Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحول مصر أزمة العمالة العائدة من الخليج إلى فرصة؟

توقعات بوصول العائدين إلى مليوني عامل قبل نهاية 2020

تحويلات المصريين العاملين بالخارج تسهم في زيادة النقد الأجنبي بالبلاد  (رويترز)  

تعاني اقتصادات العالم من أعراض تداعيات فيروس كورونا، لكن في مصر هناك "عرضاً جانبياً" للجائحة هو كيفية إدماج العمالة المصرية العائدة من الخارج، خاصة دول الخليج العربي، بعد ما تركوا وظائفهم نتيجة تراجع اقتصادات دول الخليج بسبب أزمة كورونا.

يبلغ عدد المصريين في الخارج نحو 13 مليون مواطن، بحسب تصريحات سابقة لوزيرة الهجرة نبيلة مكرم، على الرغم من أن المسجلين رسمياً طبقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نحو 9.5 مليون مصري. ولم تصدر الحكومة المصرية إحصاء بعدد العائدين من الخارج منذ بداية أزمة كورونا في مارس (آذار) الماضي، إلا أن عبد المنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية قال لـ"اندبندنت عربية" إن "أعداد العائدين حتى الآن تتجاوز 500 ألف مصري معظمهم من دول الخليج، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى ما بين 1.5 مليون ومليوني عامل مصري في الخارج، في ظل توجه الاقتصادات الخليجية لإنهاء خدمات كثير من العمالة الوافدة، وهي التوقعات التي عززتها خطة حكومية كويتية قُدمت إلى البرلمان وكشفت عنها وسائل الإعلام قبل أيام، مفادها الاستغناء عن 360 ألف وافد على المدى القصير، وهو ما سيؤثر على العمالة المصرية التي يبلغ عددها أكثر من 500 ألف عامل بالكويت".

إجراءات الحكومة

بدأت الحكومة في إعداد خطط للتعامل مع ملف العائدين من الخارج عبر عدة اجتماعات حكومية، تنفيذاً لتوجيهات رئاسية لاستيعاب العمالة ودمجها في مشروعات التنمية بحسب بيانات حكومية، وأسفرت تلك الاجتماعات عن إطلاق وزارة الهجرة والمصريين بالخارج استمارة "نورت بلدك" عبر الإنترنت نهاية الشهر الماضي، لجمع بيانات العمالة العائدة من الخارج، بما يشمل الاسم والسن والمؤهل والتخصص في العمل، تمهيداً لمساعدتهم في توفير فرص عمل، سواء عبر ربطهم باحتياجات القطاع الخاص أو ما تنفذه الدولة من مشرعات.

وأوضح خالد قاسم، مساعد وزير التنمية المحلية، لـ"اندبندنت عربية" أن لجنة حكومية تضم وزارات الهجرة والتخطيط والتنمية المحلية، وجهت المحافظين بإعداد حصر بفرص العمل وفرص الاستثمار المتاحة بكل محافظة، ووضع تصنيف لكل منها ومدى احتياجه للعمالة، على أن يتم ذلك خلال أسبوع ينتهي الأحد المقبل 16 أغسطس (آب)، مع التركيز على المشروعات كثيفة العمالة ومشروعات البنية التحتية، وأضاف قاسم أنه بعد ورود تقارير المحافظات ستجتمع مرة أخرى لجنة تضم الوزارات الثلاث السابق ذكرها إلى جانب وزارة القوى العاملة، لمتابعة العمل في ملف توفير فرص عمل للعائدين من الخارج.

فرصة يمكن استغلالها

يرى رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية في العائدين من الخارج فرصة يمكن استغلالها بدلاً من التعامل معهم كعبء إضافي على الدولة، موضحاً أن الحكومة المصرية أحسنت بإطلاق مبادرة "نورت بلدك"، واستدرك أنها تظل محدودة الأثر نظراً للركود الاقتصادي الذي تعيشه مصر مثل باقي دول العالم، حيث تراجعت توقعات معدل النمو السنوي بمصر إلى أقل من نصف المتوقع قبل أزمة كورونا، مما يقلل فرص توظيف الشركات عمالة جديدة، لكن تظل المبادرة وسيلة لتوفير قاعدة بيانات عن العائدين، يمكن استغلالها في توفير فرص تدريب العمالة على العمل في القطاعات المحتاجة للعمالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار السيد إلى أن الدولة انتبهت لأزمة العمالة العائدة من الخارج مبكراً، من خلال زيادة حجم الإنفاق على الاستثمار الحكومي بنسبة 35 في المئة ضمن الموازنة العامة 2020/2021 والتي بدأ تطبيقها في يوليو (تموز) الماضي، مما يعني مزيداً من مشاريع البنية التحتية والاستعانة بشركات المقاولات التي توظف عمالة كثيرة، مما يحد من نسب البطالة ويستوعب قطاعاً كبيراً من العاملين العائدين من الخارج. ودعا رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية للتعامل مع العائدين عبر تصنيفهم لصنفين الأول، يقبل بفرصة عمل، والآخر من لديه مدخرات تساعده في إنشاء مشروع صغير أو متناهي الصغر، موضحاً أن على الدولة أن تساعد من يرغب في إقامة مشروع عبر تقديم الدعم عبر تسهيلات مالية، وأفكار للتسويق، وتسهيل الإجراءات وربطه بغيره من الراغبين في استثمار مدخراتهم، وغيرها من سبل الدعم، وهو ما سيفيد الدولة بالاستفادة من تدوير المدخرات بدلاً من الاكتفاء بوضعها في البنوك إلى جانب عدم تحولهم إلى عمالة معطلة تزيد نسب البطالة، كما تستفيد الدولة من الضرائب على الأنشطة التجارية.

تجارب العائدين

تجارب المصريين العائدين من الخليج تبدو متباينة من واقع تجارب رصدتها "اندبندنت عربية". تامر مصيلحي (38 عاماً) عاد قبل 3 أسابيع بعد 9 سنوات من العمل سائقاً في الكويت، ضمن من رُحلوا لمخالفتهم شروط الإقامة، ورغم سنوات الغربة عاد بلا مدخرات، وحالياً يعمل على إنهاء أوراقه الرسمية ليكون مؤهلاً للبحث عن عمل في مصر، أما محمد أبو زهرة فيعمل حالياً على تجهيز محل لطحن البن وبيع القهوة في بلدته بمحافظة الفيوم جنوب القاهرة، مستغلاً مدخراته من العمل بمجال بيع العطارة في السعودية لمدة 10 سنوات قبل أن يعود قبل نحو شهرين، بسبب حالة الركود الناتج عن فيروس كورونا، مؤكداً أنه قرر الاستقرار في مصر نهائياً ولا يفكر في العودة للسعودية حتى حال استقرار الوضع الاقتصادي. ما يجمع بين التجربتين أن كلاً من تامر ومحمد لا يعرفان شيئاً عن مبادرة "نورت بلدك" التي أطلقتها الحكومة، وكل منهما لا يعول على أي دعم حكومي لتحسين وضعه.

المقارنة مع الحالة الليبية

وحول المقارنة بين استيعاب الاقتصاد المصري العمالة العائدة من ليبيا قبل نحو 8 سنوات بالأزمة الحالية للعائدين من الخليج، أوضح رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية أنه لا يمكن المقارنة بين الحالتين، لتغير الوضع الاقتصادي المصري والعالمي، وتراجع الطلب على العمالة نتيجة الركود الاقتصادي، موضحاً أن مصر قبل سنوات كانت تحتاج الأيدي العاملة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، على عكس فترة الانكماش الحالية في معظم القطاعات الاقتصادية. وطالب الحكومة بالبحث عن أسواق جديدة للعمالة المصرية مثل دول آسيوية تحتاج عمالة كثيفة مثل سنغافورة وماليزيا، إلى جانب استغلال العلاقات السياسية القوية لإحلال العمالة الهندية بأخرى مصرية في بعض المجالات بالخليج.

بحسب بيانات البنك المركزي المصري فقد وصل إجمالي تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 26.8 مليار دولار خلال العام الماضي 2019، وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري بلغت 7.9 مليار دولار، بينما لم يُعلن حتى الآن عن التحويلات في الفترة من أبريل (نيسان) الماضي وحتى الآن، وهي الفترة التي شهدت ذروة الإصابات بفيروس كورونا وتباطؤ النشاط الاقتصادي، كما توقعت دراسة حكومية أعدها معهد التخطيط القومي، التابع لوزارة التخطيط أن تتراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال العامين الماليين الحالي والمقبل، ووضعت الدراسة عدة سيناريوهات لقيمة التحويلات خلال العام المالي الجاري (2020-2021) والمقبل (2021-2022)، كان أكثرها تفاؤلاً أن تبلغ 23.3 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) 2021، أما السيناريو المتشائم المعتمد على افتراض وقوع عمليات تسريح العمالة من حاملي التأشيرات المؤقتة وتوظيف الدول الخليجية مواطنيها، فإن تحويلات العاملين المصريين في الخارج من المتوقع أن تنخفض إلى النصف، لتسجل 13.4 مليار دولار في 2020، وأن تتحسن قليلاً إلى 18.75 مليار دولار في 2021، وأكدت الدراسة أن أي انخفاض في تدفقات التحويلات يعني تراجع العملات الأجنبية ويتسبب في زيادة النقص في الاحتياطيات من النقد الأجنبي، مما قد يضطر الاقتصاد المصري إلى مزيد من الاقتراض لتمويل العجز.

سجلت مصر معدل بطالة خلال العام الماضي بلغ 7.9 في المائة، وتوقعت الدراسة الحكومية أن تؤدي التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا وعودة كثير من العمالة المصرية من الخارج إلى تخطي نسبة البطالة في العام المالي الجاري (2020-2021) نسبة 15 في المئة وفقاً، لأكثر السيناريوهات تفاؤلاً، أو أن تصل إلى أكثر من 20 في المئة حال استمرار الاستغناء عن العاملين بالخليج وتشديد الإجراءات الحكومية في التدقيق بعملية استقدام عاملين جدد.