Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنقرة بين حلم "الوطن الأزرق" والبحث عن الطاقة

طموح قومي يرافق تمدداً في شرق المتوسط ويستفز الدول المتشاطئة

أردوغان يسعى لمد النفوذ التركي في المنطقة العربية (أ ب)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاقاً مع حليفه في ليبيا فائزالسرّاج، رئيس الحكومة التي تسيطر على العاصمة طرابلس، يقيم بموجبه ممراً بحرياً في شرق البحر المتوسط بين البلدين، يمنح تركيا السيطرة ليس على المياه الليبية فحسب، لكن يسمح لها بالاستيلاء على مياه تقع ضمن سيادة اليونان. وبموجب هذا الممر تقطع تركيا الطريق على مشروع خط أنابيب "إيست ميد"، الذي اتفقت عليه كل من إسرائيل، وقبرص، واليونان لتوريد الغاز لأوروبا. 

هذه التحركات غير القانونية لتركيا، التي لاقت رفضاً دولياً، ليس فقط لعدم وجود حدود بحرية بين تركيا ولييبا، لكن أيضاً لانتهاكها المياه اليونانية بشكل صارخ، من خلال الاستيلاء على المنطقة الاقتصادية لجزيرة كريت اليونانية، التي يقطنها أكثر من 600 ألف نسمة، وتضم قاعدة عسكرية أميركية، جاءت ضمن خطة أوسع للتحول إلى قوة إقليمية تسيطر على البحار المحيطة بها، تنطلق من عقيدة "الوطن الأزرق". 

اُعلِن عما يعرف بالوطن الأزرق (مافي فاتان)، لأول مرة عام 2006، من قبل أدميرال البحرية التركي جيم جوردنيز. وتشير التسمية إلى المساعي القومية التركية نحو التوسع والسيطرة على البحار الثلاثة، التي تحيط بتركيا من الشمال حيث البحر الأسود، والغرب، والجنوب حيث بحرا إيجة والمتوسط، التي أشار إليها الرئيس التركي، خلال خطابه في عيد الجمهورية أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بكلمة "بحارنا"، قائلاً "أثناء قيامنا بواجباتنا، نحن فخورون بأن نرفع رايتنا التركية المجيدة في جميع بحارنا. أقر بأننا على استعداد لحماية كل مساحة من وطننا الأزرق البالغ مساحته 462 ألف متر مربع بتصميم كبير، والقيام بكل واجب ممكن قد يأتي".

 على مدار العام الجاري صعّدت تركيا من لهجتها العدائية في المنطقة، وأرسلت سفناً للتنقيب عن الطاقة منتهكة المناطق الاقتصادية لليونان وقبرص، ما أدى لتصعيدٍ غير مسبوق في المنطقة، كاد أن يؤدي لمواجهات عسكرية بين تركيا واليونان في بحر إيجة، أو البحر المتوسط. 

إلغاء معاهدة لوزان

 يرى مراقبون أن هدف عقيدة الوطن الأزرق، الذي أعلنه الأدميرال التركي، برعاية الحكومة، هو تحقيق سيطرة تركيا وترسيخها في البحار الثلاثة المحيطة بها، لثقل نفوذها الإقليمي والدولي، والسماح لها بمصادر هائلة للطاقة، ما سيساعد على دعم نموها الاقتصادي والديموغرافي دون الاعتماد على دول أخرى. 

يقول ريان جينجراس، الأستاذ بقسم شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية الأميركية، إن الاستخدام الواسع من قبل القادة الأتراك لمصطلح "الوطن الأزرق" يمثل أكثر من مجرد عمل ذي طابع سياسي، بل يشير إلى تحول جذري، إلى حد ما، في العقيدة داخل الدوائر السياسية والعسكرية التركية. ويقول إنه لم يمضِ وقت طويل منذ أن ارتبطت التغييرات في التفكير الإستراتيجي التركي بالتحولات في الإدارة نفسها، لاسيما تحول البلاد من القادة العلمانيين إلى القادة الأكثر تحفظاً دينياً. 

بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية المعلنة لهذه العقيدة، يرى المعهد الدولي للهجرة وأبحاث الأمن (مركز أبحاث أوروبي في بلغاريا)، أن الهدف الخفي لتركيا هو إلغاء آثار معاهدة لوزان، التي فُرضت على الأتراك العثمانيين عام 1923، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية العثمانية. 

وضَعَ مبدأ "الوطن الأزرق" أهدافاً للسيطرة التركية ترتكز على جانبين، يتعلق الأول بمصادر الطاقة، وهي البحار الثلاثة التي تحيط بتركيا، البحر المتوسط، وبحر إيجة، والبحر الأسود، بينما الجانب الثاني إستراتيجي، ويشمل البحر الأحمر، وبحر قزوين، وبحر العرب بما في ذلك الخليج العربي. ويشير المركز الأوروبي إلى أن الهيمنة التركية وتنفيذ مبدأ "الوطن الأزرق" تعتمد على الهيمنة البحرية التركية في هذه المناطق، بما في ذلك السيطرة على مكامن النفط والغاز.

 

التسلل السياسي 

جانب آخر لإرساء الهيمنة هو التسلل السياسي لدول المنطقة، وإنشاء قواعد عسكرية، وتدريب القوات العسكرية التي ستقف إلى جانبها. فقد أنشأت تركيا قواعد عسكرية وبحرية في الصومال والسودان وليبيا وقطر، بما في ذلك تدريب الجنود، وتوريد الأسلحة والذخيرة، وغيرها من أشكال الدعم العسكري. وللتمكن على الأرض، أرسلت تركيا إلى ليبيا آلاف المرتزقة الموالين لها من سوريا، لدعم حكومة السرّاج للسيطرة على مزيد من الأراضي في مواجهة الجيش الوطني الليبي بزعامة خليفة حفتر. 

وتتحدث تركيا أن موقفها دفاعي أكثر من كونه توسعياً، لكن بعض المعلقين يشيرون إلى تحركاتها في شرق البحر المتوسط، كأحد ضلوع إستراتيجية "الوطن الأزرق". ويقول كليمنس هوفمان، أستاذ السياسات الدولية لدى جامعة ستيرلينج في المملكة المتحدة، إنه في أحسن الأحوال يتعلق الأمر بالهيمنة البحرية، وفي أسوأها فإنه يعني مراجعة من أنقرة للحدود المتفق عليها في معاهدة لوزان. ويُنظر إلى حديث تركيا المستمر باسم شمال قبرص، الذي تحتله منذ عام 1974، إلى جانب الغزو العسكري لشمال شرقي سوريا العام الماضي، وإدخال الليرة إلى أجزاء من تلك المنطقة التي تسيطر عليها، كدليل واضح على هذه الأهداف التوسعية. ومع ذلك، فإن عزل تركيا بعيداً عن معظم اتفاقيات المنطقة الاقتصادية الخالصة في المنطقة، وكذلك خط غاز إيست ميد، ربما جعل أردوغان يتطلع للضغط من أجل الحصول على مقعد على طاولة المفاوضات، وليس الاستيلاء على الأراضي أو الطاقة. 

القوة البحرية

تدرك تركيا أن تضاريسها الأرضية، المغطاة بالجبال، هي ميزة دفاعية وآمنة من الهجمات البرية. في حين أن الحدود البحرية لتركيا، التي تمتد عبر ثلاثة بحار، هي حدودها الضعيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى تشكل فرصة لاحتياجاتها من الطاقة، واستقلالها الاقتصادي، والتوسع. ويقول إيال بينكو، من المعهد الدولي للهجرة وأبحاث الأمن، إن هذا الفهم الذي يكمن في جذور التاريخ العثماني، دفع أردوغان نحو التمكين، وإطلاق برنامج لحشد القوات البحرية بعد وقت قصير من صعوده للحكم، ومن ثم تركز صناعة الدفاع التركية على تطوير وإنتاج السفن والطائرات، وأنظمة الأسلحة المتطورة للجيش بشكل عام والبحرية بشكل خاص.

وفي فبراير (شباط) العام الماضي، أطلقت تركيا أكبر مناورة بحرية في تاريخ البلاد، لاختبار قدراتها القتالية في البحر الأسود، وبحر إيجة، وشرق المتوسط في وقت واحد تحت مسمي "مناورات الوطن الأزرق 2019"، بمشاركة 103 سفن. تكررت هذه المناورات في مايو (آيار) من العام نفسه 131 سفينة عسكرية، و57 طائرةً، و33 مروحية، متزامنة مع إعلان أنقرة عن القيام بعمليات تنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، وهو ما أثار وقتها حفيظة الاتحاد الأوروبي، الذي وجه تحذيراً لتركيا. 

ضعف النظام في الداخل

رؤية "الوطن الأزرق"، التي طُبِّقَت في السنوات الأخيرة لا تمثل فقط أردوغان، ولكنها تمثل طموحاً قومياً تركياً يدعو إلى العودة، والتأثير سياسياً واقتصادياً على المنطقة، التي كانت تسيطر عليها خلال حقبة الإمبراطورية العثمانية. وهذا المسعى يقف جنباً إلى جنب مع الواقع الداخلي المتدهور على الصعيد السياسي والاقتصادي، ويفسر أيضاً سلوك أردوغان العدائي تجاه جيران بلاده وخطابه المتواصل حول "الوطن الأزرق".

فبحسب أنتوني سكينر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في شركة فيريسك مابليكروفت الاستشارية للمخاطر، تسهم تقديرات الانتخابات المتعلقة بالرئيس أردوغان في توضيح، على سبيل المثال، سبب اندفاع "شركة النفط الوطنية التركية" ("تباو") للتنقيب في المياه التي تطالب بها تركيا في قبرص. وما يثير الجدل أن هذه المياه تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة المعترف بها دولياً لقبرص اليونانية، التي تتمتع بعضوية الاتحاد الأوروبي.

بعدما أثار أردوغان حفيظة الجزء الأكبر من أكراد تركيا والليبراليين، وقوّض دعائم قاعدته المتدينة قديمة العهد، ازداد اعتماده على القومية المجردة للبقاء في الحكم. فبسط النفوذ في شرق البحر المتوسط، يخدم بشكل مباشر مجموعة كبيرة من الناخبين القوميين في تركيا، كما يدعم رؤية أردوغان لتركيا كقوة إقليمية مستقلة لا يستهان بها. لذا يشير سكينر إلى أن خطة "الوطن الأزرق" التي يتبناها نظام أردوغان، تهدف في المقام الأول إلى كسب دعم "حزب الحركة القومية" المتطرف في تركيا، المتحالف بالفعل مع حزب العدالة والتنمية التابع لأردوغان. وبتأكيد التحالف بين "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، و"حزب الحركة القومية" المتطرف وترسيخه، سيتمكن أردوغان من الحصول على أصوات "حزب الحركة القومية" في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما فعل في العام 2018.

الرهان على الانتخابات القادمة 

بالنظر إلى هذه الدوافع، فمن المحتمل جداً أن يزيد أردوغان من حدة التوترات في شرق المتوسط في السنوات القادمة، وهو ما قد يعزز من شعبية الرئيس، ويجتذب شركاء الائتلاف القومي المتطرف، ومناصريهم في الفترة التي تسبق الانتخابات الوطنية. ومع ضعف أداء حزب أردوغان خلال الانتخابات المحلية، التي أجريت العام الماضي، بما في ذلك الخسارة الكبيرة التي لحقت به في إسطنبول، يبدو أن موقف أردوغان الوطني قد أصبح أكثر ضعفاً. ومن المقرر أن تجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الانتخابات في العام 2023، إلا أن عدداً من المراقبين المحليين يتوقعون أن يدعو أردوغان إلى انتخابات مبكرة في العام 2021، أو 2022 قاطعاً الطريق على المعارضة السياسية.

عزلة إقليمية

يرى جينجراس أنه مع استمرار الضغوط المالية والعزلة المتزايدة لتركيا، ربما يتلاشى حماس أردوغان للتوسعات البحرية مع مرور الوقت. فالسلوك التركي العدواني في البحر المتوسط، وبحر إيجة، وسوريا، وليبيا، والعراق، حيث تشن القوات التركية عملية عسكرية كبيرة ضد الأكراد، حفّز بطبيعة الحال الخصوم المحتملين، بما في ذلك اليونان، وقبرص، ومصر، وفرنسا، والعراق، والإمارات. وتتعرض دول الخليج، ومصر للتهديد من موقف تركيا، وقطر المؤيد لتنظيم الإخوان الإرهابي، فضلاً عن إرسالها عناصر إرهابية إلى ليبيا تشكل تهديداً لدول المنطقة وبخاصة مصر. 

يقول هوفمان إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت، لم تكن مصادفة بأي حال من الأحوال مثل الانفجار الذي دمر العاصمة اللبنانية. وتعهدت فرنسا والإمارات بالمشاركة في تمويل إصلاحات ميناء بيروت، في استباق للمساعي التركية. وتجمع فرنسا اتفاقيات عسكرية مع الإمارات، واليونان، وقبرص، ومصر، وكلها موجهة نحو كبح تصرفات أنقرة. 

ووفقاً لوسائل إعلام يونانية، فإن الإمارات تعتزم إرسال طائرات حربية إلى قاعدة سودا البحرية في جزيرة كريت في البحر المتوسط، للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات الجوية اليونانية، خلال الأسبوع الجاري.