مكاتب المفتشين في الوزارات العراقية… تكافح الفساد وتُتهم به

موقف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من قرار البرلمان يكشف بشكل واضح أن سلطة الأحزاب أقوى بكثير من سلطة الدولة

عراقيون يتظاهرون احتجاجاً على الفساد المستشري في البلاد (رويترز)

جدل كبير يسود الأوساط السياسية في العراق بشأن إلغاء البرلمان مكاتب المفتشين في الوزارات العراقية، إذ تحاول بعض الأطراف الضغط لإيقاف القرار. فمعارضو الإبقاء حجتهم أن عمليات استجواب معظم الوزراء والمسؤولين في البرلمان العراقي السابق تمت بالتعاون مع هذه المكاتب.

أما المؤيدون فيعتبرون هذه المكاتب جزءاً من الفساد، وأنها لم تتمكن من القيام بعملها بالشكل المطلوب في السنوات الماضية.

يقول القانوني العراقي حسين مجيد إن إلغاء مكاتب المفتشين سهل جداً، لأنها أُسست بقرار وليس بقانون، مثل هيئة النزاهة.

أضاف "تحوّل المفتشون الذين من المفترض أن يعالجوا الفساد إلى جيوب للوزير وحلقة ضغط على الفاسدين لابتزازهم كي يدفعوا مبالغ طائلة، فيأخذ المفتش حصته منها. كما أنهم يتقاضون رواتب من الوزارة المكلفين مراقبة الفساد فيها، ويحصلون على امتيازات خاصة منها ولا يرتبطون بهيئة النزاهة إلا إدارياً، وليس من المعقول أن يطعن المفتش بالوزارة التي يعمل فيها".

البرلمان العراقي صوّت مبدئياً في 9 مارس (آذار) الحالي على قانون إلغاء مكاتب المفتشين في الوزارات وتفعيل دور الإدعاء العام، لكن مجلس مكافحة الفساد اعترض في اجتماعه الأسبوع الماضي، الذي عُقد برئاسة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، على قرار البرلمان، وهذا ما يعني أن القضية ستأخذ وقتاً طويلاً للاتفاق عليها بين الكتل النيابية.

ديوان الرقابة المالية

عندما دخلت القوات الأميركية إلى العراق ألغي ديوان الرقابة المالية، وهو الجهة الرقابية الأكثر فاعلية في مكافحة الفساد قبل العام 2003. وشكلت سلطة الائتلاف الموقّتة آنذاك مكاتب المفتشين العامين ومفوضية النزاهة العامة بديلاً من الديوان. إذ أُسست الأولى بقرار من سلطة الائتلاف، التي يمثلها الحاكم المدني بول بريمر بموجب الأمر الرقم 57 العام 2004، بينما أسست الثانية بالأمر الرقم 55 في العام نفسه، وعدّها الدستور العراقي الدائم لعام 2005 إحدى الهيئات المستقلة، مُغيّراً اسمها إلى هيئة النزاهة، على أن تكون خاضعة لرقابة مجلس النواب.

في ذلك الوقت، كانت دائرة المفتشين وهيئة النزاهة غريبتين على العراقيين، الذين لم يسمعوا من قبل عنهما، واعتقدوا بادئ الأمر أنهما مستقلتان فعلاً، وستقومان بأعمال غير مسبوقة في مكافحة الفساد. لكن السنوات التي مرت لاحقاً كشفت العكس، إذ تصدر العراق لائحة أكثر الدول فساداً لأعوام متتالية.

لاحقاً، قررت سلطة الائتلاف إعادة تفعيل ديوان الرقابة المالية، وهو جهاز عريق أُسس بموجب القانون الرقم 42 في العام 1968، وتضمن القرار إعادة تفعيل عمله وفق قانون رقم ستة الصادر في العام 1990، مع إجراء بعض التعديلات عليه، فيما كفل الدستور العراقي استقلالية الديوان في المادة 103 منه.

يقول الخبير القانوني خالد الدراجي إن ديوان الرقابة المالية هو جهة عليا بحسب القانون ومؤسسة رصينة لديها خبراء وباع طويل في محاسبة الفاسدين، إذ نصت المادة الثالثة من قانونه على أن يتولى الرقابة على المال العام.

يضيف "بعض الدوائر وضعت في حلقة خاصة خارج إطار الرقابة المالية، وهو خرق واضح للإدارة المالية. لذلك، كُلفت هيئة النزاهة مراقبتها، بالإضافة إلى مراقبة مكاتب المفتشين الوزارات".

تهم بالفساد

من المفترض، اليوم، أن تلعب الجهات الرقابية الثلاث دوراً رئيساً في مكافحة الفساد، لكن هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين كثيراً ما واجهتا تهماً بالفساد أو التقصير في محاسبة الفاسدين، لا سيما أن التشكيلين خضعا لنظام المحاصصة ووزعت مناصب المفتشين على الأحزاب الحاكمة، وهذا ما فتح الباب للمساومات عند اكتشاف ملفات فساد في وزارة معينة أو عند وزير يتبع أحد الأحزاب.

المفتش العام في وزارة الصحة أُتهم بصفقات فساد تسببت في هدر أكثر من 95 مليون دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. حينذاك، عرض النائب عن كتلة "سائرون" جواد الموسوي، في مؤتمر صحافي، وثائق تشير إلى شبهات في تورط المفتش العام لوزارة الصحة والبيئة في محاولات إغلاق ملفات فساد وإهدار كبير للمال العام تتعلق بعقود إنشاء مستشفيات في سبع محافظات جنوب العراق، مطالباً بتشكيل لجنة تحقيق في القضية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما موقف عبد المهدي من قرار البرلمان، واعتراضه على إلغاء مكاتب المفتشين، فيكشفان بشكل واضح أن سلطة الأحزاب أقوى بكثير من سلطة الدولة. إذ أكدت التصريحات الأخيرة لنواب مقربين من عبد المهدي رفضه التام حل مكاتب المفتشين.

يشار إلى أن الدعوة إلى إلغاء المكاتب بدأت قبل عام تقريباً، عندما رفعت اللجنة القانونية في مجلس النواب توصية إلى رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بهذا الشأن. وبررت اللجنة مطالبها بعدم قدرة المفتشين في الوزارات على القيام بمهماتهم المتمثلة بكشف الفساد.

وإذا كان سهلاً إلغاء مكاتب المفتشين في الوزارات بقرار من البرلمان أو رئيس الوزراء، فإن العائق الأكبر في هذه المسألة هو حصص الأحزاب في تلك المفتشيات. إذ إن كل مفتش عام يتبع حزباً ما واتخاذ خطوة كهذه سيتطلب مفاوضات مطولة بين تلك الأحزاب.

المزيد من العالم العربي