخروج السوري عام 2005 بدأ بالظهور ما يعرف بـ "الديمقراطية التوافقية"، التي تعني في التطبيق العملي تمثيل كل المكونات السياسية من كل الطوائف في الحكومة الواحدة، وهذا يعني في الواقع حكومة برلمان مصغرة، لا يمكن للبرلمان أن يحاسبها لأن كل الكتل التي تشكله متمثلة في الحكومة، وبات أي إقصاء لأي طرف سياسي يخلق مشكلة في تشكيل الحكومات، أو في تمكينها من العمل بعد تشكيلها.

وبعد مرحلة خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 تشكلت الحكومة الأولى للرئيس نجيب ميقاتي بعد شهرين من تكليفه، إثر استقالة حكومة عمر كرامي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وإذا كانت الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة تشكّلت بعد أقل من شهرين على تكليفه بعد الانتخابات النيابية عام 2005، فقد عانت حكومته من "عدم ميثاقيتها" بعد خروج الوزراء الشيعة منها.

استمرت الحكومة كأن شيئاً لم يكن، وتصاعد الخلاف بين القوى السياسية على شكل اعتصامات في ساحة الشهداء وتعطيل للإدارات العامة، ولم ينته إلا بتوقيع اتفاق الدوحة في (مايو) أيار 2008، وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وكُلف السنيورة للمرة الثانية بتشكيل الحكومة، فاستغرقت عملية تأليفها نحو ثلاثة أشهر.

بعد الانتخابات النيابية عام 2009 كُلف سعد الحريري الذي لم يستطع تشكيل حكومته إلا بعد مضي أكثر من أربعة أشهر، ما دفع الأخير إلى الاعتذار عن التأليف، وأعيد تكليفه مجدداً ليشكّل حكومته بعد أكثر من شهر.

وإذا كانت حكومة الحريري تشكّلت بعد نحو خمسة أشهر من التكليف، فحكومة ميقاتي الثانية استغرق تأليفها نحو ستة أشهر، وأتت من لون واحد. وعلى إثر استقالة حكومة ميقاتي في مارس (آذار) 2013 كلّف تمام سلام، ولم يستطع الأخير تشكيل حكومته إلا بعد مضي نحو سنة على تكليفه.

المحاصصة وحصرية الوزارات

تكاد تقتصر مقاربة تأليف الحكومات على أن تقاسم الحصص وحده كفيل بإرضاء هذا الفريق أو ذاك، والوزارات لم تكن حصرية بطوائف معينة، ولكن بعض الوزارات باتت تدريجياً من حق طوائف معينة.

على سبيل المثال، توزعت وزارة المالية سابقاً على أكثر من طائفة، وكانت الحصة الأكبر للسُنة والشيعة، أما الآن فتكاد تصبح للشيعة حصراً.

ونجد أن وزارة الداخلية كانت تتراوح بين السُنة والموارنة والروم الأرثوذكس. أما الآن، أي بعد عام 2005، تكاد تصبح للسُنة حصراً. كذلك الأمر بالنسبة إلى وزارة العدل التي تكاد تصبح للسُنة فقط، والدفاع للروم الأرثوذكس، والمهجرين للدروز والاتصالات للموارنة، ولم يتمثل السُنة في وزارات الطاقة والمياه والزراعة والعمل.

كما لم يتمثل الشيعة في وزارات العدل، الداخلية والبلديات والاتصالات والبيئة والمهجرين، ولم يتمثل الدروز في وزارات عدة، لا سيما وزارات الدفاع والمالية والداخلية التي طالما شغلها وزراء دروز في حقبات ماضية.

وفي وزارة الشباب والرياضة ووزارة الأشغال العامة والنقل لم يتمثل الموارنة، والروم الأرثوذوكس في وزارات الخارجية والمغتربين والطاقة والمياه والاتصالات، والروم الكاثوليك في العديد من الوزارات، لا سيما الخارجية التي غالباً ما شغلها وزراء من هذه الطائفة في الماضي.

المزيد من متابعات