Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميراث النساء في صعيد مصر تحت رحمة أعراف الرجال

تحرم المرأة من نصيبها لأسباب تتعلق بالأعراف والتقاليد ولا تحصل سوى على 10 في المئة من حقوقها

قطعة أرض زراعية منزوعة من ميراث إحدى السيدات في صعيد مصر  (اندبندنت عربية)

رغم حسم الشريعة الإسلامية باستقلال الذمة المالية للمرأة وأحقيتها في الميراث، فإن المرأة في إقليم صعيد مصر ما زالت مغبونة وتعاني الحرمان من الميراث الشرعي لها لأسباب تتعلق بالأعراف والتقاليد. رغم مخالفة تلك الأعراف للقانون المصري، ظل ميراث النساء في الصعيد فريضة غائبة، فطبقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تنظر المحاكم سنوياً 144 قضية تنازل عن الميراث، 95 في المئة من النساء والفتيات يحرمن من الميراث بمحافظتي قنا وسوهاج، 10 في المئة من النساء بإقليم صعيد مصر هن من يحصلن على ميراثهن الشرعي، لذا قررت "اندبندنت عربية" أن تفتح ملف الحرمان من الميراث لسيدات وفتيات الصعيد وتلتقى بالمحرومات من الميراث.

الأعراف تتحدى القانون والشريعة

قال محمد أبو الفضل بدران، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الأسبق، إن قناعة المجتمع بصعيد مصر تحرم المرأة من الميراث لأسباب تتعلق ببعض الموروثات الثقافية الخاطئة، كي لا يتبدد الميراث ويظل محفوظاً باسم العائلة بدلاً من أن يذهب إلى المرأة التي لا يحمل زوجها اسم العائلة، وهو ما يخالف النص القرآني "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، بل وطبقاً لعلم "الفرائض" المختص بالمواريث ترث المرأة ضعف الرجل في العديد من الحالات، الأمر الذي جعل ميراث النساء في الصعيد فريضة غائبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار بدران أن مجتمع صعيد مصر يأخذ صبغة قبلية، لانتشار القبائل به، وتحرص العائلات على أن تتباهي بما تمتلك من أراضٍ وممتلكات، ويأخذون ذلك ذريعة في حرمان الفتيات من الميراث حفاظاً على شكل العائلة والقبيلة.

وأشار محمد الطراوي، وكيل وزارة الأوقاف بقنا، إلى أن حرمان المرأة من الميراث عادة جاهلية هدمها الإسلام، وشرع الله تمكين المرأة من حقوقها المالية والمكتسبة مثل الرجل، مؤكداً أن عادة منع البنات من الميراث بحجة أن الميراث سيذهب إلى أزواجهن ونحو ذلك من الحجج، ليس لها محل من الشريعة، لأنها حجج فاسدة تتصادم مع نصوص ومقاصد الإسلام والمروءة.

 

قانون الرضوى العرفي

المحامية مروة عبدالرحيم، المتخصصة في قضايا الميراث، ذكرت أنه طبقاً للإحصاءات رسمية 10 في المئة من سيدات الصعيد هن من يحصلن على حقوقهن في الميراث، إلا أن بعض الأهالي قد ابتكروا قانوناً عرفياً جديداً لميراث النساء في الصعيد، ألا وهو قانون "الرضوى" وينص على أن يقدم الوارثون الرجال مبلغاً ماليا للوارثات النساء مقابل التنازل عن حقهن في الميراث.

وأشارت عبدالرحيم إلى أن كثيراً من النساء ترضخ لقبول الرضوى المالية التي لا تتعدى ربع حقها في الميراث، بدلاً من أن تحرم من الميراث كاملاً، لافتة إلى أن قانون الرضوى يمثل ظلماً صارخاً لحقوق المرأة المصرية في صعيد مصر يخالف صحيح الدين والإسلام، مضيفة أن حرمان المرأة من الميراث في الصعيد جريمة قانونية.

قصص مأساوية

التقينا رقية سليمان، إحدى المحرومات من الميراث بمدينة قوص بجنوب محافظة قنا للتعرف إلى قصتها التي وصفتها بالمأسوية. وبدأت كلامها بصوت تملأه الحسرة والقهر: أن والدها قد توفي وهي في سن صغيرة عام 1984، وترك 24 فداناً من الأراضي الزراعية، ولم تحصل منذ وفاة والدها على أي من ميراثها هي ووالدتها من أشقائها الذكور الثلاثة.

وأشارت رقية إلى أنها خاضت رحلة طويلة في المحاكم المصرية على مدار 36 عاماً إلى أن حصلت أحكام نهائية بالتمكين من ميراثها، وظنت حينها أن الحق قد ابتسم لها وستعود إليها حقوقها المسلوبة، وبعد أن سجلت الأرض باسمها منعت من الوصول إلى الأرض الزراعية، بسبب وضع يد أبناء شقيقها المتوفى على الأرض.

وناشدت رقية سليمان وزارة الداخلية المصرية، تمكينها من ميراثها الشرعي الصادر به أحكام قضائية واجبة التنفيذ، بخاصة أنها تسدد الضرائب القانونية للأرض منذ أن قضت المحكمة القضائية لها في ميراثها من دون أن تستلم أي فدان واحد من ميراثها المقدر بثمانية أفدنة.

ذكرت رقية أن أشقاءها قرروا حرمانها من الميراث هي ووالدتها لأنها ضعيفة لا حول لها ولا قوة على حد تعبيرها، ولكونها أختاً غير شقيقة لهم.

وفي محافظة الأقصر، ذكرت فاطمة الحجاجي أن شقيقتها قد لقيت مصرعها في مشاجرة مع أشقائها في عام 1997، بعد أن تقدمت ببلاغ للنيابة العامة تتهم أشقاءها بحرمانها من الميراث الشرعي الذي تركه والدها، وهو عبارة عن 4 منافذ تجارية، لافتة إلى أن حرمان المرأة من الميراث في صعيد مصر بات حلالاً متوارثاً بفعل الأعراف والعادات والتقاليد على رغم مخالفة ذلك لصحيح الدين ولنص القانون.

الوضع مع زينب الديروطي بمحافظة أسيوط لم يختلف كثيراً عن الحالات السابقة، إذ ترك والدها 10 أفدنة بمركز ديروط بوسط صعيد مصر، إلا أن أشقاءها الثلاثة قد أجبروها على التوقيع على استلام كافة حقوقها مقابل توفير كافة التجهيزات اللازمة لزواجها، وحينما اعترضت على ذلك الابتزاز هددت بالطرد خارج العائلة، الأمر الذي دفعها للموافقة، لكنها أصبحت تشعر بالندم الشديد بعد 25 عاماً على تلك الواقعة التي حرمتها من ميراثها الشرعي.

طالبت لمياء علي أبو الحسن، سيدة محرومة من الميراث، بضرورة تسريع إجراءات التقاضي بعدما تكبدت عشرات الدعاوى القضائية خلال 20 عاماً لاسترداد ميراثها الشرعي من أعمامها في محافظة بني سويف، الذين نزعوا ملكيتها هي وشقيقاتها في 5 أفدنة زراعية، بعد وفاة والدتها.

 

الظلم باق رغم تعديل القانون

وأوضح أحمد الهواري أستاذ القانون الجنائي أن المادة 77 لسنة 1943 قد شهدت تعديلاً عام 2018، هي المختصة بجرائم المواريث ونصت بمعاقبة كل من يتعمد عدم تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث أو من يتعمد حجب سند وحجة الميراث، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وانتقدت لمياء المحمدي، الناشطة في مجال دعم حقوق المرأة بصعيد مصر، حصول مئات النساء في صعيد مصر على أحكام نهائية تمكنهم من ميراثهن، إلا أن هذه الأحكام معطلة لا تنفذ بسبب سطوة الخارجين على القانون ممن يسيطرون على ميراث السيدات المسلوب.

وطالبت لمياء بضرورة تفعيل الأحكام المعطلة وتنفيذ سيادة القانون على الأعراف الجاهلية التي ما زالت تغتصب ميراث الفتيات والسيدات الضعيفات بغير وجه حق، تحت غطاء عشائري يخالف صحيح الدين والضمير على حد وصفها، لافتة إلى الجرائم التي تقع على هامش الحرمان من الميراث، فطبقاً لوزارة العدل هناك قرابة 8000 جريمة قتل تقع سنوياً بسبب الميراث.

وقال محمد الأبنودي، مواطن من قنا بجنوب مصر، المرأة في المجتمع الصعيدي مكرمة تكريماً كبيراً، ما يثار من أن أهالي الصعيد يحجبون ميراث الفتيات والسيدات فيه الكثير من التدليس، لأن رجال العائلة يعيلون كافة الفتيات والسيدات طيلة حياتهن، في كافة ما يحتاجون، إلا أن الموروثات الثقافة تحتم ألا يباع ما يتركه الآباء والأجداد من ميراث يتعلق بالأراضي الزراعية إلا لمن يحمل اسم العائلة، لذلك يفضل أهالي الصعيد أن يعطوا رضوى مالية للفتيات مقابل التنازل عن ميراثهم في الأراضي الزراعية والعقارات حتى يحفظ باسم العائلة والقبيلة.

مخاطبة قناعة المجتمع

وقالت هدى سعدي، مقرر المجلس القومي للمرأة فرع قنا، إن الحلول الأمنية والقضائية وحدها لا تكفي، لأن قناعة الرجال في الصعيد ما زالت مؤمنة بأن حرمان المرأة من الميراث فضيلة للحفاظ على شكل العائلة والقبيلة، لذلك إذا تحدثنا عن علاج واقعي لهذه الظاهرة، فلا بد من مخاطبة قناعة المجتمع في صعيد مصر أولاً.

وأشارت السعدي إلى أن المجلس القومي للمرأة خلال الأربع سنوات الماضية كثف الندوات الموجهة للرجال في قرى الصعيد، بالتنسيق مع رجال الدين الإسلامي والمسيحي، لتغيير الثقافات الموروثة في قضايا ميراث المرأة.

وأكدت السعدي أن تعديل قانون المواريث يعد انتصاراً كبيراً للمرأة المصرية، بتغليظ عقوبة من يحجبون الميراث بالحبس والغرامة المغلظة، لافتة إلى أن مكاتب شكاوى المرأة داخل فروع مجالس القومي للمرأة تقدم كافة الدعم القانوني، لكافة المحرومات من الميراث.

وطالب أحمد الشريف، أستاذ القانون الجنائي، بضرورة تطبيق منظومة إلكترونية لتقسيم تريكة الميراث في مصر، مع إعلان الوراثة لكل متوفى، حتى يحصل كل صاحب حق على حقه الشرعي بإشراف قانوني من الدولة المصرية متمثلة في وزارة العدل المصرية، بعيداً من الأعراف التي تخالف صحيح الدين والقانون والعدل.