Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القاهرة تكثف تعاونها مع الخرطوم وعينها على "سد النهضة"

يرى مراقبون أن التنسيق بين البلدين أصبح حتمياً لمواجهة مخاطر السد الإثيوبي

شددت القاهرة والخرطوم على ضرورة التوصّل إلى "اتفاق ملزم" بشأن سد النهضة (الرئاسة المصرية)

وسط تعقيدات ملف المفاوضات "المعلّقة" بشأن سد النهضة الإثيوبي بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، زار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أمس السبت، على رأس وفد وزاري موسّع العاصمة السودانية، التقى خلالها نظيره السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو لتعزيز "أوجه التعاون بين البلدين"، وفق بيانات البلدين الرسمية.

ومع اعتبار مراقبين أن "التحرّك المصري لتعزيز العلاقات الاقتصادية، بهدف تكثيف تنسيق المواقف بشأن أزمة السد الذي تشيّده إثيوبيا على النيل الأزرق، ويثير قلق البلدين"، قال مكتب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إن زيارة نظيره المصري الأولى له للخرطوم منذ تشكيل الحكومة السودانية الانتقالية في 2019، برفقة وزراء الكهرباء والطاقة المتجددة، والموارد المائية والري، والصحة والسكان، والتجارة والصناعة، هدفت إلى "بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، وتعزيز أوجه التعاون في المجالات المختلفة".

توافق بشأن "اتفاق ملزم" في قضية السد

وفي ختام المباحثات الثنائية بقاعة الصداقة بالعاصمة السودانية، شددت القاهرة والخرطوم على أن المفاوضات هي "السبيل الأمثل" لحل قضية سد النهضة، التي تثير خلافاً بين الدولتين وإثيوبيا، مع تأكيد ضرورة التوصّل إلى "اتفاق ملزم".

وقال الجانبان، في بيان تلاه فيصل محمد صالح وزير الثقافة والإعلام السوداني، "المفاوضات هي السبيل الأمثل لحل قضية سد النهضة، والبلدان يتطلعان لنجاح المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي". معبّرين عن ضرورة التوصل إلى "اتفاق ملزم"، يضمن حقوق ومصالح الدول الثلاث وفق اتفاق إعلان المبادئ الموقّع في 2015 ومبادئ القانون الدولي، على أن يضمن آلية فاعلة وملزمة لتسوية النزاعات، بما يحفظ حقوق ومصالح الأطراف الثلاثة، وعدم إحداث ضرر ذي شأن. كما أكد الجانبان ضرورة عدم اتخاذ أي إجراءات أحادية قبل التوصّل إلى "اتفاق مُرض" للأطراف الثلاثة.

 

 

وفي الأيام الأخيرة، وبينما هددت القاهرة بالانسحاب من المفاوضات، كانت الخرطوم طلبت، الاثنين الماضي، تأجيلها أسبوعاً، لإجراء مشاورات داخلية، وهو ما ردّت عليه الخارجية الإثيوبية بتأجيل المناقشات أسبوعاً آخر، استجابة لما قالت إنه طلب من مصر والسودان.

وسدّ النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق منذ 2011 أصبح مصدر توتر شديد بين أديس أبابا من جهة والقاهرة والخرطوم من جهة ثانية. ويتوقع أن يصبح السد أكبر منشأة لتوليد الطاقة الكهربائية من المياه في أفريقيا. وعلى مدار السنوات التسع الأخيرة، تتفاوض الدول الثلاث للوصول إلى اتّفاق حول ملء السدّ وتشغيله، لكنها أخفقت في الوصول إلى اتّفاق.

وترى إثيوبيا أن السد ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديداً حيوياً لها، إذ إن نهر النيل يوفّر لها أكثر من 95 في المئة من حاجاتها من مياه الري والشرب.

اتفاقات اقتصادية للدفع بعلاقات البلدين

في هذه الأثناء، أسفرت المباحثات الثنائية بين البلدين، لما اعتبرته رئاسة الوزراء المصرية تنشيطاً لآليات التعاون الثنائي المشتركة، فضلاً عن بحث أطر ومقترحات التنسيق بين البلدين في المرحلة المقبلة.

وخلال المؤتمر الصحافي، جدد رئيس الوزراء المصري التزام بلاده الراسخ دعم المرحلة الانتقالية في السودان، والوقوف إلى جانب تطلعات الشعب السوداني في التقدم والازدهار وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. ومن جانبه أكد رئيس الوزراء السوداني استعداد بلاده، انطلاقاً من الروابط والقواسم المشتركة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، لتعزيز تلك العلاقة والوصول بها إلى آفاق أوسع.

وعن نتائج الزيارة الاقتصادية، أوضح البيان الختامي لرئاسة الوزراء المصرية، أنه جرى الاتفاق على وضع خطة عمل، لتذليل العقبات التي تعترض انسياب الحركة التجارية، لا سيما ما يتعلق بطرق النقل المؤدية للمنافذ البرية، وناقش الجانبان تطوير تنسيقهما في مجال الاستثمار والفرص المتاحة للشركات المصرية، للاستثمار في عدد من المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية للسودان.

وتناولا أيضاً سبل تطوير التعاون في مجال النقل، واتُفق على إعادة هيكلة هيئة وادي النيل للملاحة النهرية، ورفع قدرتها التنافسية، وتطوير أسطولها، وتفعيل اللجنة الفنية الدائمة السودانية المصرية المشتركة، والدعوة إلى اجتماعها في السودان خلال الأيام المقبلة، كما بحث الجانبان مشروع ربط السكة الحديدية بين البلدين. وكذلك اتفقا على تكثيف العلاقات في مجالات الملاحة البحرية والاستفادة من موانئ البلدين على البحر الأحمر، كما ناقشا تحديث اتفاقية التعاون الخاصة بالنقل البري الموقّعة بينهما.

وفي قطاع آخر، ذكرت الحكومة المصرية، أنه جرى استعراض التفاهم في مجال الصحة بين البلدين، واتُفق على التعاون في مجال مكافحة الأمراض، ومراجعة إطار عمل إرسال القوافل الطبية المصرية المتخصصة. وكذلك تعزيز مجال البحث العلمي والتقني والابتكار، إلى جانب الموضوعات الأخرى ذات الاهتمام المشترك، وتبادل المنح الدراسية على مستوى البكالوريوس والدراسات العليا، بحيث يقدم السودان مئة منحة دراسية في جامعاته، كما تقدم مصر مئتي منحة بجامعة الأزهر، وبدء برامج تأهيل فني وتعليم تقني بينهما.

وأيضاً اتفق الجانبان خلال المباحثات على أهمية المضي قدماً في زيادة قدرة مشروع الربط الكهربائي بين البلدين من 70 ميغاوات وصولاً إلى 300 ميغاوات، والتزام الإطار الزمني المحدد من جانب الفنيين، للانتهاء من التجهيزات اللازمة للشبكة السودانية، التي يعمل الجانب المصري على توفيرها.

هل ينعكس التحرك المصري "إيجاباً" على أزمة السد؟

حسب مراقبين تحدّثوا إلى "اندبندنت عربية"، فإنّ التحرك المصري تحت مظلة تعزيز كل أوجه العلاقات مع السودان، يهدُف بالأساس إلى تكثيف تنسيق المواقف بشأن أزمة سد النهضة التي باتت مصيرية بالنسبة إلى البلدين.

ويقول أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بمعهد البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة، "تأتي زيارة مدبولي إلى الخرطوم، ومن قبلها زيارة رئيس جهاز الاستخبارات المصري عباس كامل، بهدف تنسيق المواقف بشأن أزمة سد النهضة، بعد أن تأكّد الطرفان من المراوغة الإثيوبية طوال جولات التفاوض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحسب شبانة، فإنّ "السودان بعد سقوط نظام البشير بدأ يفكّر في الأزمة بشكل علمي مع حساب التداعيات والمخاطر من إنشاء سد النهضة، وانتهجت الخرطوم سياسات متشددة تجاه مُضي أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية، بما ضرّ ويضر المصالح السودانية، وهو ما ظهر جلياً بعد إعلان إثيوبيا ملء مياه السد في عامه الأول الشهر الماضي بشكل أحادي، وما تبعه من خروج بعض السدود السودانية من الخدمة"، مؤكداً أن "الموقف السوداني بات أقرب إلى نظيره المصري، فالطرفان في مركب واحد، والتنسيق والتعاون بينهما يبقى الخيار الوحيد أمام مخاطر السد".

وقال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، في ختام المباحثات الثنائية بالخرطوم، إن الزيارة تأتي تأكيداً للإرادة السياسية بين البلدين، مبيناً أنها شكّلت فرصة لمناقشة عدد كبير من القضايا ذات الاهتمام المشترك وقضايا سد النهضة والقضايا الإقليمية. موضحاً أن الزيارة تؤسس لبداية جديدة جرى تأكيد فيها تفعيل الاتفاقيات والبروتوكولات، وبدء برامج عملية تؤسس لعلاقة تقوم على المصلحة المشتركة بين الشعبين الشقيقين.

وبدورها، رجّحت السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، أن تنعكس التحرّكات المصرية تجاه السودان إيجاباً على أزمة سد النهضة، معتبرة أن "أهميتها لا تكمن فقط في الجانب العملي والفعلي لتعزيز العلاقات بين البلدين عبر مشروعات واتفاقات بين البلدين، لكن أيضاً في إشاراتها السياسية".

ووفق عمرو، "تحرص الحكومة السودانية الحالية على تأكيد استقلالية موقفها، وفي هذا السياق تقترب المصالح السودانية من المصرية تجاه أزمة السد، إذ توّلدت قناعة أن الآثار السلبية له ومخاطره ستطول البلدين لا دولة من دون أخرى"، مضيفة: "الحكومة الحالية تفكّر بشكل مختلف عن نظام البشير، ويوجد إدراك للمخاطر المحدّقة بالسودان من جراء مضي إثيوبيا قدماً في إجراءاتها الأحادية للتعاطي مع سد النهضة"، واعتبرت أن "تطابق مصالح البلدين يحتّم عليهما التنسيق على أعلى مستوى، بهدف الوصول بالعلاقة إلى مرحلة التكامل".

المزيد من متابعات