Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا يستجيب المصريون لدعوات التصالح في مخالفات البناء؟

الحكومة تسهل الإجراءات واقتراح برلماني بمد فترة تقسيط الغرامات

قررت الحكومة المصرية إحالة من يبني مخالفاً إلى القضاء (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا صوت يعلو في مصر فوق الحديث عن التصالح في مخالفات البناء، فالأمر لم يعد يشغل بال ملايين المواطنين، إنما انتقل إلى رأس السلطة التنفيذية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أفرد للمسألة معظم وقت حديثه خلال افتتاحه مشروعات بالإسكندرية السبت الماضي.

بدا الرئيس المصري غير راضٍ عن تجاوب المواطنين مع دعوة الدولة المخالفين إلى دفع غرامة مقابل التصالح وتقنين الأوضاع، قائلاً إن حجم الناتج من طلبات التصالح حتى الآن لم يتخط عشرة في المئة من المستهدف، بعد تسجيل نحو 700 ألف طلب تصالح، مؤكداً أنه على استعداد أن يستعين بقوات الجيش لإزالة كل مبنى مخالف حتى في القرى، موجهاً رسالة إلى المواطنين "لماذا لا تساعدوننا؟"، وجدد تأكيده أنه لن يسمح بعودة البناء العشوائي مرة أخرى.

ومن المقرر أن تنتهي المهلة الممنوحة من الحكومة للتقدم بطلبات التصالح في مخالفات البناء في الـ30 من سبتمبر (أيلول) المقبل، وينتظر أن تزيل بعدها الدولة كل المخالفات، وحددت الحكومة قيمة التصالح وفقاً للمنطقة التي جرت بها، وأجاز القانون أن يدفع المخالف قيمة الغرامة على أقساط لمدة لا تجاوز ثلاث سنوات.

رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي عقد اجتماعاً مع عدة وزراء أكد خلاله أن الدولة لن تمد فترة التصالح التي تنتهي بنهاية سبتمبر، وسيُطبق القانون بإزالة المخالفات التي لم يُتصالح بشأنها فور انتهاء المهلة، مؤكداً وجود تكليف لمديري الأمن في المحافظات سرعة تجهيز القوات الأمنية المطلوبة لتأمين أعمال إزالة المخالفات.

وحسب تقرير لوزارة التنمية المحلية، نقلته وسائل إعلام مصرية، فإن مخالفات البناء في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2000 وسبتمبر 2017 بلغت أكثر من 2.8 مليون مبنى مخالف، معظمها لم يُزل حتى الآن.

المخالفون: ظروفنا صعبة

مينا سعد، 26 عاماً، اشترى وحدة سكنية بأحد الأحياء الشعبية وسط القاهرة قبل أربع سنوات، وهو يعلم أنها مخالفة، لكن سعرها كان أقل من غيرها، كما يقول إن معظم العقارات في تلك المنطقة وخلال تلك الفترة كانت مخالفة، سواء العقار بالكامل غير مرخص، أو حاصل على ترخيص بخمسة طوابق، بينما يبني المالك 12 طابقاً على الأقل.

ويروي لـ"اندبندنت عربية" أنه مطالب الآن بدفع 35 ألف جنيه (2210.63 دولار أميركي) قيمة التصالح على وحدته السكنية المكونة من غرفتين، التي يعدها للزواج، وهو لا يملك من الأساس مصاريف إتمام عقد القران، ولا يدري من أين سيحصل على قيمة التصالح، لكي يتجنب هدم الوحدة وقطع المرافق الأساسية عنه.

 

 

حال مينا لا يختلف عن محمد عبد الله، الذي أقام طابقاً مخالفاً فوق منزل أسرته على أرض زراعية في الفيوم، ومطالب حالياً بدفع 28 ألف جنيه (1768.51 دولار أميركي)، للتصالح على 137 متراً مساحة الطابق المخالف، وقال إنه سيحاول جاهداً أن يجمع المبلغ بالتعاون مع إخوته، في ظل ظروف مادية صعبة يمر بها، بسبب تسريحه من الشركة التي كان يعمل بها، نظراً لتداعيات فيروس كورونا.

ويتفق مينا ومحمد على أنهما يدركان عدم قانونية ما أقدما عليه، لكنه كان السائد في ذلك الوقت، وحالياً الظروف المادية صعبة، كما يطالبان بمحاسبة الموظفين في الإدارات المحلية التي سمحت بتلك المخالفات.

المخالفات حدثت في غياب الدولة

ويرى جون طلعت، عضو مجلس النواب، أن مخالفات البناء حدثت في غفلة من الزمن خلال غياب سلطة الدولة في وقت الثورة، ما شجع مواطنين على التعدي على أراضي الدولة والأراضي الزراعية والبناء من دون ترخيص. وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن حديث الرئيس هدفه حث المواطنين على التقدم بطلبات التصالح، لأنه بعد المهلة الممنوحة ستُزال المباني المخالفة.

وأوضح طلعت أن أصحاب الوحدات السكنية في العقارات المخالفة عليهم التقدم ببلاغ في النيابة العامة ضد من باع لهم الوحدات السكنية، خصوصاً إذا كان صاحب العقار غير موجود، لأن الكثيرين من مخالفي البناء يسجلون الأوراق بأسماء أشخاص آخرين، وهو ما يسمى بـ"الكاحول"، لكي يصعب الوصول إليهم، ويختفون بعد بيعهم كل الوحدات السكنية، تاركين أصحاب الشقق السكنية في مواجهة الدولة.

واستدرك عضو البرلمان أن كثيراً من المواطنين الذي اشتروا وحدات سكنية في عقارات مخالفة كانوا يعرفون تماماً أنها مخالفة، لكنهم اختاروها لأنها أقل سعراً، كما أنه من المنطقي أن يتأكد المواطن من سلامة موقف المبنى قبل الشراء، موضحاً أن الكثيرين كانوا لا يتصورون أن تصدر الدولة قانوناً لمواجهة مخالفات البناء وتنفذه بحسم، وأن الدولة ليست مسؤوليتها أن المواطن دفع أموالاً في شقة سكنية مخالفة.

وعلى عكس حديث النائب يؤكد مينا أن المسؤولين عن ملف التصالح طالبوه بقيمة الغرامة، لأن صاحب العقار غير موجود، بعدما هرب عقب بيع كل الشقق السكنية، والأوراق مسجلة باسم شخص آخر، مؤكداً أن التقدم بشكوى للقضاء لن تكون ذات جدوى. وتوجد حالات مماثلة كثيرة نشرت تفاصيلها على مجموعة "لا لقانون التصالح معناش فلوس" على موقع فيسبوك، المشترك بها 712 ألف شخص، إذ لم تحدد اللائحة التنفيذية من يدفع قيمة التصالح في الحالات المشابهة لمينا.

البديل موجود

عمرو خطاب، متحدث وزارة الإسكان، أكد أن الوزارة رصدت في الفترة الأخيرة تراجع نسب المخالفات في المدن الجديدة التي تقع تحت ولايتها، مشيراً في تصريحات إلى "اندبندنت عربية"، إلى أن المواطن أصبح مدركاً خطورة الأمر، وتأثيره الكبير في الدولة والمرافق الخدمية، خصوصاً أن تكلفة المخالفات كبيرة سواء ببناء طابق مخالف أو غيره من المخالفات، كما أن إزالتها تتكلف الكثير ويتحمله المخالف. ومؤكداً أن الأجهزة التنفيذية في المدن الجديدة ترصد المخالفات وتزيلها بشكل فوري، وأنها منتبهة لكل أعمال المخالفات، وتعمل على مدار الساعة لمواجهة المشكلة في مهدها.

وحول تقديم البديل للمواطن لتجنب ارتكاب مخالفات، قال خطاب إن وزارة الإسكان تطرح شبه شهرياً وحدات سكنية وأراضي للبناء، وعقارات إسكان اجتماعي وأخرى بديلة للعشوائيات، وتلقى إقبالاً خصوصاً تلك المخصصة لمحدودي الدخل، بالتالي لا توجد مبررات لتجريف الأراضي الزراعية، أو البناء من دون ترخيص، مؤكداً أن تلك الوحدات السكنية تغطي كل محافظات الجمهورية.

محاسبة المسؤولين

وحول مسؤولية الإدارات المحلية التي غضت الطرف سنوات عن المخالفات التي بُنيت تحت سمع وبصر موظفي المحليات، قال عضو مجلس النواب إن ملف محاسبتهم بالتأكيد لدى أجهزة الدولة، مؤكداً أن هيئة الرقابة الإدارية لا تسمح باستمرار أي فاسد، حتى وإن كانت المخالفات جرت في السنوات الماضية فإن المسؤولين ما زال معظمهم في أماكنهم، وشدد على عدم إفلات أحد من العقاب.

 

 

وكشف النائب عن دراسة الحكومة اقتراحاً تقدم به لزيادة مدة تقسيط قيمة المخالفة لتكون خمس سنوات بدلاً من ثلاث، مؤكداً أن المواطن عليه إثبات جديته بسداد قيمة "جدية التصالح". وتوقع طلعت أن يزداد تعاون المواطن في ملف التصالح بمخالفات البناء حين تنتهي مهلة التصالح، وتبدأ أعمال الإزالة، لأن المواطن في أي دولة بالعالم يتحرك حين يرى الخطر قريباً منه.

التسهيل على المواطنين

وأصدر اللواء محمود شعراوي، وزير التنمية المحلية، توجيهات إلى المحافظين لاتخاذ إجراءات تسهل مهمة المواطنين الراغبين في تقديم طلبات التصالح في مخالفات البناء، منها فتح منافذ جديدة لاستقبال الطلبات، وإلغاء الإجازات والراحات لجميع العاملين بملف التصالح، على أن يستمر العمل طوال أيام الأسبوع، وتوعية المواطنين بأهمية التصالح، وحثهم على سرعة التقدم بالطلبات، وتشكيل لجان تتابع سرعة إنجاز الموظفين للمهام المطلوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحسب صحيفة الوطن المصرية فإن حصيلة الرسوم المفروضة لتقنين الأوضاع التي جرى جمعها حتى الآن تبلغ أربعة مليارات جنيه (252 مليون دولار)، من نحو 700 ألف طلب تصالح، على مستوى المحافظات، بينما كانت التوقعات عند إقرار قانون التصالح في مخالفات البناء تشير إلى نحو 200 مليار جنيه على الأقل عند تطبيق القانون على كل المخالفات، حسب تصريحات سابقة للنائب صلاح حسب الله، المتحدث باسم مجلس النواب.

ومن المقرر أن يوجه جزء كبير من المبالغ المحصلة إلى عملية رفع مستوى الخدمات الأساسية في المدن والقرى، مثل مشروعات الصرف الصحي ومياه الشرب، إلى جانب دعم مشروعات الإسكان الاجتماعي.

وكانت الحكومة المصرية في أبريل (نيسان) الماضي قد قررت إحالة من يقوم بأي مخالفة بناء جديدة إلى القضاء العسكري، في ظل تطبيق قانون الطوارئ، بعدما ثارت مخاوف من استغلال أزمة فيروس كورونا في البناء المخالف واستغلال انشغال الدولة بالوباء.

المزيد من تقارير