Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تغريم "أبل" 500 مليون دولار يعيد جدل "براءات الاختراع"

نزاعات الملكية الفكرية تكلف العالم نحو تريليوني دولار و205 ملايين وظيفة وبكين تزاحم واشنطن

محكمة أميركية تدين "أبل" بانتهاك براءات اختراع شبكة الجيل الرابع  (أ ف ب)

في الحادي عشر من أغسطس (آب) الحالي حكمت محكمة فيدرالية في ولاية تكساس الأميركية على العملاق التكنولوجي "أبل" بدفع أكثر من 500 مليون دولار بشكل تعويض عن الأضرار، بعد إدانتها بانتهاك براءات اختراع متصلة بشبكة الجيل الرابع مسجلة باسم شركة "بانوبتيس" للملكية الفكرية والمتخصصة في ترخيص براءات الاختراع، رفعت دعواها في فبراير (شباط) العام الماضي، مما أعاد للواجهة الدولية مرة أخرى، "صراع براءات الاختراع وانتهاكات حقوق الملكية الفكرية" التي لطالما تصدرتها بكين، وكان الملف رقماً صعباً في معادلة التوتر التجاري والاقتصادي مع الدول الغربية وعلى رأسها واشنطن.

وفي معرض الحكم على "أبل"، والتى ذكرت وسائل إعلام أميركية، أن مجموعة التكنولوجيا العملاقة البالغ قيمتها السوقية نحو تريليوني دولار ستستأنف القرار، قالت المحكمة، إن الجهة المدعية (شركة بانوبتيس) تفاوضت بشكل متكرر مع أبل للتوصل إلى اتفاقية لمنح رخصة فراند (الأحرف الأولى من عبارة بالإنجليزية تعني نزيهاً ومعقولاً وغير تمييزي وهي المعايير التي يعتمدها قطاع تكنولوجيا المعلومات) التابعة لمحفظة براءة الاختراع للجهة المدعية وهو ما تنتهكه أبل، إلا أن المفاوضات باءت بالفشل إثر رفض العملاق التكنولوجي دفع حقوق فراند لرخصة الجهة المدعية بحسب مستندات قضائية. في المقابل، ردت أبل في بيان أن "دعاوى قضائية كهذه ترفعها شركات تراكم براءات الاختراع لمجرد مضايقة القطاع، من شأنها فقط خنق الابتكار والإضرار بالمستهلكين".

وعليه تحاول "اندبندنت عربية" في السطور المقبلة، الإجابة على عدد من الأسئلة حول ماهية براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، وأي اتفاقات وقوانين تحكم سيرها في عالم ما لبث أن طغى عليه التداخل والتعقيد تحت سيطرة العولمة وثورة المعلومات، وأي المجالات تبقى الأكثر عرضة لانتهاك حقوق ملكيتها، وأي تداعيات يرجحها المختصون بشأن استمرار الاشتعال في ذلك الميدان، الذي لطالما عد عصب الاقتصادات الكبرى وقاطرتها نحو التطور والنمو؟

ماذا تعني "براءة الاختراع"؟

تقول المنظمة العالمية للملكية الفكرية المعروفة اختصارا بـ"ويبو"، إن "الابتكار اختراع شيء جديد يحسّن منتجاً أو عملية أو خدمة. وتتيح حقوق الملكية حماية الابتكارات"، موضحة أن الاختراعات قِوام الابتكار، وتحمي البراءات مصالح المخترعين الذين يستحدثون تكنولوجيات جديدة بالفعل وناجحة تجارياً بضمانها تمكين المخترع من التحكّم بالانتفاع التجاري باختراعه. مشيرة إلى أنه لفرد أو شركة صاحبة براءة اختراع حق منع الآخرين من صنع تلك التكنولوجيا أو بيعها أو التجارة بها بالتجزئة أو استيرادها، مع الإتاحة للمخترع فرصة بيع تكنولوجيته المحمية ببراءة اختراع أو التجارة بها أو ترخيصها لآخرين يرغبون في استخدامها.

وعلى الرغم من أن المعايير التي ينبغي استيفاؤها للحصول على براءة اختراع ترد في القوانين الوطنية للملكية الفكرية، ما يعني أنها قد تختلف من بلد لآخر. لكن للحصول على براءة اختراع، ينبغي عامة أن يُثبت المخترع أن تكنولوجيته جديدة (الجدة) ومفيدة وغير بديهية بالنسبة لمن يعمل في مجال مجاور. وعلى المخترع لذلك أن يشرح كيف تعمل تكنولوجيته، وماذا يمكن أن تفعل. ويمكن أن تمتد فترة الحماية التي تكفلها براءة الاختراع حتى 20 عاماً.

وتتيح "ويبو" المعلومات المرتبطة بالملكية الفكرية للجمهور بواسطة قواعد بياناتها العالمية. وتسمى أكبر قواعد بياناتها "ركن البراءات"، وهي واحدة من أكبر قواعد البيانات في العالم. إذ تحوي أكثر من 50 مليون طلب براءة، وترجع القصد منها إتاحة هذه المعلومات على نطاق واسع لتحفيز أفكار جديدة وتعزيز الابتكار، إضافة إلى تقليص الفجوة المعرفية في البلدان النامية والبلدان الأقل نمواً.

يشار إلى أن براءة الاختراع عبارة عن وثيقة أو شهادة أو مستند حماية، تمنحها الدولة أو أي جهة مخوَلة رسمياً، وطنية كانت أم إقليمية، لفترة زمنية محدَّدة لأحد المبتكرين على اختراعٍ قام به.

وبحسب "ويبو" تنقسم براءة الاختراع إلى عدة أنواع، أبرزها حق الطبع والنشر، وهي تلك المتعلقة بحقوق الأعمال الأدبية والفنية وتشمل الكتب والمقالات والموسيقى واللوحات والنحت والأفلام وبرامج الكمبيوتر وقواعد البيانات والإعلانات والخرائط والرسومات التقنية، وتبلغ مدة صلاحيتها عادةً مدى حياة المؤلف و70 سنة بعد وفاته. وتختلف قليلاً بعض تفاصيل مدة هذه الصلاحية بين بلد وآخر. والعلامة التجارية، وهي علامة أو تصميم أو تعبير يعرِّف عن منتجٍ أو خدمة خاصة بمصدر معيَّن، تمييزاً له عن تلك الخاصة بمصادر أخرى. وتُعطى مدة صلاحية لفترة معينة، مثلاً 10 سنوات تُجدد باستمرار ما دام أنها تبـاع وتُشترى في السوق، وكذلك تأتي الأسرار التجارية، ويُقصد بها بالقوانين المرتبطة بالأسرار التجارية فرض واجب قانوني على بعض الأشخاص والإبقاء على بعض المعلومات سرية، فضلاً عن علامة البلد المعروفة بـ"geographical indication"، والتصميم الصناعي.

متى ظهرت فكرة براءات الاختراع والملكية الفكرية؟

بحسب ما هو مؤرخ على الموقع الإلكتروني للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، فإنه قبل انتشار نظام براءات الاختراع القانوني، كانت المعلومات المتعلقة باكتشاف طرق أو أساليب حرفية للصناعات التي كانت منتشرة كالفخاريات والتعدين وغيرهما، تعد من الأسرار. وكانت العائلات تحتفظ بها لنفسها وتورثها لأحفادها؛ وهذا ما كان يحد من انتشار المعرفة والخبرات العملية. وقد ظهرت عدة أشكال بدائية للبراءات منذ 500 سنة قبل الميلاد وحتى القرن الخامس عشر، ولكن من دون أن يكون لديها معايير قانونية أو فنية محددة. حتى بدأ انتشار أنظمة البراءات الحديثة حول العالم في الربع الثالث من الخامس عشر، بينما يرجع نظام حق المؤلف إلى اختراع الحروف المطبعية والمنفصلة والآلة الطابعة على يد يوهانس غوتنبرغ عام 1440.

ففي عام 1474، وتحديداً في مدينة البندقية الإيطالية (شمال)، ظهرت أولى البراءات القانونية والتي عرفت حينها بـ"قانون البندقية" ونص على منح حق استئثاري للمخترع. ويعد كثير من المؤرخين أن هذا القانون وَضَع المعايير التي انطلقـت على أساسهـا كافـة أنظمـة البراءات للقرون اللاحقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد نحو قرن من الزمان، وتحديداً في نهاية القرن التاسع عشر، رأت عدة بلدان ضرورة وضع قوانين تنظم الملكية الفكرية. أما دولياً فقد وُقع على معاهدتين تعتبران الأساس الدولي لنظام الملكية الفكرية هما: اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية 1883، والتي ضمت إلى عضويتها بدايةً 11 بلداً معظمها أوروبية إضافة إلى البرازيل وغواتيمالا، وأعطت المخترعين الذين تقدَّموا بطلب أولاً في بلد عضو، حق الاستفادة منه في الدول الأعضاء الأخرى. ولاحقاً، عُدلت بنود الاتفاقية عدة مرات، ودخل إلى عضويتها عديد من الدول الأخرى ليصل عددها إلى 177 دولةً في يناير (كانون الثاني) 2019، واتفاقية برن 1886 لحماية المصنفات الأدبية والفنية.

وفي يوليو (تموز) عام 1967 تأسست المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) تحت مظلة الأمم المتحدة في جنيف، عبارة عن منتدى عالمي لكافة خدمات الملكية الفكرية بما فيها البراءات، بهدف تنسيق عملية حماية الملكية الفكرية وحث الدول على توقيع الاتفاقيات وإصدار القوانين بهذا الشأن. أعقبها التوقيع الدولي على عدد من المعاهدات ذات الشأن وتحت مظلة الـ"ويبو" منها معاهـدة التعـاون بشـأن البراءات في واشنطن 1970، ومعاهدة بودابست 1977.

انتهاكات الملكية الفكرية

على مدار العقود والسنوات الأخيرة، ظهرت العديد من أنواع الانتهاكات التي أثرت على حقوق الملكية الفكرية، وذلك في وقت يجمع المختصون، على اعتبار براءات الاختراع عماداً رئيساً لنمو وتطور الاقتصادات لما توفره من تشجيع الاكتشاف والاختراع العلمي والتكنولوجي.

وبحسب المختصين، تختلف أنواع انتهاك حقوق الملكية الفكرية، وفقاً لطبيعة الحقوق التي تُهاجمها، فالحقوق الخاصة بالمؤلفين مثل المصنفات الفنية والأدبية من الممكن أن تتعرض للهجوم والسرقة؛ عن طريق بيعها أو تأجيرها أو نشرها بطرق غير مرخصة، أما الحقوق الخاصة بالعلامات التجارية، والتصميمات الصناعية، والاختراعات، فتتعرض للهجوم من خلال تقليدها بطرق غير مشروعة أو قرصنتها. معتبرين أن نتائج تلك الانتهاكات تنعكس في أضرارها الاقتصادية وتأثيراتها السلبية على أصحاب حقوق الملكية الفكرية،  يجملونها في الأساس، في ضعف العوائد المالية لأصحاب الملكية الفكرية نتيجة لاستغلال حقوقهم دون دفع المستحقات المالية، وظهور منافسة غير قانونية تؤثر على صمود براءات الاختراع، فضلاً عن الأضرار المباشرة التي تلحق بالاقتصادات وبيئاتها الوطنية والدولية.

ماذا عن حروب "براءات الاختراع"؟

على مدار العقود والسنوات الماضية، ظل ملف انتهاك براءات الاختراع والتعدي على حقوق الملكية الفكرية أحد تلك الملفات المشتعلة بين الصين والدول الغربية من جهة أخرى، وذلك في الوقت الذي بقيت تلك الدول متصدرة طلبات تسجيل براءات الاختراع في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه الاتهامات الأميركية لبكين، بـ"سرقة" اختراعاتها ومبتكراتها التكنولوجية والعلمية وأسرارها التجارية وتقليد منتجاتها؛ وتضغط عليها لتحسين حماية الملكية الفكرية، وتفرض عليها الرسوم الجمركية كعقوبة على هذه المخالفات، وهو ما تنفيه الأخيرة، تقول مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إن "صراع (براءات الاختراع) بين بكين وواشنطن يكلف الأخيرة سنوياً ما يصل لنحو 600 مليار دولار أميركي"، مرجحة أن تزداد تلك الأرقام مع تنامي اعتماد الاقتصاد على الاختراعات الرقمية والتكنولوجية.

وبالرقم ذاته، قدر تقرير مستقل أجرته "لجنة دراسة القرصنة الفكرية" المستقلة الأميركية عام 2017، خسائر الاقتصاد الأميركي بـ600 مليار دولار سنوياً، واعتبر أن القرصنة، على حقوق الملكية الفكرية الأميركية في صورة، سلع مقلدة، وبرامج كمبيوتر منسوخة، وسرقة الأسرار التجارية، ما زالت تمثل تهديداً كبيراً.

وكانت الولايات المتحدة دوماً ما تشكو الممارسات المتعلقة بالملكية الفكرية في الصين، ونقل التقنيات الأميركية دون مراعاة حقوق الملكية الفكرية، وفي أغسطس (آب) 2017 فتح الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحقيقات تجارية في تلك الممارسات. ومنذ ذلك الحين لم يختفِ بعد "شبح الحرب التجارية" بين البلدين.

وعالمياً تقول دراسات غرفة التجارة الدولية في ذات الشأن إن "205 ملايين وظيفة شرعية تتعرض للتهديد كل عام نتيجة قفدان ثقافة حماية حقوق الملكية"، مقدرة حجم الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عالمياً عن قضايا التقليد والقرصنة تتجاوز تريليوني دولار.

وفي خضم ذلك الصراع "المتشعب" والممتد لصلب الحرب التجارية بين البلدين، التي ما تلبث أن تهدأ حيناً حتى تشتعل أحياناً أخرى، كشفت المنظمة العالمية للملكية الفكرية في أبريل (نيسان) الماضي، أنه ولأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، تمكنت الصين من إزاحة الولايات المتحدة عن عرش أكبر مصدر لطلبات تسجيل براءات الاختراع في العالم.

وبحسب التقرير السنوي للمنظمة لعام 2019، فإن عدد الطلبات التي قدمت من بكين في ذلك العام بلغ 58990 طلباً، مقارنة مع 57840 طلب تسجيل براءة اختراع من واشنطن. مشيرة إلى أن العدد الوارد من الصين زاد خلال عقدين فقط نحو 200 ضعف، ولكن الولايات المتحدة تقدمت بأعلى عدد طلبات في العالم في كل عام، منذ توقيع معاهدة التعاون الخاصة ببراءات الاختراع في عام 1978.

ووفق المنظمة ذاتها، فإن أكثر من نصف طلبات تسجيل براءات الاختراع يأتي حالياً من آسيا، أو ما يقدر بنحو 52.4 في المئة، وتحتل اليابان المركز الثالث، تليها ألمانيا، ثم كوريا الجنوبية. وتعد ملكية براءات الاختراع مؤشراً مهماً على قوة الدولة الاقتصادية ومدى خبرتها في القطاع الصناعي.