تواري بدوي ولعمامرة والإبراهيمي... تراجع تكتيكي أم رمي للمنشفة؟

رفض شعبي وسياسي للمهمات التي كُلِّفت الشخصيات الثلاث تنفيذها انقاذاً للنظام

صحافيون عاملون في التلفزيون الرسمي الجزائري يكمون أفواههم خلال اعتصام للمطالبة بالحرية في تغطية التظاهرات الشعبية (رويترز)

لم يبقَ هناك أي ممثل للسلطة في الجزائر، فمع غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب وضعه الصحي، توارت شخصيات راهن عليها محيط الرئاسة لتهدئة الشارع الذي يتحرك منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، مطالباً برحيل النظام، بحيث لم يظهر كل من رئيس الوزراء الجديد نور الدين بدوي ونائبه رمطان لعمامرة والديبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي منذ الاسبوع الثاني لتعيينهم. وكان منتظراً من هؤلاء السيطرة على المشهد العام في الجزائر، تصدياً للحراك الشعبي الذي أربك الجميع. وراهن محيط بوتفليقة وأطراف أخرى في السلطة على تلك الشخصيات الثلاث لتهدئة الشارع وضمان تنفيذ خريطة الطريق التي وضعها بوتفليقة، فبعد استقالة رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، عُيِّن نور الدين بدوي خلفاً له، واستُحدث منصب نائب رئيس الحكومة ليشغله رمطان لعمامرة، إضافة إلى تحرّك الأخضر الابراهيمي، الذي لم يُفصح عن منصبه، في حين تحدثت تسريبات عن رغبته في المساعدة على حل الازمة السياسية استجابةً لطلب صديقه الرئيس.

ورافقت تلك التعيينات انتقادات شعبية واسعة، ترجمتها الشعارات واللافتات التي رُفعت خلال المسيرات، كما اعتبرت المعارضة أن "خطوة الرئيس مجرد ذرّ للرماد في العيون ومحاولة للالتفاف على الحراك الشعبي، لأنه لا يمكن إحداث التغيير بوجوه الأزمة".
 

هفوات بدوي ولعمامرة والإبراهيمي
 
وتحركت الشخصيات الثلاث خلال الأسبوع الأول من التعيين وفق المهمات التي أُسندت إليها، فباشر بدوي دعوة شخصيات إلى جلسات تشاور من أجل تشكيل الحكومة، وجال لعمامرة على عواصم أوروبية، حيث سمع تصريحات من مسؤولين غربيين ركزوا على ضرورة الخروج من الأزمة عبر أخذ مطالب الشعب في الاعتبار. أما الاخضر الابراهيمي، فاتخذ من جناحه في أحد الفنادق الفخمة في العاصمة، مقراً لعقد لقاءات مع سياسيين ومع شباب الحراك الشعبي. إلا أن "صوت وصورة" تحركات المسؤولين الثلاثة خفتا بعد أسبوع من دون سابق انذار.
ويعتقد الاستاذ في جامعة وهران رابح لونيسي أن "الإبراهيمي غادر الجزائر بعدما اكتشف حقائق كانت غائبة عنه، وهو الذي كان يعيش في الخارج منقطعاً باعترافه عن الواقع الجزائري، لكن هذا لا يعني أنه لن يستغل علاقاته الدولية لإنقاذ بوتفليقة ومحيطه. وهذا ما يخيف". وتابع "نعتقد أن لعمامرة وبدوي تراجعا موقّتاً وقد يخفيان مفاجأة، وتالياً يجب النظر إلى صمتهما بحذر". ولفت إلى أن بدوي "قد يرمي المنشفة بعد فشله في تشكيل الحكومة".
أما في ما يتصل بلعمامرة، فيقول لونيسي "يواصل مهمته على الصعيد الدولي مثل الإبراهيمي، لجلب الدعم للنظام، من خلال منح هذه الدول والقوى امتيازات كبيرة على حساب مصالح الجزائر، مثلما حصلت فرنسا على امتيازات كبيرة في عهد بوتفليقة".
 
 
ظهور الابراهيمي في الاعلام الفرنسي
 
وفي حين طرح غيابه تساؤلات عدة في الجزائر، ظهر الإبراهيمي على موقع جريدة فرنسية، مخاطباً الجزائريين في رسالة قال إنها "لا تحمل التحليل ولا تقدم الحلول لأزمة الجزائر"، مشيراً إلى أن البلاد "تعيش أياماً ملأى بالوعود، إلا أنها محفوفة بالمخاطر"، محذراً من أن "التأثير في مجريات الأمور مرفوض على الإطلاق لغير الجزائريين". وتطرق إلى "ندوة الوفاق" التي اقترحها بوتفليقة خريطة طريق للمرحلة الانتقالية، قائلاً إن "هناك مَن يكتب هنا وفي الخارج، أنه عُرض عليّ أن أترأس الندوة الوطنية، في حين قال البعض الآخر إني توليت هذا المنصب، والحقيقة أنه لم يُعرض عليّ أي منصب رسمي أو غير رسمي"، معترفاً أنه أجرى مشاورات مع بعض أحزاب الموالاة والمعارضة، وخلص إلى أن الوضع الحالي لا يسمح لطرف واحد أن يقرر أحادياً مَن سيترأس الندوة، معتبراً أنه يجب على الأطراف المشاركة في الندوة الاتفاق على رئيس لها.
 
 
في السياق نفسه، عبّر المحلل السياسي، الخبير في القانون الدولي، اسماعيل خلف الله، عن اعتقاده بأن الإبراهيمي رمى المنشفة "لأنه تيقن أن الشارع الجزائري رفضه وأن الجماعة التي أحضرته إنما تريد أن تجعله واجهة تجاه المنظومة الدولية، وهو كان يعلم ذلك، لكنه فوجىء بالرفض الشعبي له"، مشيراً من جهة أخرى إلى أن "بدوي اختفى ولم يستطع حتى توجيه خطاب للجماهير، بعد فشله في تشكيل الحكومة الجديدة التي كانت تعول عليها جماعة السلطة لتمرير فكرة تمديد العهدة الرابعة وانشاء الندوة الوطنية".
تابع اسماعيل خلف الله "لعمامرة لم يعرف مهمته، هل هي داخل الجزائر أم وزير خارجية؟"، مشيراً إلى أن ذلك الارتباك عائد إلى البدعة التي اخترعتها السلطة "من خلال حكومة برأسين". وأضاف أن "غياب لعمامرة عائد إلى أنه فوجىء بالرد القوي والسريع من الشارع الجزائري على مهمته التي تدخل ضمن تقوية الخارج على الشعب الجزائري، وفتح الباب أمام تدويل الأزمة التي تبقى قضية داخلية، ومفتاحها في الداخل وليس في الخارج. ووصلته هذه الرسالة بقوة، لذلك تراجع وفضّل التريث بعيداً من الأضواء".
 
 
كذلك رأى الاعلامي محمد دلومي أن "قوى السلطة في مرحلة التفاوض الآن بقصد الخروج من الأزمة، وتالياً يجب عدم ظهور الشخصيات الثلاث اعلامياً في الأقل، حتى لا يتم تأويل أي تصريح". واعتبر أن "اخفاق بدوي في مؤتمره الصحافي الأول دفعه الى التقليل من ظهوره حتى لا يعقّد الأمور على نفسه، فضلاً عن انشغاله بأزمة البحث عن وزراء بعدما رفضت وجوه وشخصيات عدة المشاركة في الحكومة".
 

المزيد من العالم العربي