Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكبح العقوبات عودة الإسلاميين للحكم في السودان؟

تترعرع أحلام "المؤتمر الشعبي" وحلفائه للانقضاض على الحكم مرَّة أخرى

معرض أقامه النظام السوداني السابق لتأثر الاقتصاد بالمقاطعة والعقوبات الأميركية في شارع القيادة العامة للقوات المسلحة قبل قيام الثورة (حسن حامد)

أعلنت الولايات المتحدة فرضَ عقوباتٍ على أفرادٍ يعملون على تقويض حكومة السودان الانتقالية، وتعطيل صياغة دستور جديد، والتحضير للانتخابات، ومُتورِّطين كذلك في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد لإضعاف الحكومة الانتقالية.

مع ذلك، يُلاحظ أن الغرب عموماً، وأميركا على وجه الخصوص، تتعامل مع "تيار الإسلاميين" في السودان ككُتلة واحدة اختُزلت في المنظومة الإسلامية التي حكمت منذ 30 يونيو (حزيران) 1989 عبر انقلاب عسكري إلى إسقاط النظام في أبريل (نيسان) 2019 بعد ثورة شعبية. وهذا التشويش قام به حسن الترابي حين حلَّ الجبهة الإسلامية القومية بعد انقلاب 1989 ليتسنَّى له الانفراد الكامل بالسلطة، ولكن تبيَّن بعد ذلك أن ما قام به أظهر الجبهة على أنها كانت تُمثِّل تهديداً للنظام، ما دعا الرئيس السابق عمر البشير للانقلاب ضده في المفاصلة الشهيرة عام 1999، ليُكوِّن بعدها الترابي حزب "المؤتمر الشعبي" الذي ظلَّ في حالة تجاذُبٍ وتنافُرٍ مع النظام. بعدها خرج رموز التنظيم الإسلامي بمقولتهم "إن إسلاميي السودان لم يحكموا بعد". غير أن هذه الممارسات التكتيكية شهدت مرحلة جديدة، ظهر فيها التنظيم بعد الثورة وكأنه جزءٌ منها، وقد كان لهذه الدعاية مفعول كبير في محاولة إسلاميي "المؤتمر الشعبي" وحلفائهم من التيارات الإسلامية الأخرى اختطاف الثورة، والاصطفاف الحالي غير بعيدٍ من الحكومة الانتقالية، خصوصاً بعد تسليط الأضواء على رموز المؤتمر الوطني دون الشعبي.

تسييس الدين

هناك تبايُن واضح حول مدى تأثير العامل الديني على العملية السياسية في الواقع السوداني، فلم يكن هناك إجماع حتى في فترات الديمقراطية القصيرة المتفرقة، والتي لم يهنأ بها السودان منذ استقلاله عام 1956، على ضرورة فصل الدين عن الدولة. ذاك التعايش لم يكن نابعاً من مبدأ الحفاظ على حرية العقيدة كحقٍّ من حقوق الإنسان الأساسية بمعناه الحديث، وإنما هو إرث تاريخي نشأ وترعرع في المدن التاريخية القديمة، كما رعاه الإسلام الدعوي الوسطي المعتدل، الذي ساد لحقبٍ طويلةٍ من حياة السودان الحديث، قبل أن يفرض الإسلام السياسي الحركي نفسه خلال النصف الثاني من القرن الـ20، ويأخذ بالمجتمعات وبالحياة السياسية السودانية إجمالاً إلى مسالك شديدة الوعورة.

 

وبعد أن رسَّخت الحركة الإسلامية أقدامها كتنظيمٍ محدودِ النفوذ السياسي والاجتماعي تحت اسم "جماعة الإخوان المسلمين" خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ولتمرير مشروعها الإسلاموي، توجَّهت للعمل سياسياً تحت عباءة حزبي "الأمة" و"الاتحادي الديمقراطي"، أكبر الأحزاب الطائفية في السودان، مستفيدة من مرجعيتها الإسلامية. وجاء ترسيخ نظام الإنقاذ لتسييس الدين، من محافظة الحركة الإسلامية على نوع من الروابط الطائفية بين مختلف أطياف المجتمع، سهلت عليها خلق الانقسام في العلاقة بين الطبقات الحضرية وريثة الاستعمار، والطبقات الريفية المُستقطبة لصفوف الحركة.

وكانت عباءة القوى السياسية الحزبية التي وظَّفتها الحركة الإسلامية لاحتواء مشروعها الإسلامي فضفاضة، فتسرَّب من خلالها الدستور المُعدَّل عام 1968 متحدثة باسم الدين لتحقيق "الدولة الإسلامية" مستبعدةً بقية القوى السياسية، إذ شهد مفهوم الدولة خلال تلك الفترة خللاً في النظرية والتطبيق. ووجدت الحركة الإسلامية الفرصة في الانتظام تحت تسميات أخرى ابتدأت بفترة "جبهة الميثاق الإسلامي" في النصف الثاني من الستينيات بقيادة أمينها العام حسن الترابي، مروراً بفترة "الاتحاد الاشتراكي السوداني" في زمن الرئيس النميري (1969-1985)، ثم إنشاء "الجبهة الإسلامية القومية" عام 1985 بعد سقوط النميري، وصولاً إلى قيام حزب "المؤتمر الوطني" وانشقاقه إلى "المؤتمر الشعبي".

تطلُّع دائم للسلطة

يعتقد رموز التيار الإسلامي أن في انتمائهم للأمة الإسلامية واجباً أكبر من الانتماء إلى سودانيتهم. وكان الانتماء الديني بشكله السياسي قد لعب دوراً بارزاً في تكوين الشخصية السودانية منذ عهد الثورة المهدية في القرن الـ19، أما بالشكل المنظم فقد شهدت الحركة الإسلامية صحوة تغييرية ساهمت فيها أيديولوجيات متعددة، كان هدفها مقاومة الاستعمار وتغيير الواقع الاجتماعي المتخلف، إلا أن ذلك المنهج قد شابته الضبابية والتناقضات.

ولا يزال المنتمون للحركة الإسلامية منذ ذاك العهد، يتملكهم الشعور بالانتماء الديني بشكل أكبر من الشعور الوطني، إذ ترى أنَّها الأحق بالخلافة الإسلامية. وذهبت إلى أكثر من ذلك بأن ناصبت الأحزاب القومية العداء، فدبَّ في تلك الأحزاب الحماس بالانتماء العروبي بعد انقلاب جمال عبد الناصر في 23 يوليو (تموز) 1952 على النظام الملكي في مصر وبداية فترة "الناصرية". أما مشروع الأمة الإسلامية؛ نسخة "المؤتمر الوطني"، فبمحافظته على الصراع من أجل السلطة، قزَّم الدعوة إلى المشروع وحجَّم من تأثيرها وساهم في ذلك تعدُّد متبنِّي المشروع الإسلامي. واصلت حكومة الإنقاذ في مأسسة الحزب ليكون نسخة شعبوية تسحب البساط من تحت أقدام "المؤتمر الشعبي"، الذي استشعر الخطر بتعديلات دستور 1998 وما بعده، التي أُدخلت لتتواءم مع ما سمَّته الإنقاذ "المشروع الحضاري" الذي استخدم الخطاب الأيديولوجي الذي ينادي بالشعار الإسلامي والتركيز على مظاهر التدين، فما كان يحمله نظام الإنقاذ من تطلعٍ دائمٍ للسلطة وعزمه الواضح على فرض شرائعه، أثار تخوُّف "المؤتمر الشعبي" من الاستيلاء على المشروع الذي تحدَّث باسمه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوفاء للعرَّاب

نُسِبَ إلى الأديب السوداني الراحل الطيب صالح أنَّه وصف حسن الترابي حينما خرج من سجن نظام الإنقاذ عام 2005، قبل أن يُكرَّر اعتقاله مرَّات عدَّة، بأن قال "الترابي رجلٌ محظوظ، الحياة تُعطيه فرصة أخرى، والحياة عادة ليست سخية في إعطاء الفرص". وترك صالح سؤالاً لا يزال يدور بين الناس سرّاً وعلانيةً، مثل سؤال سابقٍ له: "من أين أتى هؤلاء"؟ كان عنواناً لمقال أحسن السودانيون تداوله من دون أن يتكفَّل أحد بالإجابة عنه.

وعندما رحل الترابي اتخذ تلامذته موقعاً جديداً في مواجهة "المؤتمر الوطني" وثأراً له. كان الترابي يدَّخر كمّاً مهولاً من الغضب المكتوم، فقد انقلب عليه نظام النميري بعدما كان متحالفاً معه، ثم انقلب هو على حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً منذ 1986، وحتى 1989. ولم يُمهله العسكر الذين أوصلهم إلى الحكم طويلاً، فانتهى إلى معارض للسلطة منذ المفاصلة وحلِّ البرلمان عام 1999. ربما كانت المفارقة الكبرى هي رجوع الترابي في أواخر سنيِّ سطوعه القيادي الذي وصفه بالتوبة إلى الله ودعوته الأحزاب للائتلاف وإشارته إلى وحدة حزبه مع حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم حينها، مبرِّراً لانقلاب يونيو 1989 بأنَّه جزء من تاريخ السودان الذي تواضع على الاضطرابات والانقلابات.

ذهب الترابي وفي حلقِهِ غُصَّة كانت تلوِّن مواقفه فيما قبل، وبعدما انتهج تعالياً في مألوفٍ عليها، جعل ذلك من صورته وكأنَّها تتأرجح بين العودة إلى النظام الذي أورده إلى السجن حبيساً، بينما ذهب البشير إلى القصر رئيساً، وبين التملُّق والتزلُّف إلى حدِّ رفع الأكُفِّ بالدعاء للبشير بأن يدوم حكمه. ولا تنسى الذاكرة السودانية أن الترابي كان حانقاً على نظامٍ رماه بعيداً، ثم رجع مُستلطفاً ومُتملقاً بقاء البشير على رأس السلطة، ومع ذلك لم يكن النظام مرحباً بأوبته، ولا غرو في ذلك إذ كان يخشى سطوته وتأثيره على رجال الدولة من تلاميذه القدامى الذين خرجوا بقولتهم "إنهم لم يحكموا بعد". كان الترابي يعوِّل على حكم مرسي في مصر في 2012، محذِراً من فشل تيارٍ إسلامي آخر في المنطقة، وخصوصاً في مصر بقوله "إن فرص الإخوان المسلمين في الوصول إلى حكم مصر واسعة، ولو تحققت الغلبة للإخوان، عليهم أن يطلعوا على التجربة السودانية الحالية في الحكم فلديها إخفاقات، وأوجِّه النصح للإخوان بالانفتاح على الداخل والخارج".

التهديد الأكبر

تعكس العقوبات المفروضة على رموز حزب "المؤتمر الوطني" قمَّة جبل الجليد، بينما يرتكز في قاعدته حزب "المؤتمر الشعبي" والتيارات المتحالفة معه. ومن أبرز من تم الإفصاح عنهم من رموز النظام السابق، هو صلاح قوش، رئيس الاستخبارات السوداني السابق، إذ تم حظره وأفراد عائلته تحت بند (سي) 7031، لانخراطه في الخروقات الواسعة لحقوق الإنسان في السودان، ومنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة. وقد كان من أكثر المُنافحين عن الإنقاذ والمُنكرين لقيام الثورة ثم بعد نجاحها حاول القفز على قاربها، ولكن ممارساته التي ظل يحتفظ بها السودانيون وتصريحاته المُوثَّقة، عملت على تعقيد موقفه أكثر. ويمثِّل نموذج قوش ومن في حكمه ممن ترعرعوا بين الحزبين تهديداً للحكومة الانتقالية، وما بعدها. فلجنة إزالة التمكين تتعامل مع ظواهر إنقاذية وفساد مؤسَّس في الداخل تأخذ أغلبه بالاشتباه، في حين أن أغلب رموز النظام أمَّنوا أنفسهم وأموالهم في حساباتٍ خارجية، وبأسماء أقاربهم. وكذلك يفعل المجتمع الدولي الذي يُركِّز على معلومات أولية عن فساد رموز نظام الإنقاذ وانتهاكهم لحقوق الإنسان، لكن التهديد الأكبر هو وجود الإسلاميين الأصل على حافة هذه الأحداث في انخراطٍ كاملٍ وسط الأحزاب السياسية. ينتظر هؤلاء انتهاء الفترة الانتقالية وصياغة دستور جديد، يضمن لهم المشاركة في الانتخابات المقبلة كحزبٍ سياسي مسجَّل يمارس حقه الآن في التجمع والتظاهر والتعبير.

وإن كان تركيز الخارجية الأميركية على رموز نظام الإنقاذ التي تجاهر بما ارتكبته في حق الشعب السوداني بانتظار هروبهم أو وقوعهم في قيد العقوبات، إلَّا أن المشكلة التي لا تزال قائمة هي في الحرص على محو كل ما له صلة بالإنقاذ، بينما تترعرع أحلام إسلاميي "المؤتمر الشعبي" وحلفائهم للانقضاض على الحكم مرة أخرى.

المزيد من تحلیل