Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صمام إلكتروني صغير أنقذ لندن من غارات هتلر الصاروخية

 "القذيفة الذكية" التي غيرت مجرى الحرب العالمية الثانية

قصف لندن خلال الحرب العالمية الثانية (الموسوعة البريطانية)

في الساعات الأولى من فجر 13 يونيو (حزيران) 1944، تردد صدى هدير المدافع المضادة للطائرات في ظلام سماء شرق لندن. لكنه بدا مختلفاً هذه المرة عما اعتاد سكان المدينة سماعه. فهم عادة ما يتناهى إليهم دوي الانفجارات العميق لذخيرة الطلقات الثقيلة من عيار 94 مليمتراً التي تستخدمها أطقم المدافع المضادة سعياً وراء إسقاط قاذفات سلاح الجو الألماني المغيرة على المدينة. لكن الصدى كان أقل قوة هذه المرة، جراء استخدام ذخائر مضادة للطائرات من عيار 40 مليمتراً، مما يشير إلى تصدي الدفاعات لأهداف تطير على ارتفاعات منخفضة.

وما هي إلا لحظات حتى انشقت طائرة معادية "بسرعة غير معتادة" من بين الغيوم التي أضاءتها الكشافات العملاقة. كانت الطائرة أسرع بكثير من مقاتلة "سبيتفاير" البريطانية أو حتى "ميسرشميتس" الألمانية ذات الأداء المذهل. كانت أشبه بنيزك يندفع بسرعة مُحدثاً وراءه ذيلاً من النيران المتوهجة. هكذا وصف الكاتب جيمي هولمز، في كتابه "12 ثانية من الصمت: كيف هزم فريق من المخترعين والسبّاكين والجواسيس سلاح النازيين الخارق"، حال لندن صبيحة بدء الحملة الصاروخية الألمانية عليها خلال الحرب العالمية الثانية.

تساءل رجال الدفاع الجوي البريطاني عن ماهية الطائرة المهاجمة فائقة السرعة، التي شقت السماء فوق "كاتدرائية سانت بول" باتجاه قلب المدينة، قبل أن يخبو لهب جزئها الخلفي غرب "آيل أوف دوجز". لم يتوصل الخبراء الذين عاينوا حطام الطائرات النازية السريعة الأربع التي عثر عليها لاحقاً إلى أي استنتاج بشأن ماهيتها. فقد بدا حطامها "مجرد صفائح معدنية سوداء ينتهي في جزئها الخلفي محرك دفع".

مفاجأة غير سعيدة

لم تكد تمر سوى ثلاثة أيام على هذه الحادثة، حتى تبين للجميع حقيقة "الطائرات فائقة السرعة" الألمانية، عندما سقطت 73 منها على منطقة لندن الكبرى في ليلة واحدة. كانت الطائرات التي لا يقودها طيار في حقيقتها صواريخ "في-1"، أحدث ما في ترسانة الجيش النازي، وهي مقذوفات يصل مداها إلى 250 كيلومتراً، ويزن الواحد منها 2.2 طن. في صباح اليوم التالي كشفت الصحف اللندنية عن غارات تقودها "طائرات من دون طيار". ونشرت صحيفة "ذي إيفنينغ ستاندارد" مقالاً حول "كيفية اكتشاف الطائرات الشبحية" عرضت فيه بالتفصيل الخصائص المميزة للصاروخ "في-1": سرعته المخيفة، ولهبه المنبعث من عادم محركه النفاث، واهتزازاته التي تبعث طنيناً في الأجواء. لم يكن الصاروخ "يتحطم بدقة" فوق هدفه، بل كانت محركاته الطنانة تتوقف عن الدوران فوق المنطقة التي حددها مطلقوه، فتسقط رؤوسه الحربية البالغ وزنها 850 كيلوغراماً من المواد شديدة الانفجار بشكل حر نحو الأرض. نصحت صحيفة "إيفنينج نيوز" قراءها بالاحتماء "عندما يتوقف طنين محرك الصاروخ، ذلك أن انفجاراً سيلي ذلك في غضون خمس ثوان إلى 12 ثانية".

يقول بيتر كوكسلي في كتابه "القنبلة الطائرة" إنه خلال الأسبوعين الأولين من بدء الهجمات، أطلقت القوات الجوية الألمانية زهاء 1585 صاروخ "في-1"، نجح أكثر من 1100 منها في اجتياز القناة الإنجليزية، فيما تمكن طيارو سلاح الجو الملكي البريطاني من إسقاط 315 واحداً، بينما أصاب 558 منها أهدافاً في مناطق من لندن الكبرى. كان إطلاق نيران الدفاعات الأرضية على صواريخ "في-1" فوق المدينة، ينجح فقط في إسقاطها على غير أهدافها المخططة. لذا توقفت المدافع المضادة للطائرات عن التصدي لصواريخ "في-1" التي ما فتئت أسرابها تصول وتجول في سماء المدينة زارعة الموت والخراب في كل حي من أحيائها. ثلاثة أسابيع على بدء الحملة، كشف رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، عن أن صواريخ "في-1" أودت بحياة 2752 شخصاً، وأصابت زهاء 8000 آخرين، وهي أرقام مخيفة لم تشهدها لندن منذ انتهاء حملات قاذفات سلاح الجو الألماني قبل ثلاث سنوات.

لم تكن دفاعات البريطانيين المضادة للطائرات مفيدة في ذلك الوقت. ففي الأسابيع الأولى من الغارات، تطلب الأمر ما معدله 20 ألف طلقة مضادة للطائرات لإسقاط صاروخ "في-1" واحد. ذلك أن الأخير يحلق بسرعة تزيد على 640 كيلو متر بالساعة، مما حوّل تعقبه إلى أمر صعب. تمكنت المضادات الأرضية خلال تلك الفترة من إسقاط زهاء 9 في المئة فقط من صواريخ "في-1". في ذلك الوقت، كان يتعين على طلقات المدافع المضادة إما أن تصطدم مباشرة بالصاروخ أو أن تنفجر مسبقاً بالقرب من جسمه المعدني. كان الخيار الأخير بدائياً حقاً، إذ توجب على ضابط المدفعية تقدير مكان وجود الصاروخ، لمدة 10 ثوانٍ، ثم ضبط مؤقت تفجير القذيفة المضادة وفقاً لذلك قبيل إطلاقها.

الحل في الصمام

لسنوات عدة، كان الحل واضحاً من الناحية النظرية. فلو تمكن الباحثون من تثبيت جهاز استشعار داخل القذيفة المضادة، يمكن عندئذ برمجتها لتنفجر لدى أقرب نقطة من الصاروخ. لكن أجهزة ذلك العصر الإلكترونية كانت شديدة الهشاشة، فيما الضغط المتولد داخل فوهة المدفع المضاد للطائرات يصل إلى 20 ألف ضعف قوة الجاذبية. كما توجب على الباحثين تقليص المكونات الحساسة للقذيفة مثل أجزاء الراديو لتصل إلى حجم كرة تنس، ثم حشرها داخل الطلقة، وتصميم "صمام تفجير اقترابي" جديد يكون متيناً بما يكفي للعمل أثناء تحليقه في الهواء. ولكي ينجح الأمر فإن على الصمام "الذكي" الجديد أن يكون صغيراً ومتيناً، وهي صفات كانت وقتها تتحدى قوانين الفيزياء.

سنوات قبل ذلك، وتحديداً في عام 1940، عقد أربعة باحثين فيزيائيين أميركيين العزم على تطوير "صمام ذكي" بناءً على طلب من البحرية الأميركية. عُرفت الفرقة باسم "القسم تي" نسبة إلى رئيسها الفيزيائي المتحمس ميرلي توفي. بحلول نهاية عام 1940، صمم فريق توفي جهاز استشعار يحوي صماماً لاسلكياً صغيراً يمكن تفعيله لدى ارتداد الإشارة الخاصة به عن الهدف. 

أوائل عام 1943، بدأت البحرية الأميركية استخدام فتيل "القسم تي" ضد القوات الجوية اليابانية في معارك جنوب المحيط الهادي حسب موقع "ريسيرش غيت". على مدار ذلك العام، استخدمت 25 في المئة من المدافع الثقيلة المضادة للطائرات (من عيار 127 مليمتراً) ذخائر مزودة بـ"صمامات ذكية" تتفاعل مع موجات الراديو المرتدة من أجسام طائرات العدو، لتنفجر على مقربة 23 متراً من أهدافها مُطلقة العنان لوابل مميت من الشظايا. في المحصلة النهائية، تسببت ذخائر "القسم تي" الذكية في إسقاط 51 في المئة من الطائرات اليابانية؛ إذ عادلت فعالية 12 مدفعاً مزوداً بالصمام الذكي أداء 36 مدفعاً عادياً.

تحدي الصاروخ

في 3 مارس (آذار) 1944، سربت مجموعة استخباراتية أميركية المخططات التصميمية للصاروخ "في-1" إلى "القسم تي"، أي قبل زهاء ثلاثة أشهر من بدء الغارات على لندن. لم يكن الحلفاء متأكدين تماماً من شكل هذه "الطائرة الآلية". ولكن من مصادر استخباراتية مختلفة، وضع المهندسون الأميركيون أفضل تخميناتهم في ما يتعلق بأبعادها. في غضون يومين، قام باحثو "القسم تي" بتجميع نموذج كامل لهذه الطائرة الآلية، وغلفوه بسلك معدني ليعكس موجات الراديو، وربطوه بين برجين. مع باع جناحيها البالغ 3 أمتار فقط، كانت الطائرة الآلية أصغر بكثير من نظيراتها العادية؛ إذ عادلت نصف حجم مقاتلة "زيرو" يابانية. قدّر الباحثون الحاجة إلى صمامات أكثر حساسية لضمان انفجار القذائف المضادة على مسافة مثالية، أي على مقربة 8 أمتار. خلُص تحليل للاختبارات إلى أنه إذا كانت المدافع المضادة دقيقة بما يكفي، فإن أمام الصمام فرصة لا تقل عن 86 في المئة لإسقاط صاروخ "في-1".

بحلول منتصف يوليو (تموز) 1944، تجاوز عدد قتلى لندن جراء غارات صواريخ "في-1" ما فُقد خلال الأيام الخمسة عشر الأولى من معركة نورماندي. كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يعقد اجتماعاً كل ليلتين مع قيادة سلاح الجو الملكي والجنرال فريدريك بايل قائد الدفاع الجوي. أمام تعاظم الخسائر، طلب بايل تغيير الإستراتيجية الدفاعية ضد صواريخ "في-1"، فوافقه تشرشل ومنحه حرية التصرف.

نقطة تحول
يتحدث كولين دوبنسون في كتابه "قيادة الدفاع الجوي البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية" إنه ومع تولي الجنرال بايل المسؤولية، نُقلت المدافع المضادة للطائرات إلى الساحل الجنوبي لإنجلترا، ووُفِق على استخدام الذخائر المزودة بصمامات ذكية التي بدأت في التدفق من "القسم تي" بكميات كبيرة. بناءً على طلب بايل، أقيمت ورش لتدريب أطقم الدفاع الجوي على أساسيات عمل الجهاز الجديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


في ذلك الأسبوع الأول من نقل المدافع إلى الساحل الجنوبي، ارتفعت نسبة إسقاط الدفاعات الجوية لصواريخ "في-1" من 9 إلى17 في المئة، لتصل إلى 24 في المئة خلال ثلاثة أسابيع. إثر مرور شهرين، وبفضل إدماج رادارات حديثة وأجهزة تصويب أفضل لمنظومة الدفاع الجوي، أتقن الصمام الذكي إسقاط صواريخ "في-1" فتضاعفت نسب النجاح إلى 46 في المئة، لتتصاعد بعد ذلك نحو 67 في المئة بل أن تصل ذروتها المتمثلة في إسقاط 79 في المئة من مجمل الصواريخ.

مع تطور الأداء احتاجت أطقم الدفاع الجوي إلى 100 قذيفة ذات صمام ذكي في المتوسط، لإسقاط صاروخ "في-1" واحد، وهو رقم أفضل بستة أضعاف من الصمامات العادية. لاحظ الجنرال بايل أن أفضل بطارياته كانت "تسقط صاروخاً واحداً كل 40 طلقة"، أي أفضل بعشرة أضعاف من الصمامات العادية. بحلول سبتمبر (أيلول)، توقفت هجمات صواريخ "في-1" فعلياً. يقول بايل في مذكراته "لقد تطورت إمكانات العمل المضاد للطائرات خلال 80 يوماً أكثر مما أُنجز في الثلاثين عاماً الماضية".

تسببت ضربات صواريخ "في-1" في محصلتها النهائية في وفاة 22,892 شخصاً وإصابة عشرات الآلاف. وكادت هذه الصواريخ تشكل منعطفاً خطيراً في مجرى الحرب لو لم يُحيّد خطرها في الوقت المناسب على يد صمام صغير بحجم كرة المضرب. من قال إن الأسلحة الدفاعية لا تحسم الحروب؟