Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صور لأرستقراطية نيويورك العليا في "رباعية" إديث وارتون

قدمت لمحة أخرى للمدينة فيما كانت حثالة سكورسيزي تبني أميركا في الشوارع البائسة

نيويورك وحياتها أواسط القرن التاسع عشر (موقع ويكيبيديا)

في فيلمه الكبير "عصابات نيويورك"، قدم المخرج مارتن سكورسيزي صورة شديدة الغرابة لتلك التي تعتبر أكبر المدن الأميركية وأكثرها عراقة، بل زاد على ذلك أنه ذكر في ملصقات الفيلم كيف أن أميركا إنما وُلدت في الشارع. والشارع المعني هنا هو طبعاً شارع الحثالة والعصابات واللاقانون والفساد وكل الموبقات الأخرى. غير أن الفيلم لم يخل، في مشهد منه على الأقل، من جانب آخر من نيويورك، هو جانبها الأرستقراطي، وذلك حين تتجه بطلة الفيلم النشالة من منطقتها التي تدور فيها معظم مشاهد الفيلم، إلى منطقة أخرى بالحافلة لتدخل بيتاً أنيقاً بغية سرقته. بذلك المشهد يقول لنا سكورسيزي إن هناك على أي حال نيويورك أخرى غير تلك الحثالة.

التحرّك بين ولادتين لأميركا

ومهما يكن من أمر نعرف أن سكورسيزي نفسه كان في فيلم سابق له قد اكتفى بتصوير تلك الـ"نيويورك" الأخرى، نيويورك الأناقة والأرستقراطية والثراء. وكان الفيلم المعنيّ هو "سن البراءة" الذي اقتبسه عن رواية للكاتبة النيويوركية إديث وارتون، التي سوف تُشتهر لاحقاً في فرنسا إن لم يكن بأدبها، فعلى الأقل بصدامها مع مارسيل بروست الذي سيندد بها في أحد مشاهد روايته الكبرى "البحث عن الزمن الضائع"، دون أن يسميها لمجرد أن رفضت أن توافيه في موعد ليلي دعاها للقائه فيه بأحد مطاعم باريس. وقال فرنسيون حينها، إنه استنكف عن ذكر اسمها لعدم رغبته في إضفاء أي شهرة عليها!

والحقيقة أن إديث وارتون لم تكن، في ذلك الحين، في حاجة إلى قلم مارسيل بروست لكي يضفي عليها الشهرة. فهي كانت، عبر حياتها المدهشة ورواياتها التي تتحدث خاصة عن الطبقات العليا في المجتمع النيويوركي، عرفت كيف تجعل لنفسها مكانة لا تقل عن مكانة هنري جيمس. غير أن أدب إديث وارتون سرعان ما نُسي في زحام التطورات الأدبية في القرن العشرين، حتى جاء المخرج مارتن سكورسيزي، ليعيدها إلى واجهة الحياة الأدبية وينفض عنها الغبار، حين اختار روايتها الأكبر ليحولها إلى فيلم سينمائي.

وهكذا، بشكل مباغت عاد الحديث عن إديث وارتون. واكتشف الناس أدبها من جديد. وعرفوا أنها ماتت في عام 1937، ولكن ليس في نيويورك كما كان الكثيرون يتصورون، بل في قصر كانت تمتلكه غير بعيد عن باريس. غير أنه ما لم يتنبه إليه كثر حينها هو أن وارتون إلى كتابتها روايات بديعة عن حياة الطبقات النيويوركية العليا، كتبت ذات حقبة من حياتها رباعية أدبية كبرى تقع في عدد كبير جداً من الصفحات، اتخذت بصورة عامة شكلاً روائياً، على صورة أربع روايات يمكن قراءتها منفصلة، لكنها في حقيقتها أتت أقرب إلى أن تكون تاريخاً فريداً من نوعه لأربعين عاماً، أو نحو ذلك من تاريخ نيويورك، بل ليس تحديداً من تاريخ المدينة – التفاحة كما تُدعى شعبياً، بل من تاريخ طبقاتها العليا. نفس تلك الطبقات التي تزور لصة "عصابات نيويورك" واحداً من بيوتها، والطبقات التي تدور في أوساطها أحداث "سن البراءة"، والتي تبدو غير ذات علاقة بأي شكل من الأشكال بالطبقات الدنيا التي أرّخ لها سكورسيزي في "عصابات نيويورك".

أميركا التي وُلدت في القصور

والطريف أن إديث وارتون إمعاناً منها في تأكيد الطابع التأريخي الخالص لرواياتها، جعلت لكل واحدة منها عنواناً ثانوياً يلي عنوانها الرئيسي، على النحو التالي: "فجر كاذب - سنوات الأربعين"، "الوصيفة العجوز ـ سنوات الخمسين"، "الشرارة ـ سنوات الستين"، وأخيراً "يوم نيويورك ـ سنوات السبعين"، أما المجموع، فجاء عنوانه "نيويورك العتيقة"، والمعني بنيويورك العتيقة هنا هو تاريخها عند العقود الوسطى من القرن التاسع عشر، (حتى وإن كانت الكاتبة أنجزت أجزاء الرباعية ونشرتها في عام 1924) أي الحقبة نفسها التي يقول لنا سكورسيزي في فيلمه، إن أميركا كانت تُبنى في شوارع الحثالة خلالها. لكن وارتون تفيدنا بما هو معاكس لذلك تماماً. تفيدنا تحديداً بأن تلك الطبقات هي التي بنت أميركا في القصور والمكاتب والمؤسسات الفخمة وعبر العلاقات العاطفية والتجارية والعائلية والاجتماعية التي قامت فيها. ولنذكر أن الأربع روايات تبدو في نهاية الأمر وكأنها طالعة من صلب "سن البراءة" نفسها، من دون أن يفوتنا أن ثمة شخصيات عديدة سنجدها تتنقل بين جزء وآخر بعد أن كنا قابلناها في "سن البراءة" حتى وإن كنا نؤكد مرة أخرى الطابع المنفصل للروايات. على سبيل المثال لن تغيب شخصيات مثل السيدتين كاثرين مانسون مينغوت وسيلرتون جاكسون، أو السادة ليمويل سلاذرز أو هنري فان دير لويدين، أو حتى عائلات أخرى بأسرها تطالعنا عائدة إما بشكل عارض أو بشكل أساسي حتى بين الجزء والآخر، حتى وإن تكن البطولة معقودة بين الحين والآخر لأشخاص آخرين يقومون بأدوارهم ومن ثمّ يختفون وربما ليعود واحد منهم، في دور ثانوي أو حتى في دور كومبارس، في جزء آخر. في الحقيقة إننا هنا أمام هندسة مدهشة نكتشف في نهاية الأمر أنها إنما اتُّبعت من قبل الكاتبة لتمحور الجميع من حول المدينة نفسها كبطلة أولى للأحداث. وللطبقات العليا كصانعة حقيقية لتلك الأحداث وكأن أمامنا كاتبة تريد أن تؤكد هنا أن أميركا وحلمها لم يُصنعا في الشارع بل في أرفع الأماكن. وهذا ما يجعل من إديث وارتون "مؤرخة" نيويورك بامتياز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا عادت إلى الواجهة

والحقيقة أنه مع إعادة إحياء ذكرى إديث وارتون على يد سكورسيزي، عادت لتقفز إلى الأذهان أسماء الشارع الخامس في نيويورك، ولكن إلى جانب جادة الشانزليزيه في باريس، وكازينو مونت كارلو، ومارسيل بروست، وسيدات المجتمع المخملي الأميركي ولحظات التغير التي أصابتهن لدى احتكاكهن بالتقاليد الأوروبية العريقة، وكذلك الأثر الذي كان تحررهن يتركه في كل مرة يزرن فيها لندن أو باريس. فإديث وارتون اهتمت، مثلما كان حال هنري جيمس، الذي تقاطعت طريقها معه أكثر من مرة، وكان هو - كما يقال - من قدّمها إلى المجتمع الأدبي الفرنسي، اهتمت إديث بالحديث عن الصدمة الحضارية على مستوى السلوك والأخلاقيات، حين راحت القارة القديمة تكتشف القارة الجديدة والعكس بالعكس. والحقيقة أن هذا الأدب كان قد كف عن إثارة الاهتمام خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبالتالي نسيت إديث وارتون في وقت ثار الاهتمام فيه من حول أميركيين آخرين «تأوربوا» وكانوا أقل ارتباطاً بالطبقات العليا في المجتمع، وأكثر ديناميكية وتحرراً من إديث وارتون. ولكن منذ اللحظة التي عاد الاهتمام فيها يحلق من حول هذه الأخيرة، وينشر روايات لها أنيقة ومهمة مثل «سن البراءة» و«عند سعداء هذا العالم» و«الزواجات السعيدة» و«ايتان فروم»، حتى التقطها القراء، وبدأوا يتحرون عنها وعن حياتها. فاكتشفوا أن وراء هذه الأديبة التي لا تقل عن بروست - الذي يشبه أدبها بأدبه عادة - تمعناً في السلوك البشري، كانت سيدة تنتمي إلى الأرستقراطية العليا، متحررة، ثرية، تعرف كيف تقيم الصداقات بسرعة مع كبار أدباء هذا العالم، إنما ضمن الشروط التي كانت هي تحددها.

أما حكايتها مع مارسيل بروست فليست الحكاية الوحيدة التي تروى عنها. إذ يروى أيضاً أن سكوت فيتزجيرالد الذي كانت لا تكف عن إبداء إعجابها بأدبه، خطر له ذات مرة أن يزورها، لكنه لم يتنبه إلى أنه ثمل، وأن إديث وارتون لا تستسيغ مثل هذا، وهكذا ما إن قرع باب بيتها الباريسي ودخل، وفاحت منه رائحة الخمر، حتى أبدت له كل ضروب الاحتقار واللامبالاة، مما جعله يرتد على عقبيه، ويحاول أن يعتذر لها في اليوم التالي. لكنها أبداً لم تقبل اعتذاره، فهي لئن كانت متحررة متسامحة في أدبها، كانت شديدة المحافظة في حياتها الشخصية، مثل كل أبناء طبقتها وبلدها في ذلك الحين.

المزيد من ثقافة