Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يهدد قانون الطوارئ الحريات في لبنان؟

تمرّد عدد من الصحافيين على النقابة القائمة وأسسوا إطاراً بديلاً

توسع حالة الطوارئ من سلطة المؤسسة العسكرية اللبنانية (أ ب)

بيروت منطقة عسكرية، هي خلاصة ما أقره مجلس النواب اللبناني، الذي اجتمع للمرة الأولى، في 13 أغسطس (آب)، بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس. تذرع البرلمان بحالة الضرورة والحاجة إلى اتخاذ تدابير استثنائية في ظل الوضع الكارثي الذي يعيشه لبنان. في المقابل، يرتاب لبنانيون من "عسكرة الدولة" في ظل النكبة التي تعيشها البلاد. سبق هذا الإجراء، موقف مماثل اتخذته الحكومة المستقيلة برئاسة حسان دياب في 5 أغسطس، عندما قررت إعلان حالة الطوارئ في العاصمة لمدة أسبوعين.

فمنذ إعلان تأسيس لبنان في 1920، تميز عن محيطه باتساع فضاء الحرية، ونظامه الديمقراطي مقارنة مع البلدان المحيطة، التي احتل العسكر فيها موقعاً متقدماً. وتغنّى اللبناني بالفكر الحر، واحترام الحريات العامة بما فيها حرية الرأي والتعبير، والتنقل، والعمل السياسي.

 بالعودة إلى الدستور اللبناني، فقد رعى حرية الرأي والتعبير، ولم يتطرق إلى تفاصيل إعلان حالة الطوارئ. من هنا، كان لا بد من اللجوء إلى إقرار تشريعات لتنظيمه. ويوضح محمود عثمان، أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية، لـ"اندبندنت عربية"، أن حالة الطوارئ يرعاها المرسوم الاشتراعي الرقم 52 الصادر عام 1967، الذي يتطرق إلى إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية، مشيراً إلى أن هذا القرار قد يشمل أراضي البلاد أو قسماً منها. ويلفت عثمان إلى أن معنى تعرض البلاد لخطر داهم، هو حرب خارجية، أو ثورة مسلحة، أو كارثة. ويرى أن أسباب حالة الطوارئ متوافرة، لأن كارثة تفجير المرفأ تهدد النظام العام، ومن ثم يجب الحفاظ على السلامة العامة. ويأتي إعلان الطوارئ عادة من أجل الحفاظ على الانتظام العام، من خلال إجراءات استثنائية تهدف إلى إعادة الأمن وحفظ الاستقرار في المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توسع حالة الطوارئ من سلطة المؤسسة العسكرية، وقضائها على حساب المؤسسات المدنية والإجراءات الاعتيادية، كما يمكن الحد من الحريات الأساسية، وتقييد حركة التنقل، وفرض حظر التجوال، ومنع التجمعات، وفرض الإقامة الجبرية. ويعتقد عثمان أن "حالة الطوارئ الاستثنائية، تفرضها الظروف الاستثنائية. وهذا ما يبرر الضوابط على الحريات العامة، لأن القاعدة القانونية هي أن سلامة الشعب هي القانون الأعلى".

من الزاوية القانونية، يجب على مجلس النواب أن ينعقد، ويأخذ علماً بقرار الحكومة خلال مهلة الثمانية أيام. وفي الحالة الراهنة، اتخذ القرار في 5 أغسطس، ولم ينعقد مجلس النواب إلا في 13 منه، أي بعد مرور تسعة أيام. لا يرى عثمان أن ذلك يشكل عيباً شكلياً في القرار الذي اتخذته الحكومة المستقيلة، لأن "هذه المهلة هي مهلة حث وليست مهلة إسقاط". ويفترض على مجلس النواب المنعقد مراقبة حالة الطوارئ المؤقتة غير الدائمة.

حالة الطوارئ استثناء على القاعدة

يستلهم لبنان والدول الديمقراطية إجراءاتهم القانونية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية الخاصة. لذلك، فإنه ملتزم بما يقره القانون الدولي، نظراً لاعتبار الاتفاقيات الدولية في مكانة مساوية للدستور، لناحية الهرمية والتراتبية القانونية. فقد حدد العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية لعام 1966، الشرط الأساس لفرض حالة الطوارئ في وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة. وأوجب أن يتم هذا الإعلان بشكلٍ رسمي منعاً لشيوع الممارسات التي تتهدد الحريات في الأوقات التي لا تتسم بالطابع الاستثنائي. وحذَّر العهد الدولي للحقوق المدنية والحريات من أن تأخذ إجراءات الطوارئ نزعة تمييزية قائمة على العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين. كذلك فرض أن يكون هناك تناسُب بين التدابير المتخذة، والخطر الداهم ومن دون مبالغة، وأن لا يشكل ذريعة لحرمان الأفراد من حقوقهم الأساسية مثل الحق في الحياة، والحق في التفكير والاعتقاد، أو الترخيص بممارسات غير إنسانية، أو حاطة بالكرامة الإنسانية، أو التعذيب، أو العبودية والاضطهاد.

محاذير حالة الطوارئ

إثر إعلان مجلس الوزراء حالة الطوارئ في بيروت بتاريخ 5 أغسطس 2020، لاقى هذا التوجه انتقادات واسعة، لأن البلاد تعيش في ظل قرار التعبئة العامة لمواجهة جائحة الكورونا، الذي يستمر إلى 30 أغسطس. بالتالي، فإن الهدف من هذا القرار قد يتجاوز الجانب الإنساني وسرعة التحرّك لمواجهة الكارثة، وأخذ منحى بوليسياً سلطوياً. من أوائل الجهات الحقوقية التي عبّرت عن معارضتها كانت "المفكرة القانونية" التي أبرزت أسباباً عدة لرفض قرار الحكومة، لأن "إعلان التعبئة العامة الساري المفعول، يخول الدولة القيام بالوظائف اللازمة لمعالجة الكارثة". كما أن "إعلان الطوارئ يؤدي إلى عسكرة السلطة، وتقييد غير مبرر للحريات العامة"، بالإضافة إلى تعزيز جزئي لصلاحيات المحكمة العسكرية في محاكمة المدنيين".

قمع الثورة

ينظر الناشطون في انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) بعين الريبة إلى قرار إعلان حالة الطوارئ في بيروت. ويحدد باسل صالح (أكاديمي وناشط سياسي) سببين لاتخاذ هذا القرار، فمن ناحية تريد السلطة أن "تخفف حركة الشارع وضبطه وترهيب الناس"، والتهرب من مسؤولية قمع المواطنين وتكليف القوى العسكرية منع التحركات على الأرض في العاصمة بيروت بعد جريمة تفجير المرفأ. ومن ناحية أخرى، تريد أن تتفرغ مؤقتاً لمفاوضة موفدي الخارج. ويرى صالح، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن النظام والسلطة يعيشان حالة ضعف، دفعتهما إلى إعلان حالة الطوارئ الاستثنائية. ويذكر صالح أن تركيبة السلطة منعكسة في الجيش لأن هناك تقاسماً للمواقع داخل المؤسسة. لذلك يستبعد أن تخطو القيادة أي خطوة للهيمنة على السلطة.

يلاحظ صالح أن هناك ميلاً لدى النظام الحاكم، لبلوغ رتبة الدولة البوليسية، والإمعان في ذلك من خلال الاختباء وراء الجيش. وظهر ذلك من خلال العنف المفرط الذي استُخدِم ضد المنتفضين منذ 17 أكتوبر. ويؤكد أن هناك إصراراً لدى عدد كبير من المجموعات لخرق حالة الطوارئ، وحظر التجوال والتجمعات في بيروت. لذلك هم يتحدون وفي كل يوم هذه التدابير الاستثنائية من خلال الوجود على الأرض.

الخوف على الحريات الإعلامية

تعد حرية الإعلام في مصاف الفئة الأكثر تهديداً بإجراءات الطوارئ، فهي باتت معرضة للأحكام العرفية والرقابة المسبقة لعملها. يشكو أهل الإعلام والصحافة في لبنان، من خضوع نقاباتهم لتأثير أحزاب السلطة والمحاصصة الطائفية. لذلك، أعلن عدد كبير منهم تمردّهم على البنية القائمة، وأعلنوا تأسيس النقابة البديلة التي تتضمن عدداً كبير من الصحافيين المستقلين إلى حين إقرار قانون جديد للإعلام.

يشعر أعضاء هذه النقابة بخطر داهم يتهدد مسيرتهم ومهنتهم وعملهم في التغطيات على الأرض. وتشير الناشطة مايا عمار (نقابة الصحافة البديلة)، إلى أن عدداً كبيراً من العاملين على الأرض هم من المستقلين Freelancer (صحافي حر)، ويتم التضييق عليهم من خلال "طلب تصريح رسمي" للسماح لهم بالدخول إلى بعض الأماكن. وسيزداد عملهم صعوبة في ظل حالة الطوارئ، التي تضع قيوداً إضافية على الحركة واستبعاد من لا يملكون بطاقات انتساب.

وتؤكد عمار، أن هناك مخالفة للدستور اللبناني، الذي يُقر حرية التعبير ويحميها، فيما يُلاحَق الصحافيون بجرائم القدح والذم ضد المسؤولين العامين التي يتضمنها قانون العقوبات، ويُعرضوا لعقوبات شديدة تصل إلى الحبس لمدة ثلاث سنوات، وغرامات مالية (تفوق قدرة العامل في الصحافة). لذلك، تبرز المخاوف من ملاحقة أي شخص على خلفية منشور، ومداهمة منزله دون إذن قضائي. وقد تم استدعاء ما يزيد على 60 صحافياً خلال الفترة الماضية، التي أعقبت انتفاضة 17 أكتوبر، وإلزام بعضهم بتوقيع تعهدات خطية.

بالمحصلة، استدعت السلطة اللبنانية من خزانة المشرّع بعض النصوص القديمة لتبرير إجراءات "حفظ النظام العام". وعلى الرغم من هول الكارثة، يؤدي انعدام الثقة إلى اختلاف في تأويل كل خطوة أو تفصيل دقيق.  

المزيد من العالم العربي