Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تخطط إسرائيل للتعامل مع المشهد اللبناني الراهن والمستقبلي؟

الخيارات السياسية تستبق نظيرتها العسكرية وحصار حزب الله أولوية

أعضاء هيئة المحكمة الدولية في لبنان أثناء تداول قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري  (أ ف ب)   

بعد مرور أكثر من 15 عاماً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بانفجار شاحنة في بيروت، أعلنت المحكمة الدولية التي تحظى بدعم الأمم المتحدة في هولندا أحكامها خلال محاكمة أربعة أعضاء من جماعة حزب الله بزعم تورطهم في مقتل الحريري.

وأوضح كثيرون في لبنان أن لسوريا يداً في اغتيال الحريري، وهو ما أدى إلى انقسام لبنان منذ ذلك الحين بين تحالف مدعوم من الغرب وآخر تدعمه دمشق وطهران. ونفت سوريا أية علاقة لها بمقتل الحريري. وفي أعقاب الاحتجاجات التي تلت اغتيال الحريري أُجبرت دمشق على سحب قواتها، منهية بذلك سيطرتها التي استمرت ثلاثة عقود على لبنان.

ودانت المحكمة الدولية الخاصة في لبنان، أحد المنتمين إلى "حزب الله" ويدعى سليم عياش في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، فيما برّأت ثلاثة متهمين لعدم كفاية الأدلة.

وقرّرت غرفة الدرجة الأولى أن عياش مذنب بجميع التهم الموجّهة إليه، التي تشمل المشاركة في مؤامرة ارتكاب عمل إرهابي بمواد متفجرة، وقتل رفيق الحريري عمداً، و21 شخصاً آخرين بمواد متفجرة، ومحاولة قتل آخرين، فيما قرّرت أن المتهمين الثلاثة حسن مرعي وحسين عنيسي وأسد صبرا، غير مذنبين في ما يتعلّق بجميع التهم المسندة إليهم.

حال من الترقب

وتسود الساحة اللبنانية حال ترقب تخوفاً من حدوث توترات أمنية متزامنة مع الإعلان عن حكم المحكمة، لا سيما وأن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله انتقد المتظاهرين في شوارع بيروت، واصفاً ممارساتهم بغير الأخلاقية، مؤكداً أن هذه الممارسات يمكنها أن تدفع البلد إلى الصدامات، وأنها تحركات مشبوهة تقف خلفها سفارات أجنبية. والواضح أن نصرالله حاول استباق قرار المحكمة الدولية بتهديد المعارضين له من أي رد فعل شعبي في الشارع، وخصوصاً في العبارة التي توجّه بها إلى جمهوره في خطاب ألقاه أخيراً بالقول "أدعوكم أن تحافظوا على غضبكم، فقد نحتاجه في يوم من الأيام".

وتعدّ تهديدات نصرالله مرتبطة بالظروف العامة التي يمر بها لبنان، وليست محصورة برد فعل على قرار المحكمة، بخاصة بعد المواقف المتوقعة بأن يسعى سعد الحريري إلى تخطي هذا القرار.

ويتجه الموقف الإسرائيلي في مجمله تجاه التطورات اللبنانية الراهنة إلى تبني موقف عام على المستويين الإعلامي والسياسي، إلا أن هذا الموقف محكوم بضوابط محددة لن تغير التوجهات العامة الحاكمة للموقف الإسرائيلي من التطورات الداخلية في لبنان عموماً، وقواعد الاشتباك الراهنة والمحتملة مع حزب الله.

معايير عامة

تعد حادثة تفجير مرفأ بيروت وما تلاها من تطورات هيكلية كاشفة لبعض المستجدات وفقاً للموقف الإسرائيلي، إذ لم يتفاعل الجانب الإسرائيلي الرسمي تجاه ما جرى، في ظل اتهامات حقيقية موثقة من مصادر استخباراتية دولية أن إسرائيل قد تكون مسؤولة عما جرى، بدليل أن العملية تمت بمهارة لا يمكن لجهة عادية أن تقوم بها، وإنما جهاز أمني محترف، وهو ما ألمح إليه عدد من الكتاب والمحللين الإسرائيليين بالفعل. كما أبدت إسرائيل تعاطفاً حذراً في التعامل مع نتائج ما حصل، وعرضت مقترحات عدة لدعم لبنان، بل وصادق رئيس الوزراء نتنياهو على ذلك رسمياً، وطالب بالتنسيق عبر القنوات الرسمية. (الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات).

ولم تزج إسرائيل بنفسها في أتون ما جرى قبل وبعد عقد مؤتمر المانحين لدعم لبنان، ولوحظ أن الحكومة الإسرائيلية تفاعلت إيجابياً مع التحركات الفرنسية الأوروبية لمواجهة الأزمة في لبنان، قياساً على تعاملها مع الموقف الأميركي على سبيل المثال.

 ويلاحظ أن حزب الله "ضابط إيقاع العلاقات اللبنانية الإسرائيلية" لا يزال متمسكاً بقواعد الاشتباك الرئيسة مع إسرائيل ولم يخرج عنها، بصرف النظر عن حادثة التسلل الأخيرة التي ارتبطت فعلياً بجس نبض الجانبين، وحرص حزب الله على عدم الدخول في مواجهات جديدة، بالرغم من إعلانه تمسّكه بحق الرد والمواجهة نظرياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إجراءات إسرائيلية استباقية

تبنّت إسرائيل إجراءات احترازية على طول مناطق الحدود المشتركة، وبالقرب من الجولان ومزارع شبعا، وهي إجراءات استباقية مبنية على توصيات الاستخبارات العسكرية "أمان"، والتي رفضت العودة لحال ما قبل حادثة التسلل الأخيرة، تخوفاً من أي رد فعل مفاجئ من جانب حزب الله.

كما تقوّم أجهزة المعلومات وبخاصة الاستخبارات الإسرائيلية "أمان" مسار الأوضاع في لبنان من خلال التأكيد على أنها مرشحة بالفعل لمزيد من حال عدم الاستقرار الأمني أو السياسي، وأنها ما لم تتدخل فرنسا تحديداً فإن الحرب الأهلية تلوح في الأفق، بخاصة وأن كل مقومات ذلك الأمر قائمة، ولا يمكن التراجع عنها في ظل الفراغ السياسي الذي بدأ يعلن عن نفسه بتتالي استقالة وزراء الحكومة الحالية تباعاً، وانهيار الوضع الحكومي، مع التوصية بأن تتحمل إسرائيل الكلفة الأمنية والاستراتيجية لتأمين مناطق التماس في جنوب سوريا ومزارع شبعا والجنوب اللبناني المتسع، بالرغم من التسليم بعدم وجود حافز سياسي أو استراتيجي لدخول حزب الله في أية مواجهة خلال الوقت الراهن، إلا أن هذا يشجع حركات العنف والإرهاب لضرب المصالح الإسرائيلية ليس في لبنان وإنما في سوريا، وقد تتسع جبهة الاستهداف لتشمل القنيطرة والجولان ودرعا والسويداء.

ما هي مصالح إسرائيل العليا؟

تتركز مصالح إسرائيل العليا في عدم الاقتراب من المشهد اللبناني الراهن، واتباع استراتيجية الترقب الحذر، بخاصة وأن إسرائيل وفقاً للتقويمات العامة تواجه اتهاماً بالتورط في ما جرى بمرفأ بيروت، وفي أية أحداث جديدة تنشب في الداخل اللبناني، وهو أمر متوقع، حيث ترى الاستخبارات العسكرية "أمان" أن احتمالات حدوث أعمال إرهابية جديدة واردة ومحتملة، وأن ذهاب لبنان إلى مواجهات مفتوحة هو أحد السيناريوهات المطروحة، والتي يجب على إسرائيل التأهب لها بصورة مسبقة. وتقدر أجهزة المعلومات الإسرائيلية أن حزب الله سيعيد ترتيب أولوياته بصورة كبيرة، وبالتالي فقد يستخدم حضوره السياسي والأمني في تقديم مساعدات شاملة لمن تضرر، لكنه لن يغامر في الوقت الراهن بالدخول في مواجهات مع إسرائيل، وبالتالي ستظل جبهة لبنان مؤمّنة على الأقل في المدى المتوسط.

مكاسب استراتيجية

سيكون في مصلحة إسرائيل إعادة فتح ملف تسليح حزب الله في هذا التوقيت، وهو أمر مهم مع التحركات الدولية المكثفة التي تطالب بعدم دعم لبنان اقتصادياً في ظل خريطة سياسية معقدة يهيمن الحزب على مقاليدها، الأمر الذي يحول دون تطبيق إصلاحات اقتصادية يشترطها البنك الدولي لتقديم مساعدات طارئة.

وبعد صدور نتائج المحكمة الدولية التي عينت للتحقيق في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وضمنها استنتاجات مباشرة موجهة إلى حزب الله، فإن فرصة إسرائيل جيدة في محاصرة حزب الله دولياً، ومنع حضوره في عواصم أوروبية عدة، وهو ما تناور فيه إسرائيل، بخاصة وأنها قدمت معلومات أمنية واستخباراتية لدول مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا بهدف حظر وجود حزب الله، وعدم التمييز بين النشاط السياسي والحضور العسكري في عواصم أوروبية أخرى لا تزال تتعامل مع حزب الله على أنه حزب سياسي ضمن الخريطة اللبنانية، لا كميليشيا عسكرية.

وتتخوف إسرائيل في رصد ومراجعة خياراتها السياسية والاستراتيجية تجاه لبنان مع احتمال اتجاه إيران لدفع حزب الله لتبني خيارات جديدة في حال استمرار الضغوطات التي تتعرض لها إيران في الفترة المقبلة، وبالتالي فمن المهم التأهب لأية خيارات جديدة قد تتعامل بها إيران من الجبهة السورية، وتحديداً في الجنوب السوري، ما يتطلب عدم تجزئة الخيارات الإسرائيلية ما بين قوات الحرس الثوري أو قوات حزب الله على سبيل المثال في الفترة المقبلة.

لا يستبعد (بالرغم مما سبق) والرؤية السياسية والأمنية المتوقعة لتعامل حزب الله خلال المشهد الراهن مع إسرائيل، أن يحاول تصدير الأزمة للخارج ويخلط الأوراق، بخاصة وأنه يعاني من حال عدم الاستقرار، وقد يتجه إلى مواجهات غير دورية انطلاقاً من مزارع شبعا أو الجبهة السورية، وبالرغم مما يتم طرحه إلا أنه وارد في ظل التضييق على خيارات حزب الله، ومحاصرة حركته التكتيكية والاستراتيجية، مع التركيز على جنوب لبنان، والتفكير الجاد في خفض عدد قواته في الشمال.

الرهانات التي تحددها أجهزة المعلومات الإسرائيلية تجاه لبنان مرتبطة بالوضع العام في إسرائيل، واستمرار حال عدم الاستقرار بسبب استمرار التظاهرات في الشارع الإسرائيلي، والمطالبة بالتعجيل بمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وعدم التباطؤ في هذا الأمر، إضافة لاحتمال ذهاب إسرائيل إلى انتخابات جديدة حال تفكك الائتلاف الحاكم، أو إعادة تشكيل ائتلاف جديد سيكون هشاً وقابلاً للتفكك في المدى المتوسط، وهو الأمر الذي يتطلب من الجانب الإسرائيلي عدم الدخول في أي مراحل اختبار أو جس نبض لتعامل حزب الله مع أية تطورات مستجدة، لكن هذا لا يعني تقييد حركة الجيش الإسرائيلي في توجيه أية ضربات لمواقع حزب الله في سوريا في أي وقت، وملاحقة أية تحركات لفرض نقاط أو تمركزات استراتيجية جديدة في سوريا، وهو ما يتطلب تعاملاً مستمراً وجاداً وعاجلاً مع قوات حزب الله.

وهناك تقدير سائد في إسرائيل مفاده أن الولايات المتحدة الأميركية ربما تُقدم على تنفيذ عمليات نوعية ضد الأهداف الإيرانية في الشرق الأوسط، وأذرعها في المنطقة، بما فيها حزب الله، تعويضًا وتخفيفًا لأضرار استراتيجية انسحاب قواتها من الشرق الأوسط. كما تعتقد القيادة الإسرائيلية أن عليها وبمقدورها الاستفادة مما تبقى من فترة حكم الرئيس الأميركي ترمب، ذي النوايا العدائية تجاه إيران، قبل مجيء رئيس آخر (جوبايدن) ربما يحمل نزعات أقل عدائية نحو طهران، وهو ما قد ينسحب على حزب الله أيضاً.

الخلاصات

هناك احتمالان مطروحان، الأول أن تؤدي الأوضاع غير المستقرة في لبنان إجمالاً لمنع حزب الله من تنفيذ تهديداته بمواجهة إسرائيل، والثاني محاولة تصدير أزمته نحو الخارج والدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل، وبالتالي فمن المتوقع أن يدخل لبنان فترة هدوء موقتة مع استمرار التظاهرات وحدوث فراغ سياسي، وبالنسبة لإسرائيل فربما من المفضل ووفقاً لتقديرات أجهزة المعلومات الإسرائيلية أن تبدأ التفكير بخفض عدد قواتها في الشمال، مع إبقاء التركيز والأولويات المطروحة على جنوب لبنان.

المزيد من تحلیل