Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف دعم المسلمون انطلاقة لبنان الكبير؟

يعتبر عام 1932 مفصلياً في تحديد طائفة رئيس الجمهورية

الجنرال غورو يتوسط البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا معلناً في الأول من سبتمبر 1920 قيام دولة لبنان الكبير (لوحة زيتية لفيليب موراني) 

بعد مرور قرن على إعلان دولة لبنان الكبير، ما زالت المصطلحات المسلّم بها حول تأسيسه سارية المفعول، ومنها ما بات حقيقة مطلقة، أي رفض المسلمين الانضمام إلى الدولة الوليدة لأنها دولة مسيحية، مارونية تحديداً، تقع تحت الاحتلال الفرنسي، وأن المسيحيين هم الذين كان لهم اليد الطولى بتكريس الحدود الحالية للبنان الجديد بسعي حثيث من البطريرك الياس الحويك.

مع وضد

للوهلة الأولى قد يبدو هذا الاستنتاج الذي ساد منذ 100 عام، صحيحاً، لكن في البحث الدقيق للمرحلتين السابقة واللاحقة على إعلان قيام لبنان الكبير، يجد الباحث خروقات كبيرة في هذا الاستنتاج، إذ كان بين المسلمين المصرّين على الانضمام إلى مملكة فيصل العربية من يرغبون منذ البداية بلعب دور أساسي في إدارة الدولة الجديدة، وهذه الرغبة كانت تتعاظم وتتضاءل منذ العام 1918 تاريخ انهيار الامبراطورية العثمانية حتى العام 1943 موعد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، بحسب الظروف السياسية التي كانت تتوالى وتتبدّل بشكل كبير وسريع في تلك الفترة التي تتشكل فيها المنطقة إلى دول مستقلة، وبحسب انحسار المدّ القومي العربي أو ارتفاع وتيرته. والأمر نفسه ينطبق على مسيحيي المناطق التي جرى ضمّها إلى متصرفية جبل لبنان، كالأرثوذكس في البقاع وزحلة تحديداً، وسائر مسيحيي بيروت من غير الموارنة، الذين كانوا يرفضون الانضمام إلى دولة أكثرية مواطنيها من الموارنة.

الآراء والمواقف المسيحية والإسلامية من لبنان، على السواء، لم تكن واحدة على طول الخط، ولا يمكن جعلها عنواناً عريضاً وإجراء التقييم على أساسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول جوزف بو خليل القيادي الكتائبي في كتابه "لبنان وسوريا... مشقّة الأخوة" إن البطريرك الحويك ومن معه من دعاة لبنان الكبير كانوا يريدون استعادة حدود إمارة فخرالدين المعني، وبرأيه هناك سبب اقتصادي، فبعد المجاعة التي أصابت جبل لبنان خلال الحرب الأولى نتيجة الحصار، أراد مجلس إدارة الجبل ومن خلفه الفرنسيون إضافة سهل البقاع "إهراءات قمح لبنان"، وولاية بيروت والساحل التابع لها كمنفذ على البحر وعلى أوروبا، وكميناء تمرّ عبره البضائع إلى عمق البرّ العربي، وهذا ما حمل المسلمين على الاعتقاد أن ضمّهم إلى الوطن الجديد هو مجرد غاية مصلحية للموارنة، خصوصاً أن الضمّ تمّ من غير سؤالهم عن رأيهم، وبالضدّ من نتائج لجنة كينغ- كراين الأميركية التي استفتت شعوب المنطقة حول رغباتها بناء على أفكار "ولسن" التحررية، وانطلاقاً من مبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها".

وكان عموم المسلمين يرفضون التحوّل من أكثرية عددية في الدولة السورية إلى أقلية في الدولة اللبنانية "المسيحية"، خصوصاً أنهم كانوا على ارتباط مباشر بدعوة الملك فيصل إلى إقامة مملكة عربية كان وعده بها الإنجليز والفرنسيون في حال أعلن الخروج من عباءة السلطة العثمانية ومحاربتها إلى جانب الحلفاء، لكن هذا كله كان قبيل إعلان دولة لبنان الكبير.

مخاض لبنان الكبير

هناك جملة متغيرات أثّرت في الموقفين المسيحي والإسلامي من لبنان الكبير، وبشكل معاكس عن الموقف الأول، فبعد خسارة الملك فيصل معركة ميسلون التي قادها يوسف العظمة لردع الفرنسيين عن تقسيم سورية ورفض الشروط الفرنسية الانتدابية، بدأ المسلمون يشعرون بأن حلمهم بالانضمام إلى المملكة العربية الفيصلية بعيد المنال، وهذا ما جعلهم يبدون استعداداً للانخراط في الجسم اللبناني بشرط رفض الاحتلال الفرنسي ولو "معنوياً"، وأشاروا إلى هذا التراجع في مؤتمر الساحل الثالث الذي عقد في بيروت في منزل سليم علي سلام، وكان هذا التراجع بمثابة انقلاب على المؤتمرَين السابقين اللذين أعلن فيهما المسلمون السنّة أنهم ضد سلخهم عن محيطهم العربي، ولن يشاركوا في صياغة دستور الوطن المفترض.

فواز طرابلسي في كتابه "تاريخ لبنان، من الإمارة إلى الطائف" يعتبر أن الموقف المسيحي بعد التعداد السكاني الذي أجري في العام 1932، حين فقد الموارنة أكثريتهم المطلقة التي كانوا يحوزونها في متصرفية الجبل، وجاء العدد قريباً من التساوي بينهم وبين المسلمين، دفع أحد رواد لبنان الكبير كإميل إده، إلى الطلب من الفرنسيين إعادة النظر في "الضمّ"، لأنه قد يؤثر ديموغرافياً وثقافياً وسياسياً في الدور المسيحي المفترض في المشرق العربي، وقد جاراه في هذا الرأي عدد كبير من الوجهاء والسياسيين الموارنة الذين أخافتهم المساواة العددية والتي قد تنتج منها مساواة سياسية في إدارة البلاد.

في الشقّ الإسلامي الشيعي والسنّي، راحت تخفت رويداً رويداً المطالبة بالوحدة مع مملكة فيصل الآفلة، وقد ساهم ضم ولاية بيروت إلى دولة لبنان الوليد في تحقيق هذه الاستدارة خصوصاً لدى أثرياء الطائفة وتجارها الذين دخلوا في شراكة تجارية مع مسيحيي بيروت المزدهرة والمتحوّلة ميناء أساسياً في شرق المتوسط.

عود على بدء

وكانت غالبية النخب الإسلامية في لبنان بين العامين 1918-1920 تقف إلى جانب الحكومة العربية في دمشق، ومنهم رياض الصلح وهو بيروتي سني من وجهاء العوائل البيروتية، الذي كان من بين الذين بايعوا فيصل ملكاً على سورية، ومعه مختار بيهم وعلي سلام وعمر الداعوق، الذين كانوا من مؤيدي الدعوة الفيصلية، فضلاً عن تأييد قسم كبير من سكان مدينة بيروت الانضمام إلى "الدولة الشريفية".

غير أن وثائق وزارة الخارجية الفرنسية المؤرخة في 19 مايو (أيار) 1919 تشير إلى إن المسلمين كانوا منقسمين إلى فريقين: من جهة، الأكثرية العظمى التي كانت تؤمن بضرورة إبقاء سورية موحدة ومستقلة تحت رعاية فيصل. ومن جهة أخرى، ثمة فريق أخر يؤمن بوحدة سورية الكبرى على أساس الكانتونات المرتبطة اقتصادياً وسياسياً بالوصاية الفرنسية.

في خضم ذلك الانقسام، وجّه الجنرال غورو في 14 يوليو (تموز) 1920 إنذاره المعروف باسم "إنذار غورو" إلى الحكومة العربية بدمشق بزعامة فيصل طالبها فيه بـ"قبول الانتداب الفرنسي، والتعامل بالنقد الورقي الذي أصدره مصرف سورية ولبنان في باريس، والموافقة على تمركز الجيش الفرنسي على طول الخط الحديدي الحجازي في حمص وحماه وحلب، وإيقاف عمليات التجنيد الإجباري، ومحاولات التسليح ومعاقبة من تورّط في عمليات عدائية ضد فرنسا"، وطلب غورو من فيصل قبول هذه الشروط كلها أو رفضها كلها، وحدّد مهلة لإنذاره تنتهي بعد أربعة أيام.

وعند فجر 24 يوليو بدأت معركة ميسلون، وعند منتصف النهار ذاته انتهت المعركة وزحف الجيش الفرنسي باتجاه دمشق.

اضطر فيصل إلى التفاوض مع الفرنسيين مباشرة وقام بتوقيع اتفاق مع كليمنصو، اعترف بموجبه بوضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي وأقرّ للدروز الذين يقطنون حوران قرب دمشق بحق الإدارة الذاتية.

مسلمو لبنان الكبير

اعتراف الملك فيصل بالانتداب الفرنسي على لبنان، وقبوله الشروط الفرنسية، دفع المسلمين إلى القبول بالأمر الواقع المستجد، وقد ساهمت الفترة الممتدة بين إعلان قيام الدولة حتى الاستقلال وسريان "الميثاق الوطني" بين بشارة الخوري ورياض الصلح في تفعيل اندماجهم، ففي هذه الفترة اشتدت المنافسة على الحكم بين زعيمين مسيحيين هما إميل إده الفرنسي "الهوى" وبشارة الخوري التوافقي والأكثر دبلوماسية في مقاربة الأمور، وسرعان ما برز الخوري كمنافس عتيد لأميل إده بفضل حنكته السياسية من جهة، وصلته الحميمة بآل شيحا وأنسبائه من آل فرعون الأثرياء، من جهة أخرى، بحيث سيطرت هذه المنافسة على الحياة السياسية اللبنانية حتى مطلع عهد الاستقلال. وكان إده يمثّل وجهة النظر المارونية الاستقلالية التقليدية المتخوّفة من "القومية العربية" ودعوتها إلى الوحدة، وهو ما نفّر غالبية المسلمين منه، في حين كان بشارة الخوري أكثر واقعية، على الرغم من أنه لم يكن أقل تمسكاً باستقلال لبنان، لكنه استشعر أهمية الوجود الإسلامي في لبنان وما يفرضه هذا الوجود من ضرورة التسوية، فلم يجد من الحكمة أن يندد بالقومية العربية، على الرغم من أن بشارة الخوري لم يكن قومياً عربياً.

ويعتبر عام 1932 مفصلياً في تحديد طائفة رئيس الجمهورية، لكن في مفارقة سياسية دعم أميل إده وموارنة آخرون ترشيح رئيس مجلس النواب (1927-1930) الشيخ محمد الجسر للانتخابات الرئاسية في ذلك العام تقديراً لموقف الشيخ الجسر الإيجابي من الكيان اللبناني الجديد عام 1920. وأصرّ الشيخ محمد الجسر على التمسك بترشيحه كمسلم لمنصب رئيس الجمهورية، مطالباً في الوقت نفسه بإحصاء سكاني، وعلى هذا الأساس شارك المسلمون بإحصاء عام 1932، الذي أثبت خسارة المسيحيين تفوقهم الديموغرافي الساحق الذي عرفوه في جبل لبنان، حيث حقق المسيحيون تفوقاً طفيفاً على المسلمين.

السّنة في الدولة

وكان صدى ترشح الشيخ الجسر لمنصب رئاسة الجمهورية ووقوف عدد كبير من السياسيين والوجهاء المسلمين والمسيحيين إلى جانبه، مؤشراً إلى دخول المسلمين في اللعبة السياسية اللبنانية المستجدة، فوقوفهم موقف المتفرج أو المحايد تجاه وضع أسس قيام الدولة، سيخرجهم من مركز القرار الذي سيكون في يد الموارنة.

غير أن سلطات الانتداب عارضت هذا الترشيح وأفهمت صاحبه أن أوامر باريس تقضي بعدم السماح لمسلم أن يصل إلى رئاسة الجمهورية، وكانت حجة المفوضية الفرنسية لتلك الإجراءات هي "أنه لما كان رئيس الجمهورية السورية مسلماً فمن المنصف أن تكون الرئاسة في لبنان لمسيحي"، وإثر ذلك، عاد النشاط الوحدوي يظهر من جديد في دمشق وبيروت، ولكن على الرغم من هذه المطالبات، قام حبيب باشا السعد بعد تسلّمه رئاسة الجمهورية بتكليف عبد الله بيهم القادم من إحدى أهم العائلات الإسلامية البيروتية، بأمانة سرّ الدولة، وهو منصب يوازي منصب رئيس الوزراء.

وفي عهده لجأ الرئيس إميل اده إلى التشاور مع المفوضية الفرنسية للتوصل إلى الصيغة الفضلى لتخفيف حدة معارضة مسلمي لبنان للدولة اللبنانية، فاستقر رأيه، بالاتفاق مع السلطات الفرنسية، على أن توكل رئاسة الوزراء إلى مسلم سنّي لاستمالة الطائفة السنية واستيعابها، فقام بتكليف الزعيم الطرابلسي خير الدين الأحدب بتأليف وزارة جديدة في الخامس من يناير (كانون الثاني) 1937، فتشكلت منه ومن إميل زكور وحبيب أبو شهلا وأحمد الحسيني. وشكّل الأحدب خمس حكومات متوالية في عهد الرئيس إميل اده، ما بدا وكأن البلاد تدخل عهداً جديداً من المساواة في الحقوق والواجبات والإنصاف للجميع، وعليه فقد شدد الأحدب على رفض ضمّ طرابلس إلى سورية وأكد ضرورة وحدة لبنان، بل أرسل، مع الرئيس إده رسالة مشتركة إلى ليون بلوم رئيس الوزراء الفرنسي تحتج على المطامع السورية في طرابلس وعكار.

ثم تعاون الرئيس إده مع الأمير خالد شهاب (من حاصبيا) ومن ثم مع عبد الله اليافي (من بيروت) ثم عبد الله بيهم (بيروت) كأمين سر للدولة. يقول الباحث الأستاذ حسان حلاق بناء على هذه التطورات، إن التعاون مع ثلاثة رؤساء وزارة سنّة يعتبر اعترافاً رسمياً من المسلمين بالدولة اللبنانية وبالكيان اللبناني، وبدورهم، فإن المسلمين الوحدويين، وفي مقدمهم رياض الصلح وكاظم الصلح وتقي الدين الصلح، كانوا يرون أن المطالبة باستمرار الوحدة السورية أو التهديد بها، يمكن أن تأخذ المسيحيين في لبنان إلى كيان مستقل يماثل كيان متصرفية جبل لبنان. ومن خلال التحولات السياسية التي بدت واضحة في سلوك زعماء الوحدة من المسلمين نحو الدولة اللبنانية والكيان اللبناني، يمكن ملاحظة أن زعماء الطائفة السنية من دعاة الوحدة لم يكونوا أقلّ من سواهم في هذه المرحلة تمسكاً بالكيان اللبناني، خصوصاً بعد أن تكرّس هذا الكيان لبنانياً وعربياً ودولياً، مقابل تكريس الكيان السوري.

ولا بدّ من القول إن قبول قيادات الطائفة السنية تولّي مناصب نيابية ووزارية ورئاسة وزراء كان من جملة العوامل الأساسية في إرساء دعائم الحكم والنظام اللبناني.

الموقف الشيعي

وطرحت الدوائر السياسية في وزارة الخارجية الفرنسية تساؤلاً حول الوحدة السورية، عن الموقف الفعلي لشيعة لبنان، وطلبت من موظفي المفوضية الفرنسية في بيروت توضيح هذه النقطة، فأرسلوا في 21 أغسطس (آب) 1936 رداً جاء فيه "هناك 155 ألف شيعي في لبنان، والتجمعات الأساسية لهم هي في بعلبك والهرمل والجنوب مع وجود أقلية صغيرة في المدن. ودعاة الوحدة السورية والعربية أقلية بين الشيعة، الوجهاء المحليون من إقطاعيين وأعيان يسيرون وراء رجال الدين، وغالبية الفلاحين الشيعة يسيرون غريزياً وقلبياً وراء زعمائهم الروحيين والزمنيين. وللشيعة أربعة نواب في البرلمان اللبناني جميعهم أكدوا تمسكّهم بسلامة لبنان ضمن حدوده الحالية. والزعيم الديني الأساسي للطائفة الشيخ محمد جواد مغنية من لبنان الجنوبي (هذه التسمية لاحقة على رسم الحدود، وكان الجنوب سمّي جبل عامل قبلها) أكد للرئيس إده، بعد اجتماعهما، أنه مع استقلال لبنان ضمن حدوده المعروفة. ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن "98 في المئة من شيعة لبنان هم مع لبنان الكبير الحرّ المستقل".

وفي توصيف عميق ومختصر للحالة الجديدة، أطلق السياسي والأديب كاظم الصلح مقولته الشهيرة في العام 1936، "النصف والنصف الآخر"، ومعناها أنه لا يمكن إرغام نصف اللبنانيين على الذهاب نحو دولة الوحدة العربية، ولا يمكن في الوقت ذاته إخضاع نصف اللبنانيين الآخرين لدولةٍ لبنانية تحميها فرنسا، وما بين نفي الإرغام ونفي الإخضاع، وما بين هذا النصف وذاك النصف يتشكّل الواحد، وهذا الواحد هو لبنان.