Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الصورة الصامتة" عرض يتذكّر كارثة بوبال في الهند

سبقت كارثة بيروت وأسقطت قيادات واستثارت إبداعاً

كارثة بوبال في وجوه من بقي من سكانها (أرشيفية)

بالتأكيد كانت كارثةُ انفجار مرفأ بيروتَ واحدة من الكوارث الكبرى التي أصابت البشرية في الصميم. ولعل أسوأ ما فيها أنها لم تكن لا كارثةً طبيعية ولا ناتجة، كما يبدو حتى الآن، من خطأ في التقدير. بل بفعل تدبير عقول إجرامية أنانيةٍ وضعت مصلحتها فوق مصلحة الناس ولم تعبأ بحياتهم في بلدٍ مدمّر أصلاً اقتصادياً وحضارياً وسياسياً، بفعل ما اقترفوه هم أنفسهم ولا يزالون يقترفون منذ سنوات. طبعاً ليس من شأننا هنا أن نستبق التحقيقات، لكننا إذ نبدي غضبنا وحزننا وهولنا لما حدث، لن نشارك أولئك الذين اعتبروا تلك الكارثة ثالثة أكبر كارثة من هذا النوع في التاريخ الحديث. ففي هذا القول استهانةٌ بآلام آخرين ومآسيهم. وإذ نقول هذا لا بد أن نفكر مثلاً بتشرنوبيل، ولكن بخاصة بكارثة مدينة بوبال في الهند التي، من ناحية ما، تشبه الكارثة اللبنانية، لكنها تفوقها هولاً ومدعاةً للغضب وارتباطاً بالفساد السياسيّ الذي يكمن خلف الحدث اللبناني بالتأكيد.

حين يكون الفن مدخلاً لحديث الكارثة

ولعل خيرَ مدخل للحديث عن تلك الكارثة الهندية التوقفُ عند ذلك العمل الفنّي الكبير الذي أنجزه الفنان الهندي سمار جوده صيف العام 1984 في لندن شراكةً مع "منظمة آمنستي إنترناشنال" (منظمة العفو الدولية) في نوع من التذكير بما حدث. والعمل الفني هو عبارة عن تجهيز ضخم جعل جوده عنوانه الكامل "بوبال: صورة صامتة" بيد أنه لم يكن صامتاً على الإطلاق. التجهيز الذي امتدّ على مساحة واسعة من الأرض ضمّ في نقطة المركز منه مكعباً أسودَ تحوم فيه ومن حوله أعدادٌ كبيرة من جراد يبدأ بضرب أجنحته بطريقة صاخبةٍ وموحّدة ما يخلق ضجيجاً هائلاً. غير أن ذلك الضجيج سرعان ما يتوقف مرة واحدة وبصورة مباغتةٍ ويسود في المكان صمتٌ رهيب مليءٌ بالتهديد. ثم فجأة كما حلّ الصمت بشكل مباغتٍ، يعود ضجيج الأجنحة مرة أخرى يخبط بشكل مباغتٍ إنما هذه المرة بوتيرة أسرعَ وأصواتٍ أعلى من المرة السابقة ثم يتوقف من جديد بغتةً فيما تنطلق في المكان موجاتٌ من الحرارة أكد الفنان أنها تماثل في قوتها، إنما ليس في خطورتها طبعاً، تلك الحرارةَ التي غمرت مصانع شركة "يونيون كاربايد كيميكال" التي وقع فيها ذلك الحادث المريع الذي أودى على الفور بحياة 2259 شخصاً غالبيتهم من السكان الذين لا علاقة لهم بالمصنع، ناهيك بأن نحو خمسة وعشرين ألفاً سوف يموتون في السنوات التالية بفعل تداعيات الحريق علماً أن معظمهم كانوا فقدوا البصر خلال الفترة التالية لاندلاع الحريق الكيماوي الكبير.

وحول المكعّب الأسودِ في كل مكانٍ من التجهيز وزّع الفنان آلافَ الصور التي التقطها في المدينة ولكن بخاصة داخل المصنع وخارجه غامراً إياها بعض الأحيان برائحةٍ لا تختلف كثيراً عن رائحة المادة التي اشتعلت وتفجّرت ليلة الكارثة حين انتشرت الغازات في طول المدينة وعرضها فيما كان الناس نياماً. 

للمقارنة بين إهمالين وجريمتين مروعتين

غير أن الرهيب في الأمر هنا، ولا سيما بالنسبة إلى المقارنة بين ما حدث في بوبال وما حدث في لبنان، هو أن وزن المادة التي تسبّبت بكل هذا في المدينة الهندية وهي مادة "إيثال ميثيل" لم يكن يزيد على 42 طناً، بينما نعرف الآن أن المواد التي تفجّرت في المرفأ البيروتي كانت تزن في الأصل، حين استوردت وخُزنت وسط العاصمة اللبنانية على بعد عشرات الأمتار من آلاف المساكن والمحلات التجارية والمستشفيات والمدارس، نحو 2700 طن من مادة الأمونيوم نيتريت الشديدة الانفجار، والتي تستخدم في الأعمال الإرهابية كما يقول الخبراء، والتي ربما تكون كميات معينة منها قد سبق سحبها لترسل إلى بعض البلدان التي تقول إنها صادرتها في حينه (الكويت وألمانيا وبوليفيا وبريطانيا مثلاً) معلنة أنها وجدتها في حوزة إرهابيين يحملون الجنسية اللبنانية!

من الموت الجماعي إلى قضية البيئة 

المهم أن حادث بوبال أيقظ العالم يومها على أن القضية البيئية قضية جديةٌ وليست فقط ترفَ مثقفين: أي مجرد دفاع نظري عن البيئة من النوع الذي تضجّ به الكتب والدراسات ومحاولات غير مثمرة تماماً لاستنهاض همم الجمهور، وكلام يبدو ظاهرياً من النوع الخيالي، ينظر إليه متلقوه، في أحسن الأحوال، على أنه معبّر عن النيات الحسنة لقائليه، إذ كيف يمكن لأبناء بلدان العالم الثالث، وبقية ما كان يسمى العالم النامي، أن يصدقوا أن هذه المصانع العملاقة التي تقام في بلدانهم، ستكون مضرةً بهم، صحياً إن لم يكن اجتماعياً؟ أوَليس حلم التصنيع حلماً كبيراً هدفه تطوير الأمم وإيجاد فرص عمل في الساحات المحلية والحيلولة دون هجرة الشبان والعقول والأيدي العاملة؟ إذا كان الأمر على ذلك النحو فما بال أنصار البيئة، من أبناء المجتمعات الراقية المترفين يحذرون ويثيرون الشكوك من حول ذلك الحلم؟

في تلك الآونة، وبعد أكثر من عشرة أعوام على بدء بروز صيحات التحذير، احتاج الأمر إلى كارثة "بـوبال" في الهند لكي تنفتح الآذان أخيراً، ولكي يدرك أصدقاء حلم التصنيع، مهما كان الثمن أن هذا الثمن سيكون باهظاً أكثر بكثير مما اعتقدوا، وأنه سيسفر عن كارثة ما بعدها من كارثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في تلك الليلة الهادئة

وحدثت الكارثة بالفعل ذات ليلة هادئة إذاً حيث نتج من ذلك الانفجار انفلات كميات هائلة من الغاز القاتل "إيزوكاينات المثيل". وخلال الساعة التي تلت الانفجار كان ربعُ سكان المدينة، على الأقل، قد امتصّ كمياتٍ كبيرةً من السموم داخل الأجسام. وهكذا سقط على الفور آلاف القتلى، وعشرات آلاف الجرحى والمصابين في تلك المدينة التي لا يقل عدد سكانها عن نصف مليون نسمة، يعيشون ملتصقين بعضهم ببعض. والأدهى من هذا أن معظم سكان المدينة يعيشون في مناطق مجاورة للمصنع الذي يشكّل مركز الاقتصاد الرئيسي في المدينة. وهم كانوا نياماً حين حدث الانفجار، ولم يتنبهوا على الفور إلى حقيقة الكارثة إذ بقوا في أماكنهم يتساءلون عما يحدث فيما السموم تدخل أبدانهم.

خلال الساعات التالية، وكما يروي لنا سمار جودة في تجهيزه المصوّر، استولى الرعب على المدينة بأسرها وراحت الجثث تتكدس فوق بعضها بعضاً، أما الجرحى، ومعظمهم أصابت الغازات عيونهم فقضت على أبصارهم، فراحوا يتدافعون في كل مكان باحثين عمن يعتني بهم، سائرين فوق الجثث مصطدمين ببعضهم بعضاً. وأما المستشفيات والمستوصفات القليلة فإنها سرعان ما امتلأت بالمصابين حيث إنها عجزت عن استيعاب ولو جزء يسير من مئات آلاف المصابين. فمنذ عرف العالم بأنباء تلك الكارثة المذهلة ساده الرعب والتأثر، خصوصاً حين أدرك سريعاً أن تلك كانت - قبل عامين تقريباً من "تشيرنوبيل" في الاتحاد السوفياتي - أكبر كارثة بيئية صناعية عرفها الكون في تاريخه، حتى وإن كان رجال الأطفاء والدفاع المدني قد تمكنوا، قبل انقضاء ساعة على إطلاق أجراس الإنذار، من سدّ الفجوات التي كانت الغازات تتسرب منها.

ليس ترف مثقفين

والحقيقة أن تلك الكارثة قد فتحت العيون يومها على أساليب المصانع في العمل في الكثير من بلدان العالم الثالث، حيث أن أصحابها كانوا يقيمونها هناك، لأنهم يستخدمون فيها أيادي عاملة رخيصة، ويجدون أنفسهم في حل من تطبيق وسائل الأمن المطلوبة في البلدان المتطورة. ولقد عرف على الفور أن ذلك المصنع نفسه، كنموذج صارخ في هذا المجال، كان منذ بدء تشغيله في العام 1977 قد أحدث ثلاث كوارث قاتلة، ناتجة من عدم اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية، ومن الاستخفاف - بالتالي - بحياة العمال والسكان المحليين. ولقد وجهت الاتهامات يومها على الفور إلى الإدارة بالإهمال الذي أسفر عن جرائم رهيبة، وتم اعتقال المسؤولين الستة عن المصنع في الوقت الذي فتحت الحكومة تحقيقاً موسعاً حول ما حدث، وراح العالم يتنبه إلى مخاطر ذلك النوع من الممارسات وقد كفّ عن اعتباره ترف مثقفين، ذلك الكلام عن البيئة والمخاطر الناجمة عن فوضى الممارساتِ الصناعية.

المزيد من ثقافة